سمعت ذا النون، وسأله الحسن بن محمد: عن صفة المهمومين؛ فقال له ذو النون: لو رأيتهم، لرأيت قوماً لهم هموم مكنونة، خلقت من لباب المعرفة، فإذا وصلت المعرفة إلى قلوبهم: سقاهم بكأس سر السر، من مؤانسة سر محبته، فهاموا بالشوق على وجوههم، فعندها لا يحطون رحال الهم، إلا بفناء محبوبهم؛ فلو رأيتهم، لرأيت قوماً: أزعجهم الهم عن أوطانهم، وثبتت الأحزان في أسرارهم؛ فهممهم إليه سائرة، وقلوبهم إليه من الشوق طائرة؛ فقد أضجعهم الخوف على فرش الأسقام، وذبحهم الرجاء بسيف الانتقام، وقطع نياط قلوبهم كثرة بكائهم عليه، وزهقت أرواحهم من شدة الوله إليه؛ قد هد أجسامهم الوعيد، وغير ألوانهم السهر الشديد، إلى الهرب: من المواطن، والمساكن، والأعلاق، إلى أن تفرقوا: في الشواهق، والمغائص، والآكام؛ أكلهم الحشيش، وشربهم الماء القراح؛ يتلذذون بكلام الرحمان، ينوحون به على أنفسهم نوح الحمام، فرحين في خلواتهم، لا يفتر لهم جارحة في الخلوات، ولا تستريح لهم قدم تحت ستور الظلمات؛ فيا لها نفوس طاشت بهممها، والمسارعة إلى محبتها، لما أملت من اتصال النظر إلى ربها؛ فنظرت، فأنست، ووصلت، فأوصلت، وعرفت ما أراد بها، فركبت النجب، وفتقت الحجب، حتى كشفت عن همها الكرب، فنظرت بهمم محبتها إلى وجه الله الواحد القهار؛ ثم أنشأ ذو النون يقول: رجال أطاعوا الله في السر والجهر *** عن سعيد بن عثمان الخياط قال
التهذيب الموضوعي لحلية الأولياء، للحافظ أبي نعيم الأصبهاني - ت - ن دار طيبة للنشر والتوزيع - · Hadith 5339
Sanad
سمعت ذا النون، وسأله الحسن بن محمد: عن صفة المهمومين؛ فقال له ذو النون: لو رأيتهم، لرأيت قوماً لهم هموم مكنونة، خلقت من لباب المعرفة، فإذا وصلت المعرفة إلى قلوبهم: سقاهم بكأس سر السر، من مؤانسة سر محبته، فهاموا بالشوق على وجوههم، فعندها لا يحطون رحال الهم، إلا بفناء محبوبهم؛ فلو رأيتهم، لرأيت قوماً: أزعجهم الهم عن أوطانهم، وثبتت الأحزان في أسرارهم؛ فهممهم إليه سائرة، وقلوبهم إليه من الشوق طائرة؛ فقد أضجعهم الخوف على فرش الأسقام، وذبحهم الرجاء بسيف الانتقام، وقطع نياط قلوبهم كثرة بكائهم عليه، وزهقت أرواحهم من شدة الوله إليه؛ قد هد أجسامهم الوعيد، وغير ألوانهم السهر الشديد، إلى الهرب: من المواطن، والمساكن، والأعلاق، إلى أن تفرقوا: في الشواهق، والمغائص، والآكام؛ أكلهم الحشيش، وشربهم الماء القراح؛ يتلذذون بكلام الرحمان، ينوحون به على أنفسهم نوح الحمام، فرحين في خلواتهم، لا يفتر لهم جارحة في الخلوات، ولا تستريح لهم قدم تحت ستور الظلمات؛ فيا لها نفوس طاشت بهممها، والمسارعة إلى محبتها، لما أملت من اتصال النظر إلى ربها؛ فنظرت، فأنست، ووصلت، فأوصلت، وعرفت ما أراد بها، فركبت النجب، وفتقت الحجب، حتى كشفت عن همها الكرب، فنظرت بهمم محبتها إلى وجه الله الواحد القهار؛ ثم أنشأ ذو النون يقول: رجال أطاعوا الله في السر والجهر **
