حدثنا أبو الخطاب الحرشي، قال: حدثنا سهل بن حمادٍ، قال: حدثنا سالم بن عبد الأعلى، عن نافعٍ، عن ابن عمر، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، بمثله. قال أبو عبد الله: فالذكر والنسيان من الله، إذا شاء ذكره، وإذا شاء أنساه، وربط الخيط سببٌ من الأسباب؛ لأنه نصب العين، فإذا رآه، ذكر ما نسي، فهذا سببٌ موضوعٌ دبره رب العالمين لعباده كسائر الأسباب. تحرز الأشياء بالأبواب، والأقفال، والحراس، ويستشفى من الأسقام بالأدوية، وتقبض الأرزاق والأقوات بالطلب، وكل أمرٍ بحيلة وسبب، والأرض تخرج نباتها بالماء، وهذا تدبيره في عباده، والخيط والذكر والشفاء وإيصال الأرزاق، كل ذلك بيده يجريها على الأسباب. فأهل اليقين لا تضرهم الأسباب، وهم الأنبياء والأولياء، يمضون عليها، فيحترزون، ويحترفون، ويحتالون، ويتداوون؛ لأنه تدبير الله، كذا دبر لعباده أن يجري أمورهم على الأسباب؛ امتحاناً منه لهم؛ لينظر من يتعلق قلبه بالأسباب، فتصير فتنةً عليه، ومن يتخلى عنها فيكون مع ولي الأسباب وخالقها، فيسلم من فتنتها؛ لأن الأسباب لا تملكه، فإنهم في الجملة كلهم قد آمنوا واعترفوا بأن الأشياء كلها من الله، ثم صاروا على ضربين: فضربٌ منهم توالت على قلوبهم الغفلات، وركدت أشغال الشهوات وظلمتها على قلوبهم، فحجبتهم عن الانتباه، فصاروا كالنيام والسكارى عن رؤية هذا وذكره، فإذا ذكروا، ذكروا، وإذا نبهوا، انتبهوا، ثم عادوا إلى رقدتهم وإلى غفلتهم، فصار ذلك لهم كالخبر. والآخرون: هم أهل اليقين، قد خرجوا بيقينهم من الغفلة، والذكر على قلوبهم دائم، والأمور لهم معاينة كيف يجريها، وكيف يدبرها، فليس الخبر كالمعاينة، فإن استعملوا الأسباب، فلم تضرهم، فكذلك هذا الخيط، لما ربطه، صار نصب عينيه علامة، إذا وقع بصره عليه، ذكر ما نسي، ثم لم يحجبه ذلك الخيط عن صنع الله أنه هو الذي ذكره بهذا الخيط، وحين ربطه، لم يطمئن إلى الخيط، ولم يركن ركون أهل الغفلة، بل ربطه ابتغاء موافقة تدبير الله الذي وضعه الله لعباده. وكذلك تداويه من أسقامه، وطلبه لمعاشه، وأخذه الجنة في الحرب، وحفر الخندق من أجل العدو. وظاهر يوم أحد بين درعين، فلا تظن به صلى الله عليه وسلم أنه مال إلى شيء من الأسباب غفلة مقدار طرفة عين. فصير الله الأسباب محنة للعباد؛ ليميز الخبيث من الطيب، قال الله -تبارك اسمه-: {ما كان الله ليذر المؤمنين على ما أنتم عليه حتى يميز الخبيث من الطيب وما كان الله ليطلعكم على الغيب ولكن الله يجتبي من رسله من يشاء}.
نوادر الأصول في معرفة أحاديث الرسول · Hadith 57
Translated by Dr. Muhammad Muhsin Khan · Reviewed by Islamic University of Madinah · Published March 2020
