حَدَّثَنَا بَكْرُ بْنُ مَسْعُودٍ ، حَدَّثَنَا أَبُو سُلَيْمَانَ مُحَمَّدُ بْنُ مَنْصُورٍ ، حَدَّثَنَا الْقَعْنَبِيُّ ، حَدَّثَنَا شُعْبَةَ , عَنْ مَنْصُورٍ , عَنْ رِبْعِيِّ بْنِ حِرَاشٍ , عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ , رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إِنَّ مِمَّا أَدْرَكَ النَّاسُ مِنْ كَلَامِ النُّبُوَّةِ الْأُولَى إِذَا لَمْ تَسْتَحِ فَاصْنَعْ مَا شِئْتَ. قَالَ الشَّيْخُ رَحِمَهُ اللَّهُ : رَفَعَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْرَ هَذِهِ الْكَلِمَةِ , وَأَجَلَّهَا وَعَظَّمَ شَأْنَهَا , فَذَكَرَ أَنَّهَا مِنْ كَلَامِ الْأَنْبِيَاءِ لَيْسَ مِمَّا قَالَتِ الْعَرَبُ بِحِكَمِهَا وَفَصَاحَتِهَا. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ قَوْلُهُ : مِمَّا أَدْرَكَ النَّاسُ مِنْ كَلَامِ النُّبُوَّةِ أَيْ : أَنَّهَا مِمَّا أَوْحَى اللَّهُ إِلَى الْأَنْبِيَاءِ عَلَيْهِمُ السَّلَامُ أَوَّلَ مَا أَوْحَى , فَلَمْ يَزَلْ ذَلِكَ يَجْرِي فِي النُّبُوَّاتِ حَتَّى أَدْرَكَهَا الْعَرَبُ , فَهِيَ عَلَى أَفْوَاهِهَا مِمَّا أَوْحَى اللَّهُ إِلَى الْأَنْبِيَاءِ عَلَيْهِمُ السَّلَامُ , يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ رِوَايَةُ مُفَضَّلِ بْنِ مُهَلْهَلٍ , عَنْ مَنْصُورٍ , عَنْ رِبْعِيٍّ , عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إِنَّ مِمَّا بَقِيَ مِنَ النُّبُوَّةِ الْأُولَى كَأَنَّهُ يَقُولُ : هِيَ مِمَّا أَوْحَى اللَّهُ إِلَى الْأَنْبِيَاءِ , وَلَيْسَتْ مِنِ اخْتِرَاعِ الْحُكَمَاءِ , وَكَلَامِ الْفُصَحَاءِ رَفْعًا مِنْ قَدْرِهَا , وَتَعْظِيمًا لِشَأْنِهَا ؛ لِأَنَّهَا كَلِمَةٌ جَامِعَةٌ لَخَيْرِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ , وَذَلِكَ أَنَّ الْحَيَاءَ فَرْعٌ يَتَوَلَّدُ مِنْ إِجْلَالِ قَدْرِ مَنْ يَسْتَحِي مِنْهُ , وَتَقْصِيرٍ يَرَاهُ في نَفْسِهِ , وَإِزْرَاءٍ بِهَا فَيَسْتَصْغِرُ نَفْسَهُ وَأَوْصَافَهَا عِنْدَ شُهُودِ مَنْ يُجِلُّ قَدْرَهُ عِنْدَهُ , فَيَنْحَصِرُ فَيَمْنَعُهُ حَصَرُهُ عَنْ كَثِيرٍ مِمَّا يَحْسُنُ مِنْ أَفْعَالِهِ , فَكَيْفَ بِمَا يَقْبَحُ مِنْ أَحْوَالِهِ ؟ فَالْعَبْدُ بِمِرَاءٍ مِنَ اللَّهِ , وَهُوَ أَجَلُّ نَاظِرٍ إِلَيْهِ لَا يُخْفِيهِ مِنْهُ شَيْءٌ , وَلَا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ , حَقُّهُ أَعْظَمُ الْحُقُوقِ , وَقَدْرُهُ أَجَلُّ الْأَقْدَارِ , فَهُوَ يَرَاهُ فِي كُلِّ أَحْوَالِهِ , وَعَلَى كُلِّ أَفْعَالِهِ , وَهُوَ أَيْضًا يَرَاهُ خَلْقَ اللَّهِ فِي كَثِيرٍ مِنْ أَحْوَالِهِ مِمَّنْ يُجِلُّ أَقْدَارَهُمْ عِنْدَهُ مِنْ مَلَائِكَةٍ كِرَامٍ , وَخَاصٍّ مِنَ النَّاسِ وَعَامٍّ ,فَهُوَ مُتَرَقِبٌ مُتَحَفِّظٌ فِي جَمِيعِ حَرَكَاتِهِ فِي أَكْثَرِ أَوْقَاتِهِ مِنْ أَنْ يُرَى مِنْهُ خُلُقٌ ذَمِيمٌ , أَوْ فِعْلٌ سَقِيمٌ فَيُحْكِمُ أَفْعَالَهُ خَوْفًا أَنْ يَلْحَقَهُ لَوْمٌ فِيمَا يَرْتَكِبُ مِنْ فِعْلٍ مُسِيءٍ , أَوْ فِيمَا يُقَصِّرُ مِنْ حَقِّ مَا يَلْزَمُهُ مِنْ فِعْلٍ مَرْضِيٍّ , ثُمَّ يَكُونُ حَافِظًا لِخَوَاطِرِهِ , مُرَاغِبًا لِهَوَاجِسِهِ , مُرَاقِبًا لِأَنْفَاسِهِ أَنْ يَجْرِيَ فِي سِرِّهِ , وَيَخْطُرَ بِبَالِهِ مَا يُسْقِطُهُ مِنْ عَيْنِ نَاظِرِهِ , أَوْ يَمْقُتُهُ فِيهِ مَنْ هُوَ عَلَيْهِ قَادِرٌ , فَيَسْتَقِيمُ ظَاهِرُهُ , وَيَصْفُو بِاطِنُهُ , فَهَذِهِ صِفَةُ مَنْ وَصْفُهُ الْحَيَاءُ. قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : الْحَيَاءُ خَيْرٌ كُلُّهُ.
بحر الفوائد المشهور بمعاني الأخبار للكلاباذي - مشكول - ت محمد حسن إسماعيل - أحمد فريد المزيدي - ن دار الكتب العلمية - بيروت / لبنان · Hadith 195
Translated by Dr. Muhammad Muhsin Khan · Reviewed by Islamic University of Madinah · Published March 2020
