قَالَ : حَدَّثَنا بَكْرُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ حَمْدَانَ قَالَ : حَدَّثَنا أَبُو قِلَابَةَ وَهُوَ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ : حَدَّثَنا أَبُو عَاصِمٍ قَالَ : حَدَّثَنا سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ , عَنْ عَبْدِ الْكَرِيمِ , عَنْ زِيَادٍ , عَنْ مَعْقِلٍ , عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ , رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا , أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : النَّدَمُ تَوْبَةٌ. قَالَ الشَّيْخُ رَحِمَهُ اللَّهُ : مَعْنَى التَّوْبَةِ : الرُّجُوعُ , وَكَذَلِكَ الْأَوْبَةُ وَالْإِنَابَةُ , فَتَابَ وَآبَ , وَأَنَابَ بِمَعْنًى وَاحِدٍ , وَهُوَ الرُّجُوعُ . قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : آَيِبُونَ تَائِبُونَ لِرَبِّنَا حَامِدُونَ , وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى {وَأَنِيبُوا إلَى رَبِّكُمْ} وَقَالَ تَعَالَى {وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ} {النور) , غَيْرَ أَنْ تَحْتَ كُلِّ لَفْظَةٍ خَاصِّيَةً وَزِيَادَةَ فَائِدَةٍ , فَأَكْثَرُ مَا جَاءَ ذِكْرُ التَّوْبَةِ فِي كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى , وَإِنَّمَا جَاءَتْ فِي الرُّجُوعِ عَنِ الْمَعَاصِي , قَالَ اللَّهُ تَعَالَى {فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوَا الزَّكَاةَ} , أَيْ : رَجَعُوا مِنَ الشِّرْكِ إِلَى التَّوْحِيدِ , وَمِنَ الْكُفْرِ إِلَى الْإِيمَانِ. وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى {إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ} , وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى {وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ} {الفرقان) إِلَى قَوْلِهِ {وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا} {الفرقان) , إِلَى قَوْلِهِ {إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ} {مريم) , وَمِثْلُهَا كَثِيرٌ. وَالْأَوْبَةُ فَأَكْثَرُ مَا جَاءَ فِي حَالِ الطَّاعَةِ وَالْفِعْلِ الْمَرْضِيِّ , قَالَ اللَّهُ تَعَالَى {إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ} {ص) , وَقَالَ {إِنْ تَكُونُوا صَالِحِينَ فَإِنَّهُ كَانَ لِلْأَوَّابِينَ غَفُورًا} {الإسراء).وَالْإِنَابَةُ رُجُوعُ الْقَلْبِ , قَالَ اللَّهُ تَعَالَى {وَجَاءَ بِقَلْبٍ مُنِيبٍ} {ق) , وَقَالَ تَعَالَى {وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ} , مَجَازِي ارْجِعُوا إِلَى رَبِّكُمْ بِبَوَاطِنِكُمْ وَنِيَّاتِكُمْ وَاسْتَسْلِمُوا لِأَحْكَامِهِ وَأَوَامِرِهِ بِظَوَاهِرِكُمْ وَأَفْعَالِكِمْ وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى {وَاذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُدَ ذَا الْأَيْدِ إِنَّهُ أَوَّابٌ} , وَقَالَ تَعَالَى {فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ رَاكِعًا وَأَنَابَ} {ص) اسْتَغْفَرَ بِلِسَانِهِ وَخَضَعَ بِأَرْكَانِهِ , وَأَنَابَ بِجَنَانِهِ , فَالرَّاجِعُ إِلَى اللَّهِ مِنْ أَوْصَافِهِ الذَّمِيمَةِ , وَأَفْعَالِهِ الْمُشِينَةِ ثَوَّابٌ , وَالرَّاجِعُ إِلَى اللَّهِ فِي أَوْصَافِهِ الْحَمِيدَةِ , وَأَفْعَالِهِ الْمَرْضِيَّةِ أَوَّابٌ , وَالرَّاجِعُ بِقَلْبِهِ فِي الْأَحْوَالِ كُلِّهَا إِلَى رَبِّهِ مُنِيبٌ , هِجِّيرَي التَّوَّابِ : أَسْتَغْفِرُ اللَّهَ , وَهِجِّيرَي الْأَوَّابِ : الْحَمْدُ لِلَّهِ , وَهِجِّيرَي الْمُنِيبِ : لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ , فَالتَّوْبَةُ هِيَ الرُّجُوعُ عَنْ حَالِ الْمَعْصِيَةِ إِلَى حَالِ الطَّاعَةِ , وَمِنَ الْمُخَالَفَةِ إِلَى الْمُوَافَقَةِ , وَالْمَعَاصِي وَالْمُخَالَفَاتُ فِيهَا مَا بَيْنَ الْعَبْدِ وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى , وَمِنْهَا مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ خَلْقِ اللَّهِ تَعَالَى , فَمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى تَضْيِيعُ أَوَامِرِهِ وَارْتِكَابُ مَنَاهِيهِ , وَمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ خَلْقِ اللَّهِ تَعَالَى فَأَخْذُ أَمْوَالِهِمْ , وَخَرْقُ أَعْرَاضِهِمْ وَالنِّدَمُ : هُوَ التَّلَهُّفُ عَلَى مَا فَعَلَ , وَتَمَنِّي أَنْ يَكُونَ تَرَكَهُ , وَالْحَسْرَةُ عَلَى مَا تَرَكَ وَتَمَنِّي أَنْ يَكُونَ فَعَلَهُ , فَمَنْ عَصَى فِي ارْتِكَابِ مَا نَهَى اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ وَشَتَمَ أَعْرَاضَ خَلْقِ اللَّهِ تَعَالَى , وَتَنَاوَلَ مَا حَرَّمُ اللَّهُ , ثُمَّ رَجَعَ عَنْ ذَلِكَ إِلَى اللَّهِ تَارِكًا لِمَا نَهَى اللَّهُ عَنْهُ , نَادِمًا عَلَى مَا كَانَ مِنْهُ فِي ذَلِكَ فَلَيْسَ عَلَيْهِ إِلَّا الِاسْتِغْفَارُ , فِيمَا ارْتَكَبَ مِنْ نَهْيِ رَبِّهِ , وَالِاسْتِغْفَارُ لِإِخْوَانِهِ فِيمَا اسْتَحَلَّ مِنْ أَعْرَاضِهِمْ , فَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيمَا. حَدَّثَنَاهُ عِصمَةُ بْنُ مَحْمُودٍ , قَالَ : حَدَّثَنا إِبْرَاهِيمُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ قَالَ : حَدَّثَنا أَبُو الْفَضْلِ الْعَبَّاسُ الْمَدَنِيُّ بِالْبَصْرَةِ قَالَ : حَدَّثَنا عَمْرُو بْنُ الْأَزْهَرِ , عَنْ أَبَانَ , عَنْ أَبِي حَازِمٍ , عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ السَّاعِدِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إِذَا اغْتَابَ أَحَدُكُمْ أَخَاهُ , فَلْيَسْتَغْفِرْ لَهُ , فَإِنَّهُ كَفَّارَتُهُ. وَهَذَا إِنْ شَاءَ اللَّهُ فِيمَا لَمْ يَبْلُغِ الْمُغْتَابُ عَنْهُ , فَأَمَّا إِذَا بَلَغَهُ , فَعَلَيْهِ أَنْ يَسْتَرْضِيَهُ , فَمَنْ فَعَلَ ذَلِكَ فَهُوَ تَائِبٌ صَادِقٌ مُخْلِصٌ , وَاللَّهُ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ , وَهُوَ غَفُورٌ رَحِيمٌ , وَمَنْ عَصَى اللَّهُ فِي تَضْيِيعِ أَوَامِرِهِ وَتَرْكِ فَرَائِضِهِ , وَظُلْمِ عِبَادِهِ مِنْ أَخْذِ أَمْوَالِهِمْ , وَضَرْبِ أَبْشَارِهِمْ , ثُمَّ رَجَعَ إِلَى اللَّهِ نَادِمًا عَلَى مَا فَرَطَ مِنْهُ مُسْتَقْبِلًا أَدَاءَ فُرُوضِهِ , وَإِقَامَةَ أُمُورِهِ , بَاذِلًا مَجْهُودَهُ فِي قَضَاءِ مَا فَرَّطَ فِيهِ مِنْ فَرَائِضِ اللَّهِ , وَإِرْضَاءِ عِبَادِ اللَّهِ , فَهُوَ تَائِبٌ مُخْلِصٌ صَادِقٌ , وَمَنِ اسْتَقْبَلَ فُرُوضَ اللَّهِ , وَإِقَامَةَ أُمُورِهِ , وَتَرَكَ ظُلْمَ عِبَادِهِ , وَلَمْ يَسْعَ فِي قَضَاءِ فَوَائِتِهِ , وَإِرْضَاءِ خُصُومِهِ , وَهُوَ مُمَكَّنٌ مِنْ ذَلِكَ , فَلَيْسَ بِتَائِبٍ عِنْدَ عَامَّةِ مَنْ يَقُولُ بِالْإِحْبَاطِ , وَالْوَعِيدِ , وَلَا يَنْفَعُهُ مَا اسْتَقْبَلَ مِمَّا سَلَفَ , وَهُوَ تَائِبٌ فِيمَا اسْتَقْبَلَ , عَاصٍ فِيمَا بَقِيَ عَلَيْهِ مِنْ إِرْضَاءِ الْخُصُومِ , وَقَضَاءِ الْفُرُوضِ عِنْدَ جَمَاعَةِ الرَّاجِينَ , وَمَنْ يَفْعَلُ بِالْمَشِيئَةِ , وَهُوَ مِنَ الَّذِينَ خَلَطُوا عَمَلًا صَالِحًا , وَآخَرَ سَيِّئًا , يُرْجَى لَهُ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُ فِي الْعُقْبَى , وَيَتُوبَ عَلَيْهِ فِي الدُّنْيَا , قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : {وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلًا صَالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا عَسَى اللَّهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} فَرَجَاءُ التَّوْبَةِ عَلَيْهِمْ , وَالْمَغْفِرَةِ لَهُمْ , وَرَحْمَتِهِ إِيَّاهُمْ. وَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَقِيلَ لَهُ : إِنَّ فُلَانًا يُصَلِّي بِاللَّيْلِ , فَإِذَا أَصْبَحَ سَرَقَ , فَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : سَيَنْهَاهُ عَمَّا تَقُولُ , فَرَجَا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ التَّوْبَةَ عَلَيْهِ , وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِهِ : {عَسَى اللَّهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ} , وَمَنْ لَمْ يُمَكَّنْ فِي قَضَاءِ مَا فَاتَهُ مِنْ فَرَائِضِ اللَّهِ , وَإِرْضَاءِ عِبَادِ اللَّهِ ؛ لِزَمَانَةٍ أَوْ ضِيقِ وَقْتٍ , أَوْ عَدَمٍ , فَإِنَّ النَّدَمَ لَهُ - بِمُجَرَّدِهِ - تَوْبَةٌ عِنْدَ عَامَّةِ أَهْلِ الْقِبْلَةِ إِلَّا طَائِفَةً يَسِيرَةً , قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : مَنْ تَابَ وَهُوَ يُغَرْغِرُ بِالْمَوْتِ , تَابَ اللَّهُ عَلَيْهِ , وَمَعْلُومٌ أَنَّ هَذَا الْوَقْتَ لَيْسَ بِوَقْتٍ لِتَلَاوُمٍ فِيمَا فَاتَ , فَلَيْسَ لَهُ تَوْبَةٌ فِي هَذَا الْوَقْتِ , إِلَّا النَّدَمُ بِالْقَلْبِ , وَالرُّجُوعُ إِلَى اللَّهِ مُسْتَسْلِمًا , يَسْتَغْفِرُ اللَّهَ بِلِسَانِهِ , وَيُقْبِلُ عَلَى اللَّهِ بِقَلْبِهِ , فَأَخْبَرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّ مَنْ تَابَ فِي مِثْلِ هَذَا الْوَقْتِ تَابَ اللَّهُ عَلَيْهِ , وَمَنْ تَابَ اللَّهُ عَلَيْهِ لَمْ يُعَذِّبْهُ , قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : {وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا} {الفرقان) إِلَى أَنْ قَالَ : {إِلَّا مَنْ تَابَ} {مريم) , فَاسْتَثْنَى اللَّهُ تَعَالَى التَّائِبَ مِمَّا أَوْعَدَ , وَيُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِ حَسَنَاتٍ . قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : {فَأُولَئِكَ يُبَدَّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ} {الفرقان) , وَمَنْ بَدَّلَ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِ حَسَنَاتٍ قَبِلَهَا مِنْهُ , وَالْحَسَنَاتُ إِذَا قُبِلَتْ ضُوعِفَ الثَّوَابُ عَلَيْهَا , وَمَنْ لَقِيَ اللَّهَ بِالْمَعَاصِي وَالْآثَامِ لَمْ يَتُبْ مِنْهَا , فَإِنَّهُ فِي مَشِيئَةِ اللَّهِ يُرْجَى لَهُ , وَيُخَافُ عَلَيْهِ. أَمَّا الرَّجَاءُ , فَلِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : شَفَاعَتِي لِأَهْلِ الْكَبَائِرِ مِنْ أُمَّتِي , فَيَجُوزُ أَنْ يَتَجَاوَزَ اللَّهُ عَنْهُ بِشَفَاعَةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , أَوْ يَعْفُوَ عَنْهُ بِفَضْلِهِ , فَإِنَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ , وَقَدْ شَرَطَ مَشِيئَتَهُ فِي غُفْرَانِ مَا دُونَ الشِّرْكِ , فَقَالَ : {وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ} , وَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيمَا.
بحر الفوائد المشهور بمعاني الأخبار للكلاباذي - مشكول - ت محمد حسن إسماعيل - أحمد فريد المزيدي - ن دار الكتب العلمية - بيروت / لبنان · Hadith 174
Translated by Dr. Muhammad Muhsin Khan · Reviewed by Islamic University of Madinah · Published March 2020
