قَالَ : حَدَّثَنَا الْفَضْلُ بْنُ عُمَيْرِ بْنِ عُثْمَانَ الْمَرْوَزِيُّ , قَالَ : حَدَّثَنا إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي أُوَيْسٍ قَالَ : حَدَّثَنا أَبِي , عَنْ عَاصِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ , عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَسَارٍ , مَوْلَى ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ : أَشْهَدُ لَسَمِعْتُ سَالِمًا يَقُولُ : قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ثَلَاثَةٌ لَا يَنْظُرُ اللَّهُ تَعَالَى إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ : الْحَالِفُ بَعْدَ الْعَصْرِ كَذِبًا , وَمُدْمِنُ الْخَمْرِ , وَالْمَنَّانُ بِمَا أَعْطَى. قَالَ الشَّيْخُ الْإِمَامُ الْمُصَنِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ : يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ تَخْصِيصُ الْوَقْتِ لِلْحَلِفِ كَاذِبًا بَعْدَ الْعَصْرِ أَرَادَ بِهِ خَتْمَ عَمَلِهِ ؛ لِأَنَّ بَعْدَ الْعَصْرِ آخِرُ النَّهَارِ , وَحَلِفُهُ كَاذِبًا فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ خَتْمُ عَمَلِ نَهَارِهِ بِعَمَلٍ سَيِّئٍ , وَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالْخَوَاتِيمِ وَفِي رِوَايَةٍ خَوَاتِمُهَا.وَقَالَ : إِنَّ الرَّجُلَ لَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ الْجَنَّةِ حَتَّى لَا يَكُونَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا إِلَّا قَيْدُ شِبْرٍ فَيَسْبِقُ عَلَيْهِ الْكِتَابُ فَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ , فَهَذَا الْحَالِفُ فِي آخِرِ نَهَارِهِ قَدْ خَتَمَ نَهَارَهُ بِعَمَلٍ مِنْ أَعْمَالِ أَهْلِ النَّارِ , وَعَسَى يَكُونُ هَذَا آخِرُ نَهَارِ عُمُرِهِ فَيَكُونُ آَخِرُ عَمَلِهِ عَمَلٌ سَيِّئٌ , فَلَا يَنْظُرُ اللَّهُ إِلَيْهِ. وَكَذَلِكَ مُدْمِنُ الْخَمْرِ ؛ لِأَنَّ مَنْ أَدْمَنَ عَلَى عَمَلٍ , وَأَقَامَ عَلَيْهِ أَدْرَكَهُ الْمَوْتُ عَلَيْهِ , وَكَانَ ذَلِكَ آخِرَ عَمَلِهِ , وَلَعَنَ رَسُولُ الْلَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَاصِرَ الْخَمْرِ وَمُعْتَصِرَهَا , وَالْمُدْمِنُ لَهَا جَامِعٌ لِهَذِهِ الْأَوْصَافِ , فَهُوَ جَامِعٌ لِهَذِهِ الْمَلَاعِنِ كُلِّهَا , وَأَقَامَ عَلَيْهَا , وَلَمْ يَنْتَقِلْ عَنْهَا , فَأَدْرَكَهُ الْمَوْتُ , فَيُخْتَمُ لَهُ بِهِ. وَالْمَنَّانُ بِمَا أَعْطَى مُنَازِعٌ لِلَّهِ تَعَالَى صِفَتَهُ الَّتِي لَا يَسْتَحِقُّهَا غَيْرُهُ ؛ لِأَنَّ الْمِنَّةَ بِالْعَطَاءِ لَا يَسْتَحِقُّهَا إِلَّا اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ وَحْدَهُ ؛ لِأَنَّهُ يُعْطِي مِنْ مُلْكِ نَفْسِهِ , وَيُعْطِي مَا يُعْطِي مِنْ غَيْرِ وُجُوبٍ , فَإِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ لَيْسَ بِوَاجِبٍ عَلَيْهِ فِعْلُ شَيْءٍ إِذْ لَهُ أَنْ يُعْطِيَ وَلَهُ أَنْ يَمْنَعَ , فَإِذَا أَعْطَى مِنْ غَيْرِ وُجُوبٍ وَأَعْطَى مِنْ مُلْكِهِ لَا مِنْ مُلْكِ غَيْرِهِ اسْتَحَقَّ الِامْتِنَانَ , فَأَمَّا مَنْ دُونَهُ فَإِنَّهُ إِذَا أَعْطَى أَعْطَى مِنْ مُلْكِ غَيْرِهِ , لَا مِنْ مُلْكِ نَفْسِهِ ؛ لِأَنَّ مَا فِي أَيْدِي الْعِبَادِ فَمُلْكُهُ عَلَى الْحَقِيقَةِ لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ , وَمَا أَعْطَى أَعْطَى بِوُجُوبٍ ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَوْجَبَ عَلَيْهِ الْإِعْطَاءَ , وَمَنْ أَعْطَى مَا أَعْطَى مِنْ مُلْكِ غَيْرِهِ لَمْ يَجُزْ لَهُ أَنْ يَمُنَّ عَلَى مَنْ أَعْطَى , وَمَنْ أَعْطَى مَا وَجَبَ عَلَيْهِ لَمْ يَسْتَوْجِبِ الْمِنَّةَ , فَهُوَ إِذَا مَنَّ بِمَا أَعْطَى كَأَنَّهُ ادَّعَى لِنَفْسِهِ الْمُلْكَ وَالْحُرِّيَّةَ , وَانْتَفَى مِنَ الْعُبُودِيَّةِ , وَنَازَعَ اللَّهَ تَعَالَى فِي صِفَتِهِ , فَلَا يَنْظُرُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ إِلَيْهِ , قَالَ اللَّهُ تَعَالَى {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى} {البقرة : .}وَقَوْلُهُ : لَا يَنْظُرُ اللَّهُ تَعَالَى يُفْهَمُ أَيْ : لَا يَرْحَمُهُمْ , وَلَا يَتَحَنَّنُ عَلَيْهِمْ , وَمَعْنَاهُ أَنْ لَا يَرْحَمَ رَحْمَةً لَا يُعَذِّبَهُمْ , وَلَا يَرْحَمَهُمْ رَحْمَةً لَا يُخَلِّدَهُمْ فِي النَّارِ , فَيَجُوزُ أَنْ لَا يَرْحَمَهُمْ عِنْدَ الْمَوْتِ , وَلَا يَتَحَنَّنَ عَلَيْهِمْ فَيُنْزِلَ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةَ بِأَنْ لَا خَوْفٌ عَلَيْكُمْ , وَلَا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ , وَلَمْ يَرْحَمْهُمْ إِذَا أُدْخِلُوا حُفَرَهُمْ , فَقَدْ قِيلَ : أَرْحَمُ مَا يَكُونُ اللَّهُ بِعَبْدِهِ إِذَا دَخَلَ حُفْرَتَهُ , وَرَجَعَ عَنْهُ مُشَيِّعُوهُ , وَيَجُوزُ أَنْ لَا يَرْحَمَهُ فِي قَبْرِهِ وَيَرْحَمَهُ فِي الْقِيَامَةِ , وَيَجُوزُ أَنْ لَا يَرْحَمَهُمْ فِي الْقِيَامَةِ وَيَرْحَمَهُمْ بِشَفَاعَةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , أَوْ يَرْحَمُهُمْ بَعْدَ أَنْ يُدْخِلَهُمُ النَّارَ , ثُمَّ يَرْحَمُهُمْ بِإِيمَانِهِمْ , فَيُخْرِجُهُمْ مِنَ النَّارِ , وَقَدِ امْتُحِشُوا عَلَى مَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ. وَقَوْلُهُ فِي الْخَبَرِ الْآخَرِ : فَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ إِنَّمَا هُوَ الْكُفْرُ وَالْجُحُودُ وَالشِّرْكُ الَّذِي لَا يَجُوزُ أَنْ يَغْفِرَهُ اللَّهُ تَعَالَى ؛ لِأَنَّ أَهْلَ النَّارِ عَلَى الْإِطْلَاقِ هُمُ الْمُخَلَّدُونَ فِيهَا , وَلَا يُخَلَّدُ فِي النَّارِ إِلَّا كُلُّ كُفَّارٍ أَثِيمٍ , فَأَمَّا أَهْلُ الصَّلَاةِ فَهُمْ أَهْلُ الْجَنَّةِ عَلَى الْحَقِيقَةِ ؛ لِأَنَّهُمْ إِلَيْهَا صَائِرُونَ , وَفِيهَا مُخَلَّدُونَ , وَدُخُولُهُمُ النَّارَ تَأْدِيبٌ لَهُمْ وَتَطْهِيرٌ , قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَمَّا أَهْلُ النَّارِ الَّذِينَ هُمْ أَهْلُهَا , فَإِنَّهُمْ لَا يَمُوتُونَ فِيهَا , وَأَمَّا قَوْمٌ يُرِيدُ اللَّهُ بِهِمُ الرَّحْمَةَ , فَإِذَا أُلْقُوا فِيهَا أَمَاتَهُمْ الْحَدِيثَ , فَأَخْبَرَ أَنَّ أَهْلَ النَّارِ هُمُ الْأَشْقَوْنَ الَّذِينَ يَصِلُونَ النَّارَ الْكُبْرَى فَلَا يَمُوتُونَ وَلَا يَحْيَوْنَ , وَهُمْ كُفَّارٌ , وَأَمَّا أَهْلُ الصَّلَاةِ فَلَيْسُوا مِنْ أَهْلِ النَّارِ بِالْحَقِيقَةِ , فَإِذَا كَانَ أَهْلُ النَّارِ هُمُ الْكُفَّارَ كَانَ عَمَلُ أَهْلِ النَّارِ عَلَى الْإِطْلَاقِ , أَوْ قَدْ يَجُوزُ وُقُوعُهَا مِنَ الْأَوْلِيَاءِ , وَأَفَاضِلِ الْمُؤْمِنِينَ , وَلَا يَجُوزُ وُقُوعُ الْكُفْرِ مِنْهُمْ , إِذْ لَا يُجَامَعُ الْكُفْرُ الْإِيمَانَ , وَقَدْ تُجَامِعُ الْمَعْصِيَةُ الَّتِي هِيَ دُونَ الْكُفْرِ الْإِيمَانَ , قَالَ اللَّهُ تَعَالَى {خَلَطُوا عَمَلًا صَالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا} , وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا} {التحريم) , وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ} {الصف) , وَأَمْثَالُهَا فِي الْقُرْآنِ كَثِيرٌ.حَدِيثٌ آخَرُ.
بحر الفوائد المشهور بمعاني الأخبار للكلاباذي - مشكول - ت محمد حسن إسماعيل - أحمد فريد المزيدي - ن دار الكتب العلمية - بيروت / لبنان · Hadith 106
Translated by Dr. Muhammad Muhsin Khan · Reviewed by Islamic University of Madinah · Published March 2020
