حَدَّثَنَا أَبُو مُحَمَّدٍ أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْمُزَنِيُّ ، حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ بْنُ زَكَرِيَّا الْمُقْرِئُ ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الصَّبَّاحِ ، حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ , عَنِ الْأَوْزَاعِيِّ , عَنِ الزُّهْرِيِّ , عَنْ أَبِي سَلَمَةَ , عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ , عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : لَا يَزْنِي الزَّانِي حِينَ يَزْنِي وَهُوَ مُؤْمِنٌ. قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ وَزَادَنِي فِي هَذَا الْحَدِيثِ أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نَصْرِ بْنِ بَحِيرٍ الْقَاضِي بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ عِصْمَةَ الرَّمْلِيُّ حَدَّثَهُ ، حَدَّثَنَا سَوَّارُ بْنُ عُمَارَةَ , حَدَّثَنِي هِقْلٌ , عَنِ الْأَوْزَاعِيِّ , حَدَّثَنِي الزُّهْرِيُّ , حَدَّثَنِي سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ , وَأَبُو بَكْرِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ هِشَامٍ , وَعُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ , عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لَا يَزْنِي الزَّانِي وَهُوَ حِينَ يَزْنِي مُؤْمِنٌ , وَلَا يَسْرِقُ السَّارِقُ وَهُوَ حِينَ يَسْرِقُ مُؤْمِنٌ , وَلَا يَشْرَبُ الْخَمْرُ وَهُوَ حِينَ يَشْرَبُهَا مُؤْمِنٌ , وَلَا يَنْهَبُ نُهْبَةً ذَاتَ شَرَفٍ يَرْفَعُ الْمُؤْمِنُونَ إِلَيْهِ فِيهَا أَبْصَارَهُمْ وَهُوَ حِينَ يَنْتَهِبُهَا مُؤْمِنٌ , قَالَ : فَقُلْتُ لِلزُّهْرِيِّ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُؤْمِنًا فَمَهْ ؟ قَالَ : فَنَفَرَ عَنْ ذَلِكَ وَقَالَ : أَمِرُّوا الْأَحَادِيثَ كَمَا أَمَرَّهَا مَنْ قَبْلَكُمْ , فَإِنَّ أَصْحَابَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَرَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَمَرُّوهَا. قَالَ الشَّيْخُ رَحِمَهُ اللَّهُ : : قَوْلُ الزُّهْرِيِّ : أَمِرُّوا الْأَحَادِيثَ كَمَا أَمَرَّهَا مَنْ قَبْلَكُمْ تَسْلِيمٌ لِأَمْرِ اللَّهِ تَعَالَى , وَانْقِيَادٌ لِرَسُولِ اللَّهِ , وَتَصْدِيقٌ لَهُ , وَإِيمَانٌ بِهِ فِيمَا عُلِمَ وَجُهِلَ , وَتَرْكُ الِاعْتِرَاضِ عَلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ , وَالْحُكْمُ عَلَيْهِمَا بِالْعُقُولِ الضَّعِيفَةِ , وَالْأَفْهَامِ السَّخِيفَةِ , إِيمَانًا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ , وَتَصْدِيقًا لَهُمَا , وَتَوْكِيلًا لَعِلْمِ تَأْوِيلِ مَا جَهِلْنَاهُ إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ , وَالْقُدْوَةُ فِيهِ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ , وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ , وَمُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ , وَسَلْمَانُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ , وَكَثِيرٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ كَالزُّهْرِيِّ , وَالْأَوْزَاعِيِّ , وَمَالِكِ بْنِ أَنَسٍ , وَسُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ.وَكَذَلِكَ قَوْلُهُمْ فِي الْأَخْبَارِ الْمُتَشَابِهَةِ , لَا يَرُدُّونَهَا رَدَّ مُنْكَرٍ جَاحِدٍ , وَلَا يَتَأَوَّلُونَهَا تَأْوِيلَ مُتَحَكِّمٍ مُتَكَلِّفٍ , بَلْ يُؤْمِنُونَ بِهَا إِيمَانَ مُصَدِّقٍ مُسْلِمٍ , وَيَرْوُنَهَا رِوَايَةَ فَقِيهٍ مُسْلِمٍ , وَقَدْ تَأَوَّلَهَا قَوْمٌ مِنْ فُقَهَاءِ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ , وَسَائِرِ فُقَهَاءِ الْمُسْلِمِينَ , وَعُلَمَاءِ الدِّينِ عَلَى مَا يَلِيقُ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ مِنْ غَيْرِ تَشْبِيهٍ وَلَا تَعْطِيلٍ , وَلَا تَكْذِيبٍ بِتَحْرِيفِ تَأْوِيلٍ طَلَبًا لِلْحِكْمَةِ فِيهَا عَلَى قَدْرِ أَفْهَامِهِمْ , وَمَبْلَغِ عُقُولِهِمْ , وَنُورِ أَسْرَارِهِمْ , وَشَرْحِ صُدُورِهِمْ , بِانْتِزَاعِ التَّأْوِيلِ مِنَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ , وَأَقَاوِيلِ فُقَهَاءِ الْأُمَّةِ , وَعَلَى قَدْرِ الْحِكْمَةِ الَّتِي يَهَبُ اللَّهُ مِنْهَا مَنْ يَشَاءُ , وَيُؤْتِهَا مَنْ يُرِيدُ , وَمَنْ أُوتِيَهَا فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا. فَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ تَأْوِيلُ قَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لَا يَزْنِي الزَّانِي حِينَ يَزْنِي وَهُوَ مُؤْمِنٌ أَيْ : لَا يَزْنِي وَهُوَ فِي حِينِ مَا يَزْنِي مُكَاشِفٌ فِي إِيمَانِهِ , مُشَاهِدٌ لِمَا آَمَنَ بِهِ بِإِيقَانِهِ , بَلْ هُوَ فِي وَقْتِ فِعْلِهِ ذَلِكَ عَنْ تَحْقِيقِ إِيمَانِهِ مَحْجُوبٌ , وَبِغَلَبَةِ شَهْوَتِهِ عَنْ شُهُودِ إِيقَانِهِ مَسْلُوبٌ , فَإِيمَانُهُ فِي قَلْبِهِ مِنْ جِهَةِ الْعَقْدِ ثَابِتٌ , وَنُورُ إِيمَانِهِ مِنْ جِهَةِ الْيَقِينِ مَطْمُوسٌ ؛ لِأَنَّ الْمَوْصُوفِينَ بِالْإِيمَانِ عَلَى ثَلَاثِ طَبَقَاتٍ فَمِنْهُمْ : نَاطِقٌ بِكَلِمَةِ الْإِخْلَاصِ مَحْجُوبُ الْقَلْبِ فِيهِ عَنْ صِدْقِ الْإِخْلَاصِ , فَهُوَ مُؤْمِنُ الْعَلَانِيَةِ كَافِرُ السَّرِيرَةِ , قَالَ اللَّهُ تَعَالَى {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا آَمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ} وَنَاطِقٌ بِكَلِمَةِ التَّقْوَى مُنْطَوٍ فِي سِرِّهِ عَلَى صِدْقِ الدَّعْوَى , أَقَرَّ بِلِسَانِهِ وَأَخْلَصَ لِحَيَاتِهِ , مُضْطَرِبُ الْحَالِ فِيمَا يُوجِبُهُ إِيمَانُهُ , فَمَرَّةً بِالْجَنَّةِ مَوْصُوفٌ , وَأُخْرَى بِالْكُشُوفِ مَعْرُوفٌ , لَمْ يَلْبَسْ إِيمَانَهُ بِظُلْمٍ , وَلَمْ يُجَرِّدْهُ بِيَقِينٍ شُهُودُهُ حَقِيقَةُ عِلْمٍ , فَهُوَ مُؤْمِنُ الْعَلَانِيَةِ مُؤْمِنُ السَّرِيرَةِ مُخَلَّطُ الْفِعْلِ , قَالَ اللَّهُ تَعَالَى {وَآَخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلًا صَالِحًا وَآَخَرَ سَيِّئًا} , وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ} {الصف) , وَقَالَ تَعَالَى {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ}. طُولِبَ هَؤُلَاءِ بِوَفَاءِ مَا صَحَّتْ بِهِ عَقِيدَتُهُمْ , وَصَدَّقَتْ قَوْلَهُمْ سَرِيرَتُهُمْ , فَدَلَّ أَنَّهُمْ فِي حُجْبَةٍ عَمَّا نَطَقُوا بِهِ وَاعْتَقَدُوهُ , وَمُقِرٌّ بِلَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ , قَدْ أَسْقَطَ عَنْ سِرِّهِ مَا دُونَ اللَّهِ , وَأَقْبَلَ بِكُلِّيَّتِهِ عَلَى اللَّهِ , وَأَسْرَعَ بِسَيْرِهِ إِلَى اللَّهِ بِكُشُوفِ إِيمَانِهِ , وَصِدْقِ إِيقَانِهِ , حَجَبَهُ إِيمَانُهُ عَنْ كَثِيرٍ مِنْ لَذَّاتِهِ , وَصَرَفَهُ إِيقَانُهُ عَنْ شَهَوَاتِهِ , فَهُوَ يُشَاهِدُ مَا آَمَنَ بِهِ كَأَنَّهُ رَأَى عِيَانًا , فَيَرَى مَا غُلِبَ عَنْ بَصَرِهِ بِعَيْنٍ , كَمَا قَالَ حَارِثَةُ : كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى عَرْشِ رَبِّي بَارِزًا ,وَكَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى أَهْلِ الْجَنَّةِ يَتَنَعَّمُونَ , وَإِلَى أَهْلِ النَّارِ يُعَذَّبُونَ , فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : عَبْدٌ نَوَّرَ اللَّهُ قَلْبَهُ , وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى : عَبْدٌ نَوَّرَ اللَّهُ الْإِيمَانَ فِي قَلْبِهِ , فَهَذَا الْمُكَاشِفُ بِالْإِيمَانِ شُهُودًا لِمَا آَمَنَ بِهِ , قَالَ اللَّهُ تَعَالَى {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ} {الأنفال) , فَمَنْ كَانَ بِهَذِهِ الصِّفَةِ , فَهُوَ مَحْجُوبٌ بِإِيمَانِهِ عَنِ الزِّنَا وَالسَّرِقَةِ , وَشُرْبِ الْخَمْرِ , وَانْتِهَابِ نُهْبَةٍ ذَاتِ شَرَفٍ , وَمَنْ حُجِبَ عَنْ إِيمَانِهِ بِظُلْمَةِ غَفْلَتِهِ , وَدُخَانِ شَهْوَتِهِ رُبَّمَا وَاقَعَ هَذِهِ الْأَعْمَالَ وَوُصِفَ بِهَذِهِ الْخِصَالِ مَا بَلَغَ مِنْ حَقِّ إِيمَانِهِ أَنْ أَسْقَطَ إِبَاحَتَهَا مِنْ سِرِّهِ لَمْ يَبْلُغْ حَقِيقَةَ حَقِّهِ أَنْ يُجَانِبَهَا بِعَقْلِهِ , فَهُوَ فِي وَقْتِ مُوَاقَعَتِهَا وَالْإِتْيَانِ بِهَا غَيْرُ مَوْصُوفٍ بِحَقِيقَةِ حَقِّ الْإِيمَانِ , وَإِنْ كَانَ مَوْصُوفًا بِصِدْقِ الْإِيمَانِ , فَهُوَ مُؤْمِنٌ إِيمَانَ عُقُودٍ , وَلَيْسَ بِمُؤْمِنٍ إِيمَانَ شُهُودٍ. فَفِي قَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لَا يَزْنِي الزَّانِي حِينَ يَزْنِي وَهُوَ مُؤْمِنٌ مَعْنَيَانِ : أَحَدُهُمَا : كَالْعُذْرِ لَهُ , كَأَنَّهُ يَقُولُ : لَمْ يَزْنِ الزَّانِي حِينَ يَزْنِي جُحُودًا وَاسْتِكْبَارًا , وَلَكِنَّهُ فَعَلَ ذَلِكَ حُجَّةً وَاسْتِتَارًا. وَالْمَعْنَى الْآَخَرُ : كَالتَّحْذِيرِ عَنْ مُبَالَغَةِ الْهَوَى , وَالِانْهِمَاكِ فِي الشَّهَوَاتِ وَالْمُنَى , كَأَنَّهُ يَقُولُ : غَفْلَةُ سَاعَةٍ وَاتَّبَاعُ شَهْوَةٍ حَجَبَتْهُ عَنْ حَقِيقَةِ إِيقَانِهِ , فَغَيْرُ مَأْمُونٍ إِنْ دَامَتْ غَفْلَتُهُ , وَاسْتَحْكَمَتْ فِيهِ شَهْوَتُهُ أَنْ يُزِيلَهُ شُؤْمُ فِعْلِهِ عَنْ حَقِيقَةِ إِيمَانِهِ , فَالزِّنَا عِبَارَةٌ عَنْ جَمِيعِ شَهَوَاتِ النَّفْسِ الْمَحْظُورَةِ الْمُحَرَّمَةِ , وَالشَّرَفُ عِبَارَةٌ عَنِ الرَّغْبَةِ فِي الدُّنْيَا مِمَّا حَرَّمَ اللَّهُ تَعَالَى , وَشُرْبُ الْخَمْرِ عِبَارَةٌ عَنِ الْغَفْلَةِ عَنِ اللَّهِ تَعَالَى , وَالِانْتِهَابُ عِبَارَةٌ عَنِ الْحِرْصِ فِيمَا حَرَّمَ اللَّهُ تَعَالَى , فَفِيهِ تَحْذِيرٌ عَنْ مُتَابَعَةِ الشَّهَوَاتِ وَالرَّغْبَةِ فِي اللَّذَّاتِ وَالْغَفْلَةِ عَنِ اللَّهِ وَالْحِرْصِ فِيمَا حَرَّمَ اللَّهُ تَعَالَى , وَالِاسْتِخْفَافِ بِأَوْلِيَاءِ اللَّهِ تَعَالَى ؛ لِأَنَّ الْمُنْتَهِبَ نُهْبَتَهُ رَفَعَ الْمُؤْمِنِينَ أَبْصَارَهُمْ مُسْتَخِفٌّ بِهِمْ غَيْرُ مُقِرٍّ لَهُمْ , وَلَا مُعَظِّمٍ حَقَّهُمْ.حَدِيثٌ آخَرُ.
بحر الفوائد المشهور بمعاني الأخبار للكلاباذي - مشكول - ت محمد حسن إسماعيل - أحمد فريد المزيدي - ن دار الكتب العلمية - بيروت / لبنان · Hadith 166
Translated by Dr. Muhammad Muhsin Khan · Reviewed by Islamic University of Madinah · Published March 2020
