حَدَّثَنَا بِهِ أَبُو الْفَضْلِ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ الْمُرُوكِيُّ قَالَ : حَدَّثَنا يَعْقُوبُ بْنُ أَبِي حَيْرَانَ قَالَ : حَدَّثَنا الْحَارِثُ بْنُ مُسْلِمٍ , عَنْ عَبْدِ الْحَكَمِ , عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ , رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : تَسَحَّرُوا , فَإِنَّ فِي السَّحُورِ بَرَكَةً وَقُوَّةً.وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الزِّيَادَةُ فِي إِبَاحَةِ الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ لِمَنْ أَرَادَ الصِّيَامَ , وَذَلِكَ أَنَّهُ كَانَ فِي بَدْءِ الْأَمْرِ أَنَّ الصَّائِمَ إِذْ نَامَ حُرِّمَ عَلَيْهِ الطَّعَامُ , ثُمَّ أَبَاحَ اللَّهُ تَعَالَى الْأَكْلَ وَالشُّرْبَ إِلَى طُلُوعِ الْفَجْرِ بِقَوْلِهِ {وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ} , فَإِبَاحَةُ الْأَكْلِ وَالشُّرْبِ فِي لَيْلَةِ الصِّيَامِ بَعْدَ النَّوْمِ وَهُوَ السَّحُورُ زِيَادَةٌ عَلَى إِبَاحَةِ الْأَكْلِ وَالشُّرْبِ عِنْدَ الْإِفْطَارِ , وَهُوَ رُخْصَةٌ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى بِقَوْلِهِ {عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ}. وَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ أَنْ يُؤْتَى بِرُخَصِهِ , كَمَا يُحِبُّ أَنْ يُؤْتَى بِعَزَائِمِهِ فَيَكُونُ مَعْنَى التَّرْغِيبِ فِي السَّحُورِ تَرْغِيبًا فِي قَبُولِ الرُّخْصَةِ الَّتِي يُحِبُّ اللَّهُ إِتْيَانَهَا. وَمَعْنَى الْبَرَكَةِ الزِّيَادَةُ عَلَى الْإِبَاحَةِ , وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَعْنَى الزِّيَادَةِ فِي الْعُمُرِ لِأَنَّ الْعُمُرَ الْحَيَاةُ , فِيهَا نَوْمٌ إِلَى الْأَجَلِ الْمُؤَقَّتِ الَّذِي إِذَا جَاءَ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ , وَهَذِهِ الْمُدَّةُ فِيهَا نَوْمٌ وَيَقَظَةٌ , وَالنَّوْمُ مَوْتٌ وَالْيَقَظَةُ حَيَاةٌ , قَالَ تَعَالَى {هُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ} {الأنعام) , وَقَالَ تَعَالَى {اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا} , فَسَمَّى الْوَفَاةَ الَّتِي هِيَ النَّوْمُ مَوْتًا , وَالْيَقَظَةَ حَيَاةً وَنُشُورًا بِقَوْلِهِ {ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ} {الأنعام) , وَفِي مُدَّةِ الْحَيَاةِ مَعْنَيَانِ : اكْتِسَابُ الطَّاعَةِ لِلْمُعَاوِدِ , وَاقْتِنَاءُ الْمَرَافِقِ لِلْمَعَاشِ , وَمِنَ الْمَرَافِقِ الْأَكْلُ وَالشُّرْبُ , قَالَ تَعَالَى {يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ} وَفِي السَّحُورِ يَقَظَةٌ , وَهِيَ الْحَيَاةُ , فَهُوَ زِيَادَةٌ فِي الْحَيَاةِ وَأَكْلٌ وَشُرْبٌ , وَهُوَ زِيَادَةٌ فِي مَرَافِقِ الْحَيَاةِ , وَفِيهِ فِي زِيَادَةِ اكْتِسَابِ الطَّاعَةِ ؛ لِأَنَّ مِنْ أَرَادَ السَّحُورَ رُبَّمَا تَطَهَّرَ وَصَلَّى , فَإِنْ قَصَّرَ سَمَّى اللَّهَ وَدَعَا , وَإِنْ غَفَلَ عَنِ الذِّكْرِ وَكَسَلَ عَنِ الصَّلَاةِ , فَإِنَّ الْأَكْلَ وَالشُّرْبَ لِنِيَّةِ الصِّيَامِ طَاعَةٌ , فَفِيهِ زِيَادَةُ الْحَيَاةِ , وَزِيَادَةُ الرِّفْقِ , وَزِيَادَةُ الطَّاعَةِ , وَهَذَا هُوَ الْعُمُرُ , فَفِي السَّحُورِ زِيَادَةُ الرِّفْقُ فِي الْعُمُرِ , وَيَكُونُ فِي السَّحُورِ زِيَادَةُ وَقْتِ السَّحُورِ عَلَى الْأَوْقَاتِ الْفَاضِلَةِ الْمَرْغُوبِ فِيهَا , وَهِيَ أَوْقَاتُ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ , فَإِنَّهَا أَفْضَلُ أَوْقَاتِ الزَّمَانِ فِي الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ ,وَيُفْتَحُ فِيهَا أَبْوَابُ السَّمَاءِ , وَتَنْزِلُ الرَّحْمَةُ , وَيُسْتَجَابُ فِيهَا الدُّعَاءُ , وَفِي وَقْتِ السَّحُورِ كَذَلِكَ , قَالَ اللَّهُ تَعَالَى {وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحَارِ} , وَقَالَ {وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ} {الذاريات). وَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إِذَا كَانَ الثُّلُثُ الْأَخِيرُ مِنَ اللَّيْلِ يَقُولُ اللَّهُ سُبْحَانَهُ : هَلْ مِنْ دَاعٍ فَأَسْتَجِيبَ لَهُ , هَلْ مِنْ مُسْتَغْفِرٍ فَأَغْفِرَ لَهُ , هَلْ مِنْ سَائِلٍ فَأُعْطِيَهُ. وَسُئِلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَيُّ اللَّيْلِ أَسْمَعُ ؟ قَالَ : الثُّلُثُ الْأَخِيرُ مِنَ اللَّيْلِ , وَقَدْ قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : مِنَ الْفِطْرَةِ تَأْخِيرُ السَّحُورِ أَرَادَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَقَعَ فِي الثُّلُثِ الْأَخِيرِ مِنَ اللَّيْلِ لِيَكُونَ فِيهِ دَعْوَةٌ وَاسْتِغْفَارٌ فَيُجَابَ , وَسُؤَالُ حَاجَةٍ فَتُقْضَى , فَوَقْتُ السَّحُورِ زِيَادَةٌ عَلَى الْأَوْقَاتِ الْمَرْغُوبِ فِيهَا الَّتِي هِيَ أَوْقَاتُ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ , إِذًا فَالسُّحُورُ زِيَادَةٌ فِي الْقُوَّةِ , وَزِيَادَةٌ فِي إِبَاحَةِ الْأَكْلِ وَالشُّرْبِ , وَزِيَادَةٌ فِي الرُّخَصِ الَّتِي يُحِبُّ اللَّهُ إِتْيَانَهَا , وَزِيَادَةٌ فِي الْحَيَاةِ , وَزِيَادَةٌ فِي الرِّفْقِ فِيهَا , وَزِيَادَةٌ فِي اكْتِسَابِ الطَّاعَةِ , وَزِيَادَةٌ عَلَى الْأَوْقَاتِ الَّتِي يُسْتَجَابُ فِيهَا الدُّعَاءُ . وَقَدْ وَرَدَ فِي الْحَدِيثِ : إِنَّ الرُّخْصَةَ بَرَكَةٌ , وَهُوَ أَنَّهُ لَمَّا نَزَلَتْ آيَةُ التَّيَمُّمِ , وَكَانَ السَّبَبُ فِيهِ أَنَّ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا فَقَدَتْ قِلَادَةً لَهَا فِي بَعْضِ الْغَزَوَاتِ , فَأَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى طَلَبِهَا , وَالنَّاسُ عَلَى غَيْرِ مَاءٍ , فَنَزَلَتْ آيَةُ التَّيَمُّمِ , فَقِيلَ لِعَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا : مَا هَذَا بِأَوَّلِ بَرَكَتِكُمْ يَا آلَ أَبِي بَكْرٍ , فَجَعَلَ الرُّخْصَةَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ بَرَكَةً يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ فِيهِ بَرَكَةٌ ؛ لِأَنَّهُ لَا حِسَابَ فِيهِ , قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَرْبَعُ نَفَقَاتٍ لَا حِسَابَ لِلْعَبْدِ فِيهِنَّ : نَفَقَةٌ عَلَى عِيَالِهِ , وَعَلَى وَالِدِهِ , وَعَلَى إِفْطَارِهِ , وَعَلَى سَحُورِهِ.ثُمَّ فِي السَّحُورِ فَوَائِدُ , قِيلَ : فِيهِ حُصُولُ النِّيَّةِ لِلصَّوْمِ مِنَ اللَّيْلِ , فَيَزُولُ الِاخْتِلَافُ فِي جَوَازِ صَوْمِهِ , وَفِيهِ مُخَالَفَةٌ لِأَهْلِ الْكِتَابِ , قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : فَصْلُ مَا بَيْنَ صِيَامِنَا وَصِيَامِ أَهْلِ الْكِتَابِ أَكْلَةُ السَّحُورِ. وَقَالَ بَعْضُ شُيُوخِنَا رَحِمَهُمُ اللَّهُ : إِنَّ السَّحُورَ وَقْتُ النَّجَاةِ , قَالَ تَعَالَى {نَجَّيْنَاهُمْ بِسَحَرٍ نِعْمَةً مِنْ عِنْدَنَا كَذَلِكَ نَجْزِي مَنْ شَكَرَ} {القمر) , كَأَنَّهُ جَعَلَ وَقْتَ السَّحَرِ وَقْتَ الزِّيَادَةِ نِعْمَةً وَنَجَاةً مِنْ نِعْمَةٍ , وَالسَّحُورُ يَكُونُ فِي هَذَا الْوَقْتِ , فَتَيَقُّظُ الْمُتَسَحِّرِ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ بِهَلَاكِ مَنْ هَلَكَ , وَنَجَاةِ مَنْ نَجَا. وَقِيلَ فِيهِ : قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : اللَّهُمَّ بَارِكْ لِأُمَّتِي فِي بُكُورِهَا , فَأُجِيبَ إِلَى ذَلِكَ , فَقَالَ : تَسَحَّرُوا ؛ فَإِنَّ فِي السَّحُورِ بَرَكَةً أَيْ : بَرَكَةُ الْبُكُورِ. حَدِيثٌ آخَرُ.
بحر الفوائد المشهور بمعاني الأخبار للكلاباذي - مشكول - ت محمد حسن إسماعيل - أحمد فريد المزيدي - ن دار الكتب العلمية - بيروت / لبنان · Hadith 139
Translated by Dr. Muhammad Muhsin Khan · Reviewed by Islamic University of Madinah · Published March 2020
