فحدثنا عمر بن أبي عمر، قال: ثنا إبراهيم ابن أبي الليث ببغداد، قال: حدثنا الأشجعي، عن سفيان الثوري، عن عطاء بن السائب، عن سعيد بن جبيرٍ، عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله تعالى: {ورهبانيةً ابتدعوها ما كتبناها عليهم إلا ابتغاء رضوان الله}: فكانت ملوكٌ بعد عيسى بن مريم -صلوات الله عليه- بدلوا التوراة والإنجيل، فقال ناس لملوكهم: ما نجد شتماً أشد مما يشتمونا به أنهم يقرؤون: {ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون}، {ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الظالمون}، {فأولئك هم الفاسقون}. مع ما يعيبوننا به من أعمالنا في قراءتهم، فادعهم فليقرؤوا بما نقرأ به، وليؤمنوا بما آمنا به، قال: فدعاهم فجمعهم، فعرض عليهم القتل، أو أن يتركوا قراءة التوراة والإنجيل إلا ما بدلوا منها، فقالوا:وما تصنعون بقتلنا؟ دعونا، وابنوا لنا أساطيناً ادفعونا فيها، واتركوا لنا شيئاً يدلى فيه طعامنا، ولا نؤذيكم. وقالت طائفة أخرى منهم: دعونا نهيم في الأرض، ونسيح ونأكل مما تأكل منه الوحوش، ونشرب مما تشرب منه الوحش، فإن قدرتم علينا في أرضكم، فاقتلونا.وقالت طائفة أخرى منهم: ابنوا لنا ديوراً في الفيافي، فنحتفر الآبار، ونحرث البقول، فلا نؤذيكم، ولا نمر بكم، وليس أحد في القبائل إلا له حميم فيهم، ففعلوا ذلك.قال: فقوله: {ورهبانيةً ابتدعوها ما كتبناها عليهم إلا ابتغاء رضوان الله فما رعوها حق رعايتها}.قال آخرون ممن تعبد من أهل الشرك، وبقي من بقي منهم، قالوا: نتعبد كما تعبد فلان، ونتخذ ديراً كما اتخذ فلان، ونسيح كما ساح فلان، وهم في شركهم، لا علم لهم بإيمان الذين اقتدوا بهم، وقد فني من فني منهم، فلما بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولم يبق منهم إلا قليل، انحط صاحب الصومعة عن صومعته، وصاحب الدير عن ديره، وصاحب السياحة عن سياحته، فآمنوا به، وصدقوه. قال تعالى: {فآتينا الذين آمنوا منهم أجرهم وكثيرٌ منهم فاسقون}، فقال الله عز وجل: {يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وآمنوا برسوله يؤتكم كفلين من رحمته} أي: أجرين: أجرٌ بإيمانهم بعيسى وبالتوراة والإنجيل، (وأجرٌ بإيمانهم بمحمد صلى الله عليه وسلم وتصديقهم، {ويجعل لكم نوراً تمشون به}، قال: القرآن؛ {لئلا يعلم أهل الكتاب ألا يقدرون على شيءٍ من فضل الله وأن الفضل بيد الله يؤتيه من يشاء}. قال أبو عبد الله رحمه الله:فعلى هذا المثال عاملت متزهدة زماننا، سمعت: أنه مضى في السلف الصالح من الصحابة والتابعين قوم اكتفوا بالدون من الحال، فلبسوا الصوف والخلقان، وأكلوا النخالة، وامتنعوا من الشهوات، وشمروا الثياب، وامتنعوا من المخالطة؛ صدقاً وتورعاً واحتياطاً لدينهم، كل ذلك خوفاً من الله سبحانه وتعالى أن يقدموا عليه متدنسين بحطام الدنيا، مفتونين فيها، وإنما فعل القوم ذلك -لضعف يقينهم- بمنزلة من امتنع من دخول البحر مخافة الغرق؛ لعجزه عن السباحة، ولم يكتب الله هذا عليهم، بل أحل لهم الطيبات والزينة، ووسع عليهم، فابتدعوا تركها رهبةً من الله عز وجل، وكانوا فيها صادقين، فلم يعابوا، ولم يذموا؛ لأنهم رعوا ما ابتدعوا حتى خرجوا من الدنيا مع صدق ما ابتدعوا ابتغاء رضوان الله، فخلفهم من بعدهم خلفٌ اتبعوهم فيما ابتدعوا، وهم غير صادقين فيها، فأقبلوا على لبس الصوف والخلقان، وأكل النخالة والخبز المتكرج، يريدون بذلك إظهار الزهد، وقلوبهم مشحونة بشهوات الدنيا تأكلا دنياهم بدينهم، فما رعوها حق رعايتها كما فعل أصحاب الصوامع والديور، واتبعوا القوم في فعلهم، وأس أمرهم على الضلالة.
نوادر الأصول في معرفة أحاديث الرسول · Hadith 39
Translated by Dr. Muhammad Muhsin Khan · Reviewed by Islamic University of Madinah · Published March 2020
