سَمِعْتُ مُحَمَّدَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يُوسُفَ الْعُمَانِيُّ , يَقُولُ : سَمِعْتُ كَهْمَسًا , يَقُولُ : سَمِعْتُ مُحَمَّدَ بْنَ الْحَسَنِ , يَقُولُ : سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ شَقِيقٍ , رَحِمَهُ اللَّهُ , يَقُولُ : قُلْتُ لِعَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا : مَنْ كَانَ أَحَبَّ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ؟ قَالَتْ : أَبُو بَكْرٍ , قُلْتُ : ثُمَّ مَنْ ؟ قَالَتْ : ثُمَّ عُمَرُ , قُلْتُ : ثُمَّ مَنْ ؟ قَالَتْ : ثُمَّ أَبُو عُبَيْدَةَ بْنُ الْجَرَّاحِ.قَالَ الشَّيْخُ رَحِمَهُ اللَّهُ : أَخْبَرَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ خَلِيلَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَأَخْبَرَ فِي الْحَدِيثِ الْأَوَّلِ أَنَّهُ لَيْسَ لَهُ خَلِيلٌ غَيْرُ اللَّهِ , وَفِي حَدِيثٍ آخَرَ أَنَّ أَحَبَّ النَّاسِ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَاطِمَةُ , وَقَالَ فِي حَدِيثٍ آخَرَ فِي الْحَسَنِ وَالْحُسَيْنِ : اللَّهُمَّ إِنِّي أُحِبُّهُمَا , فَأَحِبَّهُمَا , وَكَانَ أُسَامَةُ يُقَالُ لَهُ : حِبُّ رَسُولِ اللَّهِ , فَوَرَدَتِ الْأَخْبَارُ أَنَّهُ أَحَبَّ أَقْوَامًا , وَلَمْ يَتَّخِذِ أَحَدًا مِنَ النَّاسِ خَلِيلًا , وَقَدْ تَكَلَّمَ شُيُوخُ الصُّوفِيَّةِ فِي الْخُلَّةِ وَالْمَحَبَّةِ , فَشَرَّفَ بَعْضُهُمُ الْخُلَّةَ , وَشَرَّفَ الْأَكْثَرُونَ الْمَحَبَّةَ , وَقَالُوا : كَانَ إِبْرَاهِيمُ عَلَيْهِ السَّلَامُ خَلِيلَ اللَّهِ , وَمُحَمَّدٌ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَبِيبَ اللَّهِ , وَتَكَلَّمُوا فِيهِ بِكَلَامٍ كَثِيرٍ . وَقَدْ وَرَدَ الْخَبَرُ بِذَلِكَ. وَالْخُلَّةُ بِمَعْنًى , وَالْمَحَبَّةُ بِمَعْنًى آخَرَ , وَالْمَحَبَّةُ : هِيَ الْإِيثَارُ , وَالْمُوَافَقَةُ , وَالْإِقْبَالُ لَهُ , وَالْخُلَّةُ هِيَ عَلَى الْمَحْبُوبِ , وَخَاصَّتُهُ الْوَجْدُ بِالْمَحْبُوبِ , وَالرِّقَّةُ لَهُ بَعْدَ الْمَيْلِ إِلَيْهِ , وَالْإِقْبَالِ عَلَيْهِ , وَالْإِيثَارِ لَهُ , وَالْخُلَّةُ هِيَ : الِاخْتِصَاصُ , وَالْمُدَاخَلَةُ , يُقَالُ : خَلَّلَ أَصَابِعَهُ إِذَا أَدْخَلَ بَعْضَهَا فِي بَعْضٍ , وَخَلَّلَ لِحْيَتَهُ إِذَا أَدْخَلَ أَصَابِعَهُ. حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ حَامِدِ الْقَوَارِيرِيُّ ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ سَهْلٍ ، حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ نَصْرِ بْنِ عَلِيٍّ الْحُلْوَانِيُّ قَالَا : حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الْمَجِيدِ , قَالَ : حَدَّثَنا زَمْعَةُ بْنُ صَالِحٍ , عَنْ سَلَمَةَ بْنِ وَهْرَامٍ , عَنْ عِكْرِمَةَ , عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ , رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ : جَلَسَ نَاسٌ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَنْتَظِرُونَهُ , فَخَرَجَ حَتَّى إِذَا دَنَا مِنْهُمْ سَمِعَهُمْ يَتَذَاكَرُونَ , فَتَسَمَّعَ حَدِيثَهُمْ , فَقَالَ بَعْضُهُمْ : عَجَبًا أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى اتَّخَذَ مِنْ خَلْقِهِ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا , وَقَالَ آخَرُ : مَاذَا بِأَعْجَبَ مِنْ أَنْ كَلَّمَ اللَّهُ تَعَالَى مُوسَى تَكْلِيمًا . وَقَالَ آخَرُ : فَعِيسَى كَلِمَةُ اللَّهِ , وَرُوحُهُ , وَقَالَ آخَرُ : آدَمُ اصْطَفَاهُ اللَّهُ . فَخَرَجَ عَلَيْهِمْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , فَسَلَّمَ , وَقَالَ : قَدْ سَمِعْتُ كَلَامَكُمْ وَعَجَبَكُمْ , إِنَّ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلُ اللَّهِ , وَهُوَ كَذَلِكَ , وَمُوسَى نَجِيُّ اللَّهِ , وَهُوَ كَذَلِكَ , وَعِيسَى كَلِمتُهُ وَرُوحُهُ , وَهُوَ كَذَلِكَ , وَآدَمُ اصْطَفَاهُ اللَّهُ , وَهُوَ كَذَلِكَ , أَلَا وَأَنَا حَبِيبُ اللَّهِ , وَلَا فَخْرَ , وَأَنَا حَامِلُ لِوَاءِ الْحَمْدِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا فَخْرَ , وَأَنَا أَوَّلُ مَنْ يُحَرِّكِ حِلَقَ الْجَنَّةِ , وَيُفْتَحُ الْبَابُ لِي , فَيُدْخِلُنِيهَا , وَمَعِي فُقَرَاءُ الْمُؤْمِنِينَ , وَلَا فَخْرَ , وَأَنَا أَوَّلُ شَافِعٍ , وَأَوَّلُ مُشَفَّعٍ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ,وَلَا فَخْرَ , وَأَنَا أَكْرَمُ الْأَوَّلِينَ , وَالْآخِرِينَ عَلَى اللَّهِ , وَلَا فَخْرَ , إِنِّي لَسْتُ أَفْتَخِرُ بِذِي عَلَيْكُمْ فَخْرَ تَعْظِيمٍ , وَتَرَفُّعٍ , وَتَكَبُّرٍ وَلَكِنْ كَانَ فَخْرُهُ بِاللَّهِ , وَتَكَلَّمُوا فِيهِ بِكَلَامٍ كَثِيرٍ. فَالْخُلَّةُ تَخْتَصَّ بِمَعْنًى , وَالْمَحَبَّةُ تَخْتَصُّ بِمَعْنًى آخَرَ , فَالْمَحَبَّةُ هِيَ الْإِيثَارُ , وَالْمُوَافَقَةُ , وَالْإِقْبَالُ عَلَى الْمَحْبُوبِ , وَخَاصَّتُهُ الْوَجْدُ بِالْمَحْبُوبِ , وَالرِّقَّةُ لَهُ بَعْدَ الْمَيْلِ إِلَيْهِ , وَالْإِقْبَالِ عَلَيْهِ , وَالْإِيثَارِ لَهُ , وَالْخُلَّةُ هِيَ الِاخْتِصَاصُ , وَالْمُدَاخَلَةُ , يُقَالُ : خَلَّلَ أَصَابِعَهُ إِذَا أَدْخَلَ بَعْضَهَا فِي بَعْضٍ , وَخَلَّلَ لِحْيَتَهُ إِذَا أَدْخَلَ أَصَابِعَهُ فِيهَا , فَكَأَنَّ الْمُتَخَالِلَيْنِ يَتَدَاخَلَانِ بَيْنَهُمَا فِي وُقُوفِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَى مَا يَسْتُرُ خَلِيلَهُ , وَيَطَّلِعُ عَلَى مَغِيبِ خَلِيلِهِ , وَخَاصَّةِ أَمْرِهِ مِمَّا يَسْتُرُهُ عَنْ غَيْرِهِ , وَلَا يُطْلِعُ عَلَيْهِ أَحَدًا مِنَ النَّاسِ , وَهَذَا خَاصِّيَّةُ الْخُلَّةِ , قَالَ الشَّاعِرُ: {من أشعار منسوب لبشار بن برد وقيل للبحتري - البحر الخفيف} قَدْ تَخَلَّلْتَ مَسْلَكَ الرُّوحِ مِنِّي وَبِذَا سُمِّيَ الْخَلِيلُ خَلِيلَا فَإِذَا مَا نَطَقْتُ كُنْتَ حَدِيثِي وَإِذَا مَا سَكَتُّ كُنْتَ الْغَلِيلَا فَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَعْنَى قَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لَوْ كُنْتُ مُتَّخِذًا مِنْ أُمَّتِي خَلِيلًا , أَيْ : لَوْ كُنْتُ مُطْلِعًا أَحَدًا مِنْ أُمَّتِي عَلَى سِرِّي , وَمُوَقِّفًا أَحَدًا بِمَغِيبِ أَمْرِي , وَمَا أَجُنُّهُ فِي ضَمِيرِي , لَأَطْلَعْتُ عَلَيْهِ أَبَا بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ , وَلكِنْ لَا يَطَّلِعُ عَلَى سِرِّي إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ , وَلَا أُظْهِرُ مَا أَسْتُرُهُ , وَلَا أَكْشِفُ مَا أُضْمِرُهُ إِلَّا لِلَّهِ وَحْدَهُ ؛ لِأَنِّي خَلِيلُهُ , وَإِنَّمَا يَقِفُ عَلَى سِرِّ الْمَرْءِ خَلِيلُهُ دُونَ غَيْرِهِ , قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إِنَّ لِي مَعَ اللَّهِ وَقْتًا لَا يَسْمَعُنِي فِيهِ غَيْرُهُ , أَيْ : لَا يَتَخَلَّلُ بَيْنِي وَبَيْنَ رَبِّي دَخِيلٌ , وَقَدْ أَبَى اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ أَنْ يُطْلِعَ أَحَدًا مِنْ خَلْقِهِ عَلَى مَا أَسَرَّهُ إِلَى خَلِيلِهِ وَحَبِيبِهِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , فَقَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ : {فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى} {النجم) , سَتَرَ عَلَى الْعَالَمِينَ مَا أَسَرَّهُ إِلَيْهِ , وَأَوْرَدَهُ عَلَيْهِ , فَقَالَ عَزَّ وَجَلَّ : {فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى} {النجم) , أَخْرَجَ عَنِ الْأَوْهَامِ , وَتَوَرَّدَ إِلَيْهِ , وَطَوَى عَنِ الْأَفْهَامِ سِرَّهُ إِلَيْهِ , وَأَمَرَهُ بِأَنْ يُبَلِّغَ مَا أَنْزَلَ إِلَيْهِ دُونَ مَا تَوَقَّفَ بِسِرِّهِ إِلَيْهِ , فَقَالَ : {بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكِ} , وَلَمْ يَقُلْ : بَلِّغْ مَا تَعَرَّفْنَا بِهِ إِلَيْكَ , رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ , وَرُوِيَ عَنْهُ أَيْضًا فِي قَوْلِهِ : {وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ} قَالَ : لَوْ أَظْهَرَ لِغَيْرِنَا مَا أَسْرَرْنَا إِلَيْهِ : {لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ} , إِذْ لَا يَجُوزُ أَنْ يَدْخُلَ بَيْنَ الْخَلِيلَيْنِ ثَالِثٌ , أَوْ يَقِفَ عَلَى سِرِّ الْمُحِبَّيْنِ أَحَدٌ , لَا يَرَى لِمَا أَضْمَرَ فِي سِرِّهِ مَعْنًى لِغَيْرِهِ , وَأَخْفَى فِي نَفْسِهِ شَرًّا لِجِنْسِهِ , غَارَ اللَّهُ عَلَيْهِ أَنْ يَكُونَ لَهُ سِرٌّ سِوَاهُ , فَقَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ : {وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ} {الأحزاب) , أَظْهَرَ لِلنَّاسِ مَا أَخْفَاهُ فِي نَفْسِهِ غَيْرَةً عَلَيْهِ أَنْ يَكُونَ فِي سِرِّهِ غَيْرُهُ , وَسَتَرَ عَنِ الْخَلْقِ كُلِّهِمْ مَا وَرَّاهُ مِنْ عَظِيمِ آيَاتِهِ , وَلَطَائِفِ كَرَامَاتِهِ , فَقَالَ : {لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى} {النجم) انْحَسَرَتْ أَوْهَامُ الْخَلَائِقِ فِي الْوُقُوفِ عَلَى مَعْنَى قَوْلِهِ : {الْكُبْرَى} {النجم) فَطَوَى اللَّهُ - عَزَّ وَجَلَّ - عَنِ الْخَلْقِ مَا كَانَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ خَلِيلِهِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَخْبَرَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَطَّلِعَ عَلَى سِرِّهِ إِلَّا الْخَلِيلُ الَّذِي هُوَ الْجَلِيلُ , فَقَالَ : لَوْ جَازَ لِي أَنْ أَتَّخِذَ خَلِيلًا فَيَقِفَ عَلَى سِرِّي لَاتَّخَذْتُ أَبَا بَكْرٍ , إِذْ كَانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَقْرَبَ الْخَلْقِ سِرًّا مِنْ سِرِّ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , أَلَا يُرَى إِلَى قَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إِنَّ أَبَا بَكْرٍ لَمْ يَفْضُلْكُمْ بِصَوْمٍ وَلَا صَلَاةٍ وَلَكِنْ بِشَيْءٍ وَقَرَ فِي قَلْبِهِ طَوَى عَنِ النَّاسِ سِرَّ أَبِي بَكْرٍ , كَمَا طَوَى عَنْ أَبِي بَكْرٍ سِرَّ نَفْسِهِ , وَبَذْلَ الْمَحَبَّةَ مِنْهُ لِلنَّاسِ , فَقَالَ : إِنِّي أُحِبُّهُمَا فَأَحِبَّهُمَا يَعْنِي الْحَسَنَ وَالْحُسَيْنَ وَأُسَامَةَ.
بحر الفوائد المشهور بمعاني الأخبار للكلاباذي - مشكول - ت محمد حسن إسماعيل - أحمد فريد المزيدي - ن دار الكتب العلمية - بيروت / لبنان · Hadith 206
Translated by Dr. Muhammad Muhsin Khan · Reviewed by Islamic University of Madinah · Published March 2020
