حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ نُعَيْمِ بْنِ نَاعِمٍ , قَالَ : حَدَّثَنا أَبُو حَاتِمٍ مُحَمَّدُ بْنُ إِدْرِيسَ الرَّازِيُّ قَالَ : حَدَّثَنا الْأَنْصَارِيُّ قَالَ : حَدَّثَنا أَبُو الْمُعَلَّى قَالَ : حَدَّثَنا أَبُو عُثْمَانَ النَّهْدِيُّ قَالَ : سَمِعْتُ سَلْمَانَ الْفَارِسِيَّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَقُولُ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى كَرِيمٌ يَسْتَحْيِي إِذَا رَفَعَ إِلَيْهِ الْعَبْدُ يَدَيْهِ أَنْ يَرُدَّهُمَا صِفْرًا حَتَّى يَضَعَ فِيهِمَا خَيْرًا. قَالَ الشَّيْخُ - رَحِمَهُ اللَّهُ - : الْحَيَاءُ مِنْ أَوْصَافِ الْكِرَامِ , وَاللَّئِيمُ لَا يَكَادُ يَسْتَحْيِي , وَالْحَيَاءُ يَجْمَعُ مَعَانِيَ كَبِيرَةً , فَمِنْهُ الِامْتِنَاعُ مِنَ الْفِعْلِ الذَّمِيمِ , وَالْوَصْفِ الْقَبِيحِ , وَمِنْهُ التَّرَفُّعُ مِمَّا يَسْتَثْنِيهِ وَيُذَمُّ عَلَيْهِ , وَمِنْهُ الْخَشْيَةُ مِنْ أَنْ يُوصَفَ بِالْقَبِيحِ مِنَ الْوَصْفِ أَوْ يُنْسَبَ إِلَى الذَّمِيمِ مِنَ الْفِعْلِ , وَكُلُّ هَذِهِ الْأَوْصَافِ مِنْ أَوْصَافِ الْكِرَامِ , وَالْحَيِيُّ أَيْضًا لَا يَكَادُ يَسْتَحْيِي إِلَّا مِمَّنْ لَهُ قَدْرٌ وَخَطَرٌ , وَمَنْ لَا قَدْرَ لَهُ وَلَا خَطَرَ فَقَلَّمَا يَسْتَحْيِي مِنْهُ , وَالْكَرِيمُ الْمُتَحَقِّقُ بِأَوْصَافِ الْكِرَامِ يَدَعُ مَا يَدَعُهُ تَكَرُّمًا فِي نَفْسِهِ , وَيَفْعَلُ مَا يَفْعَلُ فَضْلًا مِنْ عِنْدِهِ , وَلَا يَنْظُرُ إِلَى مَا يُسْتَحْيَى مِنْهُ , فَيُعْطِي مَنْ لَا يَسْتَحِقُّ , وَيَدَعُ عُقُوبَةَ مَنْ يَسْتَوْجِبُهَا ؛ لِأَنَّهُ يُرْفَعُ مِنْ صِفَةِ الْحِرْمَانِ , قَالَ الشَّاعِرُ يَمْدَحُ بَعْضَ الْمُلُوكَ بِالْكَرْمِ: {من أشعار غير معلوم - البحر المجتث} يُفْضِي حَيَاءً وَيُفْضِي عَطَاءً مَنْ لَا يَسْتَوْعِبُ لِأَنَّهُ يَتَرَفَّعُ مِنْ مَهَابَةٍ فَمَا يُكَلِّمُ إِلَّا حِينَ شِيمَ فَوَضَعَ بِالْحَيَاءِ فِي تَرْكِ عُقُوبَةِ مَنْ يَسْتَوْجِبُ وَإِعْطَاءِ مَنْ لَا يَسْتَوْعِبُ ؛ لِأَنَّهُ يَتَرَفَّعُ مِنْ صِفَةِ الْحِرْمَانِ لِمَنْ سَأَلَهُ , وَيَتَكَرَّمُ مِنْ عُقُوبَةِ مَنْ يَتَعَرَّضُ لِلْعَفْوِ مِنْهُ. وَلَمَّا كَانَ الْحَيَاءُ مِنَ الْكَرِيمِ جَازَ أَنْ يُوصَفَ اللَّهُ بِهِ ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى كَرِيمٌ مُتَفَضِّلٌ عَفُوٌّ غَفُورٌ جَوَادٌ وَشَكُورٌ , فَإِذَا رَفَعَ إِلَيْهِ الْعَبْدُ سَائِلًا مِنْهُ , وَطَالِبًا فَضْلَهُ , يَتَكَرَّمُ عَنْ أَنْ يَحْرِمَهُ ,وَيَتَعَالَى عَنْ أَنْ يَرُدَّهُ , وَإِنْ كَانَ الْعَبْدُ لَا يَسْتَوْجِبُ الْعَطَاءَ , وَلَا يَسْتَأْهِلُ الْعَفْوَ , وَكَانَ جَلَّ وَعَزَّ سَاخِطًا عَلَيْهِ غَيْرَ رَاضٍ عَنْهُ , فَهُوَ تَعَالَى يَتَفَضَّلُ مِنْ عِنْدِهِ فَيُعْطِي مَنْ يَسْتَوْجِبُ الْحِرَمَانَ , وَيَعْفُو عَنِ الْعُقُوبَةِ كَرَمًا مِنْهُ وَتَفَضُّلًا ؛ لِأَنَّهُ جَلَّ وَعَزَّ لَا يَرْضَى حِرْمَانَ عَبْدِهِ وَقَدْ مَدَّ إِلَيْهِ يَدَهُ سَائِلًا مِنْهُ مُفْتَقِرًا إِلَيْهِ مُتَعَرِّضًا بِفَضْلِهِ مِمَّا لَا يَنْقُصُهُ وَلَا يَؤُدُهُ , وَيَعْفُو بِمَنْ يَسْتَوْجِبُ الْعُقُوبَةَ وَهُوَ غَيْرُ رَاضٍ عَنْهُ , وَلَا قَابِلٍ مِنْهُ , وَهُوَ يَفْعَلُ ذَلِكَ عَمَّنْ تَجَلَّى عِنْدَهُ قَدْرُهُ وَيَعْظُمُ لَدَيْهِ خَطَرُهُ , وَهُوَ الْمُؤْمِنُ بِهِ الْمُصَدِّقُ لَهُ الْمُقِرُّ لَهُ بِالْوَحْدَانِيَّةِ , الْمُذْعِنُ لَهُ بِالْعُبُودِيَّةُ , وَإِنْ كَانَ يَأْتِي مِنَ الْعِصْيَانِ مَا يَسْتَوْجِبُ بِهِ الْعُقُوبَةَ , وَمِنَ الْفِعْلِ مَا يَسْتَحِقُّ بِهِ الْحِرْمَانِ فَهُوَ جَلَّ وَعَزَّ يُجِلُّ قَدْرَ عَبْدِهِ الْمُؤْمِنِ أَنْ يَرُدَّ يَدَيْهِ صِفْرًا خَائِبَتَيْنِ وَقَدْ رَفَعَهُمَا إِلَيْهِ , وَهُوَ جَلَّ وَعَزَّ قَدْ يُعْطِي الْكَافِرَ بِهِ , وَالْجَاحِدَ لَهُ وَالْمُشْرِكَ مَعَهُ غَيْرَهُ بَعْضَ مَا يَسْأَلُهُ كَرْمًا مِنْهُ وَفَضْلًا , وَيُؤَخِّرُ عُقُوبَتَهُ , وَلَا يُعَالِجُهُ بِهَا إِذَا رَفَعَ إِلَيْهِ يَدَيْهِ , وَهُوَ سَاخِطٌ عَلَيْهِ مُبْغِضٌ لَهُ مُعْرِضٌ عَنْهُ , اسْتِدْرَاجًا لَهُ وَإِرَادَةَ السُّوءِ بِهِ , لَا لِإِجْلَالِهِ , وَلَا لِقَدْرِهِ عِنْدَهُ وَكَرَامَتِهِ عَلَيْهِ , بَلْ لِأَنَّهُ جَوَادٌ كَرِيمٌ مُتَفَضِّلٌ حَلِيمٌ , قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : {ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ ثُمَّ إِذَا كَشَفَ الضُّرَّ عَنْكُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِنْكُمْ بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ} , وَمِثْلُهُ كَثِيرٌ. فَإِذَا كَانَ اللَّهُ تَعَالَى لَا يَرُدُّ يَدَ مَنْ يَرْفَعُهَا إِلَيْهِ صِفْرًا , وَهُوَ لَهُ عَاصٍ وَلِأَمْرِهِ تَارِكٌ , وَعَنْ أَدَاءِ حُقُوقِهِ مُعْرِضٌ , فَمَا ظَنُّكَ بِمَنْ يَرْفَعُ إِلَيْهِ يَدَيْهِ مُفْتَقِرًا إِلَيْهِ مُتَذَلِّلًا لَهُ مُعْتَذِرًا إِلَيْهِ مُقْبِلًا عَلَيْهِ يَسْأَلُهُ سُؤَالَ الْمُضْطَرِّينَ , وَيَدْعُوهُ دُعَاءَ الْغَرِيقِ , وَيَتَضَرَّعُ لِعَفَوْهِ تَعَرُّضَ مَنْ لَا يَسْتَأْهِلُ لِنَفْسِهِ حَالًا لِنَفْسِهِ حَالًا , وَلَا يَرَى لِنَفْسِهِ , لَا يَرْجُو إِلَّا فَضْلَهُ , وَلَا يَعْتَمِدُ إِلَّا عَلَى كَرَمِهِ , سُبْحَانَ الْكَرِيمِ ذِي الْفَضْلِ الْعَظِيمِ. فَمَعْنَى الْحَيَاءِ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى التَّكَثُّرُ فِي الْإِعْطَاءِ مَنْ يَسْتَوْجِبُ الْحِرْمَانَ عِنْدَ سُؤَالِهِ مِنْهُ وَرَفَعَ يَدَيْهِ نَحْوَهُ , وَتَرَفُّعُهُ وَتَعَالِيهِ تَعَالَى عَنْ حِرْمَانِهِ مِمَّا لَا يَنْقُصُهُ عَنْ عُقُوبَتِهِ مَنْ يَسْتَوْجِبُهَا , وَقَدْ تَعَرَّضَ لِعَفْوِهِ وَامْتِنَاعِهِ عَنِ الْعُقُوبَةِ وَالْحِرْمَانِ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.حَدِيثٌ آخَرُ.
بحر الفوائد المشهور بمعاني الأخبار للكلاباذي - مشكول - ت محمد حسن إسماعيل - أحمد فريد المزيدي - ن دار الكتب العلمية - بيروت / لبنان · Hadith 218
Translated by Dr. Muhammad Muhsin Khan · Reviewed by Islamic University of Madinah · Published March 2020
