قَالَ الْمُصَنِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ حَدَّثَنَا حَاتِمٌ , قَالَ : حَدَّثَنا يَحْيَى قَالَ : حَدَّثَنا يَحْيَى قَالَ : حَدَّثَنا أَبُو إِسْحَاقَ هُوَ حَازِمُ بْنُ حُسَيْنٍ الْحُمَيْسِيُّ , عَنْ يَزِيدَ يَعْنِي الرَّقَاشِيَّ , عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ : أَمَّا قُرَيْشٌ فَاسْتَبْقُوهُمْ , فَإِنَّ لِلَّهِ فِيهِمْ حَاجَةً , وَأَمَّا سَائِرُ النَّاسِ , فَحَرِّرُوهُمْ. قَالَ الشَّيْخُ رَحِمَهُ اللَّهُ : يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَعْنَى قَوْلِهِ : لِلَّهِ تَعَالَى فِيهِمْ حَاجَةً , أَيْ خَصَائِصُ , وَنُجَبَاءُ , وَفِيهِمْ كَرَائِمُ , وَفَضَائِلُ فِيمَا عَلِمَهُ مِنْهُمْ , وَغَرَزَهُ فِيهِمْ , وَأَوْدَعَهَا إِيَّاهُمْ , وَأَنَّهُمْ لَمْ يَهُونُوا عَلَيْهِ , فَلَمَّا كَانَتْ قُرَيْشٌ خِيرَةَ النَّاسِ , فَقَدْ أَخْرَجَ اللَّهُ تَعَالَى مِنْهَا كُلَّ خَبَثٍ كَانَ فِيهَا , وَكُلَّ خَبِيثٍ كَانَ مِنْهُمْ فِي الْمَوَاطِنِ الَّتِي أَهْلَكَ اللَّهُ مِنْهُمْ فِيهَا خَبِيثَهُمْ ,كَانَتِ الْبَقِيَّةُ هُمُ الَّذِينَ لِلَّهِ فِيهِمْ حَاجَةٌ عَلَى مَا قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , أَيْ : هُمْ صَفْوَةُ مَنْ بَقِيَ , وَمِنْ وَرَائِهِمُ الْخَيْرُ مِمَّنْ هَدَاهُمْ لِلْإِيمَانِ , وَطَهَّرَ قُلُوبَهُمْ , وَصَفَّى أَسْرَارَهُمْ , وَأَدْنَاهُمْ مِنْهُ , وَقَرَّبَهُمْ إِلَيْهِ , وَإِنْ أَبْطَأَ بِهِمُ الْقُوتُ , وَتَأَخَّرَتْ بِهِمُ الْمُدَّةُ. أَلَا يَرَى أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ مِنْهُمْ فِي حَيَاةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُنَافِقٌ , وَلَا بَعْدَ مَوْتِهِ مِنْهُمْ مُرَتَدٌّ , وَقَدْ تُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَارْتَدَّ الْعَرَبُ , أَوْ أَكْثَرُهَا , وَلَمْ تَرْتَدَّ قُرَيْشٌ , وَلَا أَحَدٌ مِنْهُمْ عَلَى كَرَاهَتِهِمْ فِي الدُّخُولِ فِي الْإِسْلَامِ , وَنَأَى بِهِمْ عَنْهُ الْمُدَّةَ الطَّوِيلَةَ , وَتَرَبَّصَهُمْ بَعْدَ الْفَتْحِ , حَتَّى جَعَلَ لَهُمْ مُدَّةَ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ , قَالَ تَعَالَى : {فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ} , وَكَانَ صَفْوَانُ بْنُ أُمَيَّةَ مِنْهُمْ , ثُمَّ أَسْلَمَ وَحَسُنَ إِسْلَامُهُ , وَعِكْرِمَةُ بْنُ أَبِي جَهْلٍ ذَهَبَ عَلَى وَجْهِهِ فِرَارًا مِنَ الْإِسْلَامِ , كَرَاهَةً لَهُ , حَتَّى بَلَغَ الْبَحْرَ , وَلَهُ قِصَّةٌ , ثُمَّ بَلَغَ مِنْ حُسْنِ إِسْلَامِهِ أَنَّهُ كَانَ إِذَا نَشَرَ الْمُصْحَفَ يَقُولُ : هَذَا كَلَامُ رَبِّي , فَيُغْشَى عَلَيْهِ , وَسُهَيْلُ بْنُ عَمْرٍو , وَهُوَ الَّذِي كَانَ مِنْهُ يَوْمَ الْحُدَيْبِيَةِ مَا كَانَ بَلَغَ مِنْ حُسْنِ إِسْلَامِهِ أَنْ هَاجَرَ إِلَى أَرْضِ الشَّامِ , وَقُتِلَ شَهِيدًا , وَحَثَّ يَوْمَ الْيَرْمُوكِ , وَخَطَبَ خُطْبَةً بَلِيغَةً بَلَغَتْ مِنَ النَّاسِ مُبَلِّغًا , كَانَ سَبَبَ الْفَتْحِ , وَكَذَلِكَ صَفْوَانُ بْنُ أُمَيَّةَ كَانَ يَسْأَلُ اللَّهَ الشَّهَادَةَ فِي أَغْوَارِ الدِّينِ , وَحَكِيمُ بْنُ حِرَامٍ بَاعَ دَارَهُ مِنْ مُعَاوِيَةَ بِسِتِّينَ أَلْفًا , فَقَالُوا لَهُ : غَبَنَكَ وَاللَّهِ مُعَاوِيَةُ , فَقَالَ : وَاللَّهِ مَا أَخَذْتُهَا فِي الْجَاهِلِيَّةِ إِلَّا بِزِقٍّ مِنْ خَمْرٍ , وَأُشْهِدُكُمْ أَنَّهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ , وَالْمَسَاكِينِ , وَالرِّقَابِ , فَأَيُّنَا الْمَغْبُونُ ؟ , وَهَاشِمُ بْنُ عُتْبَةَ , وَالْمِسْوَرُ بْنُ مَخْرَمَةَ , وَجَمِيعُ مَسْلَمَةِ الْفَتْحِ , وَإِنْ أَبْطَأَتْ بِهِمُ الْمُدَّةُ , وَتَأَخَّرَ دُخُولُهُمْ فِي الْإِسْلَامِ , فَقَدْ بَلَغَ مِنْ حُسْنِ إِسْلَامِهِمُ الْمَبْلَغَ الْعَلِيَّ , فَهُمُ الَّذِينَ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : فَإِنَّ لِلَّهِ فِيهِمْ حَاجَةً , أَيْ : لِلَّهِ فِيهِمْ إِرَادَةُ خَيْرٍ , وَمَشِيئَةُ فَضْلٍ , وَوَدَائِعُ يُودِعُهَا اللَّهُ تَعَالَى أَسْرَارَهُمْ , وَأَنْوَارًا يَجْعَلُهَا فِي صُدُورِهِمْ كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : {أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ}. وَأَمَّا سَائِرُ النَّاسِ , فَأَخَذَ اللَّهُ تَعَالَى مِنْهُمْ صَفْوتَهُمْ , وَجَاؤُوا إِلَى الْإِسْلَامِ رَاغِبِينَ كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : {يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا} {النصر) , وَبَقِيَتْ حُثَالَةٌ لَا يَعْبَأُ اللَّهُ بِهِمْ , فَقَالَ : اقْطَعُوهُمْ قَطْعًا . أَلَا يُرَى أَنَّ أَكْثَرَ مَنِ انْفَلَتَ , وَدَخَلَ فِي الْإِسْلَامِ كَرْهًا كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : {قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ} {الحجرات) , فَلَمَّا قَبَضَ اللَّهُ تَعَالَى النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , ارْتَدُّوا حَتَّى جَذَّهُمْ أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ جَذًّا.حَدِيثٌ آخَرُ.
بحر الفوائد المشهور بمعاني الأخبار للكلاباذي - مشكول - ت محمد حسن إسماعيل - أحمد فريد المزيدي - ن دار الكتب العلمية - بيروت / لبنان · Hadith 135
Translated by Dr. Muhammad Muhsin Khan · Reviewed by Islamic University of Madinah · Published March 2020
