قَالَ الْمُصَنِّفُ رَحِمَهُ اللَّهِ قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ مَعْرُوفٍ قَالَ : حَدَّثَنا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ بْنُ أَبِي حَفْصٍ قَالَ : حَدَّثَنا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَ : حَدَّثَنا الرَّبِيعُ بْنُ مُسْلِمٍ. قَالَ الشَّيْخُ الْإِمَامُ الْمُصَنِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ : وَحَدَّثَنَا الرَّشَادِيُّ قَالَ : حَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ الضَّوْءِ قَالَ : حَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ قَالَ : حَدَّثَنا الرَّبِيعُ قَالَ : حَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ زِيَادٍ , عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لَا يَشْكُرُ اللَّهَ مَنْ لَا يَشْكُرُ النَّاسَ. قَالَ الشَّيْخُ رَحِمَهُ اللَّهُ : نِعَمُ اللَّهُ عَلَى عِبَادِهِ لَا تُحْصَى , قَالَ تَعَالَى : {وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا} , فَمِنْ نِعَمِهِ مَا تَفَرَّدَ مِنْهَا , وَمِنْهَا مَا جَعَلَ بَيْنَهُ , وَبَيْنَ الْمُنْعِمِ عَلَيْهِ وَسَائِطَ , وَأَسْبَابًا , وَأَوْجَبَهُ حَقَّ الْوَسَايِطِ , وَتَعْظِيمَ الْأَسْبَابِ , فَأَوَّلُ ذَلِكَ الرُّسُلُ وَالْأَنْبِيَاءُ عَلَيْهِمُ السَّلَامُ , أَوْجَبَ اللَّهُ تَعَالَى الْإِيمَانَ بِهِمْ , وَالطَّاعَةَ لَهُمْ , وَلِرَسُولِهِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ , فَهُمُ الْوَسَايِطُ فِيمَا بَيْنَ اللَّهِ , وَبَيْنَ خَلْقِهِ فِي الدُّعَاءِ إِلَيْهِ , وَالدَّلَالَةِ عَلَيْهِ , وَالسُّفَرَاءُ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُمْ فِي الْبَلَاغِ عَنْهُ , وَإِيجَابِ الْأوَامِرِ , وَالنَّوَاهِي , وَالْهِدَايَةِ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى , لَيْسَ إِلَى الرُّسُلِ غَيْرُ الْبَلَاغِ وَالْبَيَانِ , كَمَا قَالَ : {وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ} {النور) , وَقَالَ : {إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ الْلَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ} ثُمَّ قَالَ {وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} {الشورى) , أَيْ : إِنَّكَ لَتَدْعُو إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ , وَأَوْجَبَ حَقَّ الْوَالِدَيْنِ بِقَوْلِهِ {أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ} {لقمان) , إِذْ جَعَلَهُمَا سَبَبَ الْإِيجَادِ لِلْوَلَدِ , وَأَوْجَبَ حَقَّ الْعُلَمَاءِ , أَوْ جَعَلَهُمْ سَبَبًا لَمَّا عَلَّمَهُمْ , وَالْمُعَلِّمُ فِي الْحَقِيقَةِ هُوَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى : {وَيُعَلِّمُكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ} , وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى : {الرَّحْمَنُ عَلَّمَ الْقُرْآنَ} {الرحمن) , وَأَوْجَبَ حَقَّ السُّلْطَانِ إِذْ جَعَلَهُمْ سَبَبًا لِلْأَمْنِ فِي بِلَادِهِ , وَالْحُكَّامَ بَيْنَ عِبَادِهِ , فَقَالَ : {أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ} , قِيلَ : هُمُ الْأُمَرَاءُ , وَقِيلَ : هُمُ الْعُلَمَاءُ , وَلِكُلٍّ حَقٌّ وَاجِبٌ , وَفَرْضٌ لَازِمٌ ,فَكَذَلِكَ إِذَا أَنْعَمَ اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْكَ بِوَاسِطَةِ عَبْدٍ مِنْ عِبَادِهِ فِي نَفْعٍ لَكَ أَوْ دَفْعٍ عَنْكَ , أَوْجَبَ عَلَيْكَ شُكْرَهُ , وَالْمُنْعِمُ فِي الْحَقِيقَةِ هُوَ اللَّهُ تَعَالَى , قَالَ اللَّهُ تَعَالَى {وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ} فَوَجَبَ عَلَيْهِ الشُّكْرُ لِلَّهِ تَعَالَى فِيمَا أَنْعَمَ بِهِ عَلَيْكَ , وَوَجَبَ عَلَيْكَ شُكْرُ مَنْ جَعَلَهُ سَبَبًا لِنِعْمَةِ النَّفْعِ وَالدَّفْعِ , كَالشُّكْرِ لِلَّهِ تَعَالَى , أَوَّلُهُ رُؤْيَةُ النِّعْمَةِ بِالْقَلْبِ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى. قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ التِّرْمِذِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ : الشُّكْرُ انْكِشَافُ الْغِطَاءِ عَنِ الْقَلْبِ لِشُهُودِ النِّعْمَةِ , وَالْكَثِيرُ انْكِشَافُ الشَّفَتَيْنِ عَنِ الْأَسْنَانِ لِوُجُودِ الْفَرَجِ , فَالشُّكْرُ رُؤْيَةُ الْقَلْبِ النِّعْمَةَ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى , وَالثَّنَاءُ عَلَيْهِ بِاللِّسَانِ , وَالطَّاعَةُ لَهُ بِالْأَرْكَانِ , ثُمَّ الِاعْتِرَافُ بِرُؤْيَةِ التَّقْصِيرِ عَنْ بُلُوغِ شُكْرِهِ ؛ لِأَنَّ الشُّكْرَ نِعْمَةٌ مِنْهُ يَجِبُ الشُّكْرُ عَلَيْهَا , وَحَقِيقَةُ ذَلِكَ الْحَيْرَةُ مِنْكَ , وَشُهُودُ حَاصِلِ الشُّكْرِ عَلَيْكَ قَالَ بَعْضُ الْكِبَارِ: {من أشعار غير معلوم - البحر الطويل} سَأَشْكُرُ لَا أَنِّي أُجَازِيكَ مُنْعِمًا بِشُكْرِي وَلَكِنْ كَيْ يُقَالَ لَهُ : شُكْرُ وَأَذْكُرُ أَيَّامًا لَدَيَّ أَضَعْتُهَا وَآَخِرُ مَا يَبْقَى عَلَى الشَّاكِرِ الذِّكْرُ وَقَالَ بَعْضُ الْكِبَارِ فِي مُنَاجَاتِهِ : اللَّهُمَّ إِنَّكَ تَعْلَمُ عَجْزِي عَنْ شُكْرِكَ , فَاشْكُرْ نَفْسَكَ عَنِّي. فَغَايَةُ الشُّكْرِ رُؤْيَةُ الْعَجْزِ عَنِ الْقِيَامِ بِالشُّكْرِ بَعْدَ بَذْلِ الْمَجْهُودِ فِي أَسْبَابِ الشُّهُودِ , وَالْقِيَامِ بِالْوَفَاءِ , وَالِاسْتِهْتَارِ بِالثَّنَاءِ , وَشُكْرِ مَنْ جَرَتِ النِّعْمَةُ عَلَى يَدَيْهِ بِالْمُكَافَأَةِ لَهُ , وَالثَّنَاءِ عَلَيْهِ. وَمَعْنَى الثَّنَاءِ نَشْرُ الْجَمِيلِ عَنْهُ , وَحُسْنُ الدُّعَاءِ لَهُ , فَمَنْ قَدَرَ كَافَأَ , وَمَنْ عَجَزَ دَعَا , وَالْمُكَافَأَةُ مَعَ الْقُدْرَةِ , وَالدُّعَاءُ عِنْدَ الْعَجْزِ أَيْسَرُ الشُّكْرَيْنِ : شُكْرُ اللَّهِ تَعَالَى , وَشُكْرُ الْعِبَادِ , وَمَنْ ضَيَّعَ شُكْرَ الْعِبَادِ الَّذِي هُوَ أَيْسَرُ الشُّكْرَيْنِ , كَانَ بِشُكْرِ اللَّهِ تَعَالَى الَّذِي هُوَ أَعْظَمُهُمَا قَدْرًا , وَأَعْسَرُهُمَا مَرَامًا أَضْيَعَ , فَكَأَنَّهُ قَالَ : لَا يَكُونُ قَائِمًا بِشُكْرِ اللَّهِ مَعَ عِظَمِ شَأْنِهِ مَنْ لَمْ يَقُمْ بِشُكْرِ النَّاسِ مَعَ حَقِّهِ مُجْمَلِهِ. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَعْنَاهُ عَلَى التَّنْبِيهِ عَلَى رُؤْيَةِ الْعَجْزِ عَنِ الْقِيَامِ بِشُكْرِ اللَّهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى فِيمَا أَنْعَمَ لِمَعَانٍ , أَحَدُهَا :أَنَّ الْمَعْرُوفَ الَّذِي يَصْطَنِعُهُ النَّاسُ , وَإِنْ كَثُرَ فَمَعْدُودٌ مُتَنَاهٍ , وَنِعَمُ اللَّهِ تَعَالَى لَا تُحْصَى عَدًّا , وَلَا تَتَنَاهَى حَدًّا , وَالْإِنْسَانُ وَإِنْ كَافَأَ الْمُصْطَنِعُ إِلَيْهِ , فَلِلْمُصْطَنِعُ فَضِيلَةُ السَّبْقِ , وَلَمْ يُدْرِكْهُ الْمُكَافِئُ أَبَدًا , فَكَأَنَّهُ قَالَ : لَا يَشْكُرُ اللَّهَ تَعَالَى , أَيْ : لَا يَقْدِرُ عَلَى شُكْرِ اللَّهِ تَعَالَى فِي نِعَمِهِ الَّتِي لَا تُحْصَى مَنْ لَا يَقْدِرُ عَلَى شُكْرِ النَّاسِ فِي الْمَعْرُوفِ الْمَحْدُودِ , الْمَعْدُودِ , الْمُحْصَى.
بحر الفوائد المشهور بمعاني الأخبار للكلاباذي - مشكول - ت محمد حسن إسماعيل - أحمد فريد المزيدي - ن دار الكتب العلمية - بيروت / لبنان · Hadith 133
Translated by Dr. Muhammad Muhsin Khan · Reviewed by Islamic University of Madinah · Published March 2020
