قَالَ : حَدَّثَنا أَبُو جَعْفَرٍ مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْبَغْدَادِيُّ قَالَ : حَدَّثَنا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ الْكَشْوَرِيُّ الصَّنْعَانِيُّ قَالَ : حَدَّثَنا عَبْدُ رَبِّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ رَبِّهِ الْعَبْدِيُّ , عَنْ أَبِي رَجَاءٍ , عَنْ شُعْبَةَ , عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ , عَنِ الْحَارِثِ , عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : أَنَّ جِبْرِيلَ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ أَتَى النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَوَافَقَهُ مُغْتَمًّا , فَقَالَ : يَا مُحَمَّدُ مَا هَذَا الْغَمُّ الَّذِي أَرَاهُ فِي وَجْهِكَ ؟ فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : الْحَسَنُ وَالْحُسَيْنُ أَصَابَهُمَا عَيْنٌ , فَقَالَ : يَا مُحَمَّدُ صَدِّقْ بِالْعَيْنِ , فَإِنَّ الْعَيْنَ حَقٌّ , وَذَكَرَ الْحَدِيثَ إِلَى آخِرِهِ. قَالَ الشَّيْخُ الْإِمَامُ الزَّاهِدُ رَحِمَهُ اللَّهُ : يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَعْنَى الْعَيْنِ : الْعَيْنَ الَّتِي يَجْرِي مِنْهَا الْأَحْكَامُ وَالْأُمُورُ فِي الْخَلْقِ , وَهُوَ الْقَضَاءُ الْقَدِيمُ , وَالْقَدَرُ السَّابِقُ , وَالْكِتَابُ الْأَوَّلُ الَّذِي بَيَّنَ اللَّهُ تَعَالَى فِيهِ مَا حَكَمَ فِي خَلْقِهِ , وَعَلَى عِبَادِهِ مِنَ الْمَكَارِهِ , وَالْمَحَابِّ , وَالْآلَامِ , وَالْمَلَاذِّ , وَمَا يَعْمَلُونَهُ مِنَ الْخَيْرِ وَالشَّرِّ , وَسَائِرِ أَحْوَالِهِمْ , وَمَا قُضِيَ فِي أَرْضِهِ وَسَمَائِهِ , فَكَأَنَّهُ يَقُولُ لَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : صَدِّقْ , وَتَحَقَّقْ بِأَنَّ الَّذِي أَصَابَهُمَا بِقَضَاءِ اللَّهِ تَعَالَى وَقَدَرِهِ , وَأَنَّ ذَلِكَ شَيْءٌ لَمْ يَحْدُثْ فِي الْوَقْتِ , كَمَا قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِعُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ حِينَ قَالَ لَهُ : أَرَأَيْتَ مَا نَعْمَلُ فِيهِ , أَنَعْمَلُ عَلَى أَمْرٍ مُؤْتَنَفٍ , أَوْ أَمْرٍ قَدْ فُرِغَ مِنْهُ ؟ فَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : عَلَى أَمْرٍ قَدْ فُرِغَ مِنْهُ , فَكَذَلِكَ قَوْلُ جِبْرِيلَ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَسَلَامُهُ لَهُ : صَدِّقْ بِالْعَيْنِ , يَعْنِي : صَدِّقِ بِالْقَدَرِ , وَمَعْنَى قَوْلِهِ : صَدِّقْ بِالْقَدَرِ كَأَنَّهُ يَقُولُ لَهُ : أَنْتَ مُصَدِّقٌ بِالْقَدَرِ , فَمَا هَذَا الْحُزْنُ الَّذِي ظَهَرَ فِيكَ ,وَلَيْسَ عَلَى أَنَّهُ يَأْمُرَهُ بِأَمْرٍ لَمْ يَكُنْ هُوَ فِيهِ , وَهَذَا كَمَا يَقُولُ الْقَائِلُ لِمَنْ يَعْمَلُ عَمَلًا ثُمَّ يَعْرِضُ لَهُ ذِكْرُ شَيْءٍ فَيَقُولُ لَهُ : اعْمَلْ عَمَلَكَ , وَلَا يُهِمَّنَّكَ هَذَا , وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ : صَدِّقْ بِالْقَدَرِ الَّذِي أَنْتَ بِهِ مُصَدِّقٌ , وَلَا يُهِمَّنَّكَ أَمْرُ الْحَسَنِ وَالْحُسَيْنِ , فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يُعَافِيهِمَا , وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ قَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَصَابَهُمَا عَيْنٌ , هِيَ الْآفَةُ الَّتِي تُصِيبُ الْإِنْسَانَ عِنْدَ اسْتِحْسَانِ أَحَدٍ شَيْئًا مِنْ فِعْلِهِ , أَوْ نَفْسِهِ , أَوْ بَدَنِهِ , فَيُصِيبُهُ عِلَّةٌ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ , وَذَلِكَ بِقَضَاءِ اللَّهِ وَقَدَرِهِ , لَا أَنْ يُحْدِثَ النَّاظِرُ فِي الْمَنْظُورِ إِلَيْهِ فِعْلًا , فَإِنَّ الْمُحْدِثَ لَا يَفْعَلُ فِي غَيْرِهِ , وَإِنَّمَا يَفْعَلُ فِي نَفْسِهِ , وَمَحَلِّ قَدْرَتِهِ , فَقَالَ لَهُ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلَامُ : صَدِّقْ بِتِلْكَ الْعَيْنِ الَّتِي هِيَ الْقَضَاءُ وَالْقَدَرُ فَإِنَّهَا حَقٌّ , وَهَذِهِ الْآفَةُ وَالْعِلَّةُ تَزُولُ عَنْهُمَا , وَعَوِّذْهُمَا بِكَذَا , وَذَكَرَ فِي الْحَدِيثِ تَسْكِينًا لِقُلُوبِ الْعِبَادِ , وَتَحْقِيقًا أَنَّ الَّذِي أَصَابَ الْمُعَيَّنَ إِنَّمَا أَصَابَهُ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ , أَلَا يَرَى أَنَّهُ قَالَ : عَوِّذْ بِاللَّهِ تَعَالَى وَقَالَ بَعْضُ النَّاسِ : إِنَّ الْعَيْنَ دَاءٌ كَانَتِ الْعَرَبُ تُعْرِضُهَا , وَعْلَةٌ كَانَتْ تُسَمَّى عَيْنًا , وَلِذَلِكَ قَالَ : إِنَّ الْعَيْنَ تُدْخِلُ الرَّجُلَ الْقَبْرَ , وَالْجَمَلَ الْقِدْرَ , أَيْ هَذَا الدَّاءُ يَقْتُلُ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ : إِنَّ النَّاظِرَ إِذَا نَظَرَ إِلَى شَيْءٍ فَاسْتَحْسَنَهُ , حَتَّى شُغِلَ بِهِ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ , فَلَمْ يَرْجِعْ إِلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَإِلَى رُؤْيَةِ صُنْعِهِ , أَحْدَثَ اللَّهُ تَعَالَى فِي الْمَنْظُورِ عِلَّةً , وَيَكُونُ نَظَرُ ذَلِكَ النَّاظِرِ سَبَبَهَا , فَيُؤَاخِذُهُ اللَّهُ تَعَالَى بِجِنَايَتِهِ بِنَظَرِهِ إِلَيْهِ عَلَى غَفْلَةٍ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ , كَأَنَّهُ هُوَ الَّذِي فَعَلَهَا بِهِ , وَهَذَا كَالضَّرْبِ مِنَ الضَّارِبِ بِالسَّيْفِ , فَيُحْدِثُ اللَّهُ تَعَالَى الْجِرَاحَةَ فِي الْمَضْرُوبِ , وَالْأَلَمَ فِيهِ , أَوْ خُرُوجَ الرُّوحِ عَلَى أَثَرِهِ , وَيَكُونُ هُوَ الْقَاتِلَ وَالْجَارِحَ , وَإِنْ كَانَ مَوْتُ الْمَضْرُوبِ وَأَلَمُهُ فِعْلَ اللَّهِ تَعَالَى , وَلَيْسَ بِفِعْلِ الضَّارِبِ , وَلَكِنْ لَمَّا كَانَ الضَّارِبُ مَنْهِيًّا عَنِ الضَّرْبِ بِغَيْرِ حَقٍّ لَحِقَهُ الْوَعِيدُ الَّذِي أَوْعَدَهُ اللَّهُ تَعَالَى بِهِ , وَاسْتَحَقَّهُ بِجِنَايَتِهِ , وَهُوَ الضَّرْبُ , فَكَذَلِكَ النَّاظِرُ مَنْهِيٌّ عَنْ نَظَرِهِ إِلَى الشَيْءِ مِنَ الْأَشْيَاءِ عَلَى غَفْلَةٍ وَنِسْيَانِ ذِكْرِ اللَّهِ تَعَالَى , فَكَانَتْ هَذِهِ جِنَايَتُهُ , فَيَجُوزُ أَنْ يُحْدِثَ اللَّهُ تَعَالَى فِي الْمَنْظُورِ عِلَّةً يُؤْخَذُ النَّاظِرُ بِجِنَايَتِهَا , وَذَلِكَ بَقَضَاءِ اللَّهِ وَقَدَرِهِ , يُبَيِّنُكَ هَذَا أَنَّ النَّظَرَ عَلَى الْغَفْلَةِ أَثَّرَ فِي الْمَنْظُورِ , فَكَيْفَ لَا يُؤَثِّرُ فِي النَّاظِرِ مِنَ الْوَعِيدِ ؟ وَاللَّهُ الْهَادِي.حَدِيثٌ آخَرُ.
بحر الفوائد المشهور بمعاني الأخبار للكلاباذي - مشكول - ت محمد حسن إسماعيل - أحمد فريد المزيدي - ن دار الكتب العلمية - بيروت / لبنان · Hadith 66
Translated by Dr. Muhammad Muhsin Khan · Reviewed by Islamic University of Madinah · Published March 2020
