قَالَ : حَدَّثَنَا حَاتِمُ بْنُ عَقِيلٍ , قَالَ : حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ , قَالَ : حَدَّثَنا يَحْيَى الْحِمَّانِيُّ قَالَ : حَدَّثَنا أَبُو الْأَحْوَصِ , وَأَبِي عَنِ الْأَعْمَشِ , عَنْ عُمَارَةَ بْنِ عُمَيْرٍ , عَنِ الْحَارِثِ بْنِ سُوَيْدٍ قَالَ : سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ : سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : لَلَّهُ أَفْرَحُ بِتَوْبَةِ عَبْدِهِ مِنْ رَجُلٍ نَزَلَ بَدَوِّيَّةٍ مُهْلِكَةٍ مَعَهُ رَاحِلَتُهُ فَأَضَلَّ رَاحِلَتَهُ , فَطَلَبَهَا , حَتَّى أَدْرَكَهُ الْمَوْتُ , فَقَالَ : أَرْجِعُ إِلَى مَكَانِ رَحْلِي , فَأَمُوتُ فِيهِ , فَرَجَعَ , فَنَامَ , فَاسْتَيْقَظَ , فَإِذَا رَاحِلَتُهُ فَوْقَ رَأْسِهِ عَلَيْهِ طَعَامُهُ وَشَرَابُهُ. قَالَ الشَّيْخُ الْإِمَامُ الْمُصَنِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ : الْفَرَحُ سُرُورٌ يَكُونُ عَقِبَ حُزْنٍ وَكَآبَةٍ وَغَمٍّ , وَأَكْثَرُ مَا تَرِدُ لَفْظَةُ الْفَرَحِ إِنَّمَا تَرِدُ عَقِبَ اهْتِمَامٍ وَحُزْنٍ , وَكَذَلِكَ قَالُوا مَا مِنْ تَرْحَةٍ إِلَّا وَبَعْدَ فَرْحَةٍ , وَذَكَرَ فِي الْحَدِيثِ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَفْرَحُ بِتَوْبَةِ الْعَبْدِ , وَدَلَّ الْحَدِيثُ عَلَى الَّذِي قُلْنَاهُ ؛ لِأَنَّ الَّذِي أَضَلَّ رَاحِلَتَهُ فِي دَوِّيَّةٍ مُهْلِكَةٍ , فَأَضَلَّ طَعَامَهُ , وَشَرَابَهُ يَكُونُ فِي غَايَةٍ مِنَ الْحُزْنِ وَالْأَسَفِ وَالْغَمِّ , فَإِذَا وَجَدَهَا سُرَّ بِذَلِكَ غَايَةَ السُّرُورِ , فَعَبَّرَ عَنْ عِظَمِ السُّرُورِ الَّذِي هُوَ بَعْدَ عِظَمِ الْحُزْنِ وَالْكَآبَةِ وَالْغَمِّ , وَالْفَرَحِ , ثُمَّ كَانَ السُّرُورُ عِبَارَةً عَنْ بَسْطِ الْوَجْهِ , وَسَعَةِ الصَّدْرِ , وَاسْتِنَارَةِ الْوَجْهِ , وَإِنَّمَا قِيلَ سُرُورٌ ؛ لِأَنَّ الْمَسْرُورَ بِالشَيْءِ يَسْتَنِيرُ وَجْهُهُ , وَيَرِقُّ أَسَارِيرُ وَجْهِهِ , وَهِيَ عُرُوقُهُ , وَالْفَرَحُ مُعْظَمُ السُّرُورِ وَغَايَتُهُ , وَالنَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَصَفَ اللَّهَ تَعَالَى بِالْفَرَحِ , فَهُوَ صِفَةُ اللَّهِ تَعَالَى عَلَى مَا يَسْتَحِقُّهُ , وَيَلِيقُ بِهِ بِخِلَافِ مَا يُعْرَفُ مِنَ الْخَلْقِ , وَبِخَلَافِ مَا يَقَعُ تَحْتَ أَوْهَامِنَا , وَتُدْرِكُهُ عُقُولُنَا , وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ عِبَارَةً عَنْ بَسْطِ الرَّحْمَةِ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى , وَإِفَاضَتِهَا عَلَى الْعَبْدِ , وَحُسْنِ الْقَبُولِ مِنَ اللَّهِ لِعَبْدِهِ , وَإِقْبَالِهِ عَلَيْهِ , وَإِكْرَامِهِ لَهُ , وَبِرِّهِ إِيَّاهُ إِذَا أَقْبَلَ عَلَيْهِ الْعَبْدُ , وَرَجَعَ إِلَيْهِ.فَمَعْنَى الْحَدِيثِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ : إِخْبَارٌ عَنْ كَرَمِ اللَّهِ تَعَالَى وَفَضْلِهِ وَمَحَبَّتِهِ لِعَبْدِهِ الْمُؤْمِنِ , وَكَرَامَتِهِ عَلَيْهِ , وَعِظَمِ مَنْزِلَتِهِ عِنْدَهُ , وَجَلِيلِ قَدْرِهِ , وَمَحَلِّهِ مِنْهُ , حَتَّى يَكْرَهَ إِعْرَاضَهُ , وَذَهَابَهُ عَنْهُ , وَيُحِبُّ مِنْهُ إِقْبَالَهُ عَلَيْهِ , وَدُنُوَّهُ مِنْهُ , وَإِيثَارَهُ إِيَّاهُ ؛ لِأَنَّ مَنْ أَضَلَّ رَاحِلَتَهُ وَطَعَامَهُ وَشَرَابَهُ , ثُمَّ أَصَابَهَا أَقْبَلَ عَلَيْهَا , وَأَلْزَمَهَا قُرْبَهُ , وَجَعَلَهَا نُصْبَ عَيْنَيْهِ , وَأَوْجَبَ عَلَى نَفْسِهِ حِفْظَهَا , وَعَمَّاهَا عَمَّا يُنَفِّرُهَا عَنْهُ , فَأَخْبَرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لِمَحَبَّتِهِ لِعَبْدِهِ الْمُؤْمِنِ يَكْرَهُ ذَهَابَ عَبْدِهِ مِنْهُ , وَإِعْرَاضَهُ عَنْهُ مَعَ غِنَاهُ , وَحَاجَةِ عَبْدِهِ إِلَيْهِ , وَأَنَّهُ لَا يَتْرُكُهُ فِي عِصْيَانِهِ وَإِعْرَاضِهِ وَذَهَابِهِ عَنْهُ , بَلْ يَرُدُّهُ إِلَيْهِ , وَيُقْبِلُ بِهِ عَلَيْهِ , وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : تَطْلُبُهَا إِنْ شَاءَ اللَّهُ , وَأَنَّهُ إِذَا رَجَعَ إِلَيْهِ , وَأَعْرَضَ عَمَّا سِوَاهُ , وَأَقْبَلَ عَلَيْهِ قَبِلَهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ مُكْرِمًا لَهُ , مُعَظِّمًا قَدْرَهُ , مُقْبِلًا عَلَيْهِ , مُرْضِيًا لَهُ , وَجَعَلَهُ فِي حِفْظِهِ , وَكَنَفِهِ , وَرِعَايَتِهِ , وَعَصَمَهُ عَمَّا يُنَفِّرُهُ عَنْهُ , وَعَمَّا يُرِيدُ الذَّهَابَ بِهِ عَنْ غُرُورِ الدُّنْيَا , وَمَكَايِدِ الْعَدُوِّ , وَخِدَعِ النَّفْسِ , وَفِتْنَةِ الْخَلْقِ , وَيَجْعَلُهُ مِنْ خَوَاصِّهِ , وَيَحُولُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَا يَرِدُ بِهِ , وَمِنْ مَحَبَّتِهِ لِعَبْدِهِ الْمُؤْمِنِ يُرِيدُ مِنْهُ إِقْبَالَهُ عَلَيْهِ , وَمُوَاجَهَتَهُ إِيَّاهُ , وَنَظَرَهُ إِلَيْهِ , وَلَا يَتَعَاظَمُهُ ذَنْبَهُ وَإِنْ كَثُرَ , وَعِصْيَانَهُ لَهُ وَإِنْ عَظُمَ إِذَا رَجَعَ إِلَيْهِ , وَأَقْبَلَ عَلَيْهِ أَنْ يَغْفِرَ لَهُ . وَقَدْ أَخْبَرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِهَذَا الْمَعْنَى حَيْثُ قَالَ : اللَّهُ تَعَالَى يُحِبُّ الْمُفَتَّنَ التَّوَّابَ.
بحر الفوائد المشهور بمعاني الأخبار للكلاباذي - مشكول - ت محمد حسن إسماعيل - أحمد فريد المزيدي - ن دار الكتب العلمية - بيروت / لبنان · Hadith 122
Translated by Dr. Muhammad Muhsin Khan · Reviewed by Islamic University of Madinah · Published March 2020
