قَالَ : حَدَّثَنَا خَلَفُ بْنُ مُحَمَّدٍ , قَالَ : حَدَّثَنا صَالِحُ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ : حَدَّثَنا عَلِيُّ بْنُ الْجَعْدِ قَالَ : أخ أَبُو بَكْرِ بْنُ عَيَّاشٍ , عَنْ عَاصِمٍ , عَنْ ذَرِّ بْنِ حُبَيْشٍ , عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ , رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ : إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى نَظَرَ فِي قُلُوبِ الْعِبَادِ فَوَجَدَ قَلْبَ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَيْرَ الْقُلُوبِ , فَبَعَثَهُ نَبِيًّا , فَاصْطَفَاهُ لِنَفْسِهِ , وَاسْتَخْلَصَهُ , وَانْبَعَثَ بِالرِّسَالَةِ , ثُمَّ نَظَرَ فِي قُلُوبِ الْعِبَادِ بَعْدَ قَلْبِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَوَجَدَ قَلْبَ أَصْحَابِهِ خَيْرَ قُلُوبِ الْعِبَادِ . وَفِي رِوَايَةٍ : خَيْرَ قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ , فَجَعَلَهُمْ وُزَرَاءَ لِنَبِيِّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , يُقَاتِلُونَ عَلَى دِينِهِ , فَمَا رَآهُ الْمُؤْمِنُونَ حَسَنًا فَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ حَسَنٌ , وَمَا رَآهُ الْمُؤْمِنُونَ سَيِّئًا فَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ سَيِّئٌ , وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ : الْمُسْلِمُونَ سَيِّئًا فَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ سَيِّئٌوَقَوْلُهُ : وَأَهْلُ الْبِرِّ وَالتَّقْوَى أَيْ أَنَّهُمْ أَرْبَابُ النُّفُوسِ , وَالْمُجَاهَدَاتِ وَأَصْحَابُ الْمُعَامَلَاتِ وَالْمُكَابَدَاتِ , فَالْبِرُّ هُوَ صِدْقُ الْمُعَامَلَةِ لِلَّهِ تَعَالَى , وَالتَّقْوَى حُسْنُ الْمُجَاهَدَةِ فِي اللَّهِ تَعَالَى قَالَ اللَّهُ تَعَالَى {لَيْسَ الْبِرُّ أَنْ تُولُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ} إِلَى قَوْلِهِ {وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ} , فَأَخْبَرَ عَزَّ وَجَلَّ أَنَّ الْبِرَّ هُوَ صِدْقُ الْمُعَامَلَةِ لِلَّهِ تَعَالَى , وَهَذِهِ أَوْصَافُ أَرْبَابِ الْمُعَامَلَاتِ , وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى {وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا} {العنكبوت) , وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى {وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى} {النازعات). فَهَذَا حُسْنُ التَّقْوَى , فَكَأَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَخْبَرَ عَنِ الطَّبَقَةِ الثَّانِيَةِ أَنَّهُمْ أَرْبَابُ الْمُعَامَلَاتِ , وَأَصْحَابُ الْمُجَاهِدَاتِ , وَوَصْفُهُ لِلطَّبَقَةِ الثَّالِثَةِ بِالتَّوَاصُلِ وَالتَّرَاحُمِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُمْ عَامَلُوا اللَّهَ تَعَالَى بِوَاسِطَةِ الدُّنْيَا فِي الْعُزُوفِ عَنْهَا وَالتَّرْكِ لَهَا , وَوَاسِطَةِ الْخَلْقِ بِالشَّفَقَةِ عَلَيْهِمْ وَالْبَذْلِ لَهُمْ , سَخِطَتِ الطَّبَقَةُ الثَّالِثَةُ بِالنِّفُوسِ فَبَذَلُوهَا لِلَّهِ تَعَالَى بِتَحَمُّلِ أَفْعَالِهِ , وَأَنْصَبُوهَا فِي الْمُثُولِ بَيْنَ يَدَيْهِ , وَأَتْعَبُوهَا بِالْخِدْمَةِ لَهُ , وَلَمْ يَبْلُغُوا دَرَجَةَ الطَّبَقَةِ الْأُولَى فِي مُشَاهَدَاتِ الْقُلُوبِ , وَسَخَطَتِ الطَّبَقَةُ الثَّالِثَةُ بِالدُّنْيَا , فَبَذَلُوهَا لِخَلْقِ اللَّهِ تَعَالَى شَفَقَةً عَلَيْهِمْ , وَنَظَرًا إِلَيْهِمْ , وَلَمْ يَبْلُغُوا دَرَجَةَ الطَّبَقَةِ الثَّانِيَةِ فِي بَذْلِ النُّفُوسِ , فَكَانُوا فِي سَخَاوَةِ الدُّنْيَا عَلَى صِنْفَيْنِ , فَصِنْفٌ سَخَتْ عَلَيْهَا نُفُوسُهُمْ فَتَرَكُوهَا لِأَرْبَابِهَا , وَصِنْفٌ سَخَتْ بِهَا أَيْدِيهِمْ , فَبَذَلُوهَا لِطُلَّابِهَا , فَالصِّنْفُ الْأَوَّلُ أَهْلُ التَّوَاصُلِ ؛ لِأَنَّهُمْ لَمَّا تَرَكُوهَا وَأَعْرَضُوا عَنْهَا سَلِمُوا مِنَ التَّقَاطُعِ , إِذْ كَانَ سَبَبُ التَّقَاطُعِ مُجَاذَبَةَ الدُّنْيَا بَيْنَهُمْ , وَمُنَازَعَتَهُمْ فِيهَا , وَمُقَاتَلَتَهُمْ عَلَيْهَا.قَالَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : وَوَقَفَ عَلَى مَنْ عَلَا , فَأَخَذَ مَنْ كَانَ مَعَهُ بِالْفَهْمِ , فَقَالَ : مَا لَكُمْ هَذِهِ دُنْيَاكُمُ الَّتِي تَنَازَعْتُمْ عَلَيْهَا , فَأَخْبَرَ أَنَّ مُجَازَتَهَا بَيْنَهُمْ سَبَبُ التَّقَاطُعِ , فَتَرْكُهَا لِطُلَّابِهَا سَبَبُ التَّوَاصُلِ . وَالصِّنْفُ الثَّانِي : أَهْلُ التَّرَاحُمِ ؛ لِأَنَّ الدُّنْيَا لَمَّا حَصَلَتْ فِي أَيْدِيهِمْ بَذَلُوهَا شَفَقَةً عَلَيْهِمْ , وَرَحْمَةً لَهُمْ , فَهُمْ أَهْلُ التَّرَاحُمِ فِيمَا بَيْنَهُمْ , فَكَأَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَصَفَ طَبَقَتَهُ وَطَبَقَةَ أَصْحَابِهِ أَنَّهُمْ أَرْبَابُ الْقُلُوبِ , وَأَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْمُكَاشَفَاتِ وَالْمُشَاهَدَاتِ , وَوَصَفَ الطَّبَقَةَ الثَّانِيَةَ : أَنَّهُمْ أَرْبَابُ النُّفُوسِ , وَأَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْمُجَاهِدَاتِ وَالْمُعَامَلَاتِ , وَوَصَفَ الطَّبَقَةَ الثَّالِثَةَ : أَنَّهُمْ أَهْلُ بَذْلٍ وَسَخَاءٍ وَشَفَقَةٍ وَوَفَاءٍ , وَالطَّبَقَةُ الرَّابِعَةُ : أَهْلُ تَنَازُعٍ وَتَجَاذُبٍ , فَصَارُوا أَهْلَ تُقَاطُعٍ وَتَدَابُرٍ ؛ لِأَنَّهُمْ لَمَّا أَقْبَلُوا عَلَى الدُّنْيَا قَطَعَتْهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ , وَانْقَطَعَتِ الْأُخُوَّةُ الَّتِي أَوْجَبَهَا الْإِيمَانُ بِتَنَابُحِهِمْ عَلَى الدُّنْيَا , وَتَنَافُسِهِمْ فِيهَا , وَأَدْبَرُوا عَنِ الْآخِرَةِ بِإِقْبَالِهِمْ عَلَيْهَا.
بحر الفوائد المشهور بمعاني الأخبار للكلاباذي - مشكول - ت محمد حسن إسماعيل - أحمد فريد المزيدي - ن دار الكتب العلمية - بيروت / لبنان · Hadith 119
Translated by Dr. Muhammad Muhsin Khan · Reviewed by Islamic University of Madinah · Published March 2020
