قَالَ : حَدَّثَنا نَصْرُ بْنُ الْفَتْحِ قَالَ : حَدَّثَنا أَبُو عِيسَى قَالَ : حَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ نَبْهَانَ بْنِ صَفْوَانَ الثَّقَفِيُّ الْبَصْرِيُّ قَالَ : حَدَّثَنا رَوْحُ بْنُ أَسْلَمَ قَالَ : حَدَّثَنا شَدَّادٌ أَبُو طَلْحَةَ الرَّاسِبِيُّ , عَنْ أَبِي الْوَازِعِ , عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُغَفَّلٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ : قَالَ رَجُلٌ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إِنِّي لَأُحِبُّكَ , فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : انْظُرْ مَا تَقُولُ قَالَ : وَاللَّهِ إِنِّي لَأُحِبُّكَ - ثَلَاثَ مَرَّاتٍ - قَالَ : إِنْ كُنْتَ تُحِبُّنِي فَأَعِدَّ لِلْفَقْرِ تَجْفَافًا ؛ فَإِنَّ الْفَقْرَ أَسْرَعُ إِلَى مَنْ يُحِبُّنِي مِنَ السَّيْلِ إِلَى مُنْتَهَاهُ. قَالَ الشَّيْخُ الْإِمَامُ الْمُصَنِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ : يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَعْنَى قَوْلِهِ : فَأَعِدَّ لِلْفَقْرِ تِجْفَافًا أَيْ : إِنَّكَ ادَّعَيْتَ دَعْوَى كَبِيرَةً , وَمَنِ ادَّعَى شَيْئًا طُولِبَ بِالْبَيِّنَةِ عَلَيْهِ , فَكَأَنَّهُ قَالَ : إِنَّكَ مُطَالَبٌ بِصِحَّةِ دَعْوَاكَ بِالِاخْتِبَارِ لَكَ بِالصَّبْرِ تَحْتَ أَثْقَالِ الْفَقْرِ , وَتَحَمُّلِ مَكْرُوهِهِ , وَتَجَرُّعِ غَصَصِهِ , فَاسْتَعِدَّ لِذَلِكَ فَإِنَّ ذَلِكَ كَائِنٌ. وَمِمَّا يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ كَذَلِكَ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَهُ : انْظُرْ مَا تَقُولُ , كَأَنَّهُ يَنْهَهُ عَلَى مَا ادَّعَاهُ مِنْ مَحَبَّتِهِ إِيَّاهُ , ظَنُّهُ أَمْرٌ لَهُ غَوْرٌ , وَلَيْسَ ذَلِكَ بِهَيِّنٍ , وَعَلِمَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ إِنَّمَا يَقُولُ مَا يَقُولُ مِنْ غَفْلَةٍ لِعِظَمِ مَا ادَّعَاهُ , وَحُسْبَانٍ مِنْهُ , وَسَلَامَةِ صَدْرٍ , وَلَيْسَ يَقُولُهُ عَلَى التَّيَقُّظِ وَالْعِلْمِ وَتَحَقُّقِ مَعْنَاهُ. أَلَا تَرَى أَنَّ فِيَ الْحَدِيثِ : أَنَّ رَجُلًا أَتَاهُ دَلَّ عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ مِنْ عِلْيَةِ أَصْحَابِهِ , وَمِنَ الَّذِينَ لَهُمْ فَضْلُ الْعِلْمِ بِاللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ.قَالَ الشَّيْخُ الْإِمَامُ الزَّاهِدُ رَحِمَهُ اللَّهُ الْعَارِفُ الْمُصَنِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ : وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَعْنَى قَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : فَأَعِدَّ لِلْفَقْرِ تِجْفَافًا تَنْبِيهًا لَهُ وَحَثًّا عَلَى الْعَمَلِ , وَاسْتِعْدَادًا لِفَقْرِ يَوْمِ الْحِسَابِ , كَأَنَّهُ يَقُولُ لَهُ : لَا تَتَّكِلْ عَلَى ذَلِكَ , وَاعْمَلْ كَيْ لَا تَأْتِيَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَيْسَ لَكَ عَمَلٌ , كَمَا قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : يَا فَاطِمَةُ ابْنَةَ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اشْتَرِي نَفْسَكِ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى ؛ فَإِنِّي لَا أَمْلِكُ لَكِ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى شَيْئًا , يَا صَفِيَّةُ عَمَّةَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اشْتَرِي نَفْسَكِ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى , فَإِنِّي لَا أَمْلِكُ لَكِ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى شَيْئًا , حَثًّا لَهُمْ عَلَى الْعَمَلِ , وَتَرْكِ التَّفْرِيطِ فِيهِ , اتِّكَالًا عَلَى قُرْبِ النَّسَبِ مِنْهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلِمَ مِنَ الرَّجُلِ نَظَرًا إِلَى نَفْسِهِ , وَإِلَى أَوْصَافِهَا بِعَيْنِ التَّعْظِيمِ فَصَرَفَهُ عَنْ نَظَرِهِ إِلَى أَوْصَافِهِ بِعَيْنِ التَّعْظِيمِ وَالِاتِّكَالِ عَلَيْهَا , وَهُوَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَإِنْ دَعَاهُ إِلَى عَمَلٍ لِفَقْرِ يَوْمِ الْحِسَابِ , وَعَمَلُهُ صِفَتُهُ ؛ فَإِنَّهُ دَعَاهُ إِلَيْهِ جِدًّا وَاجْتِهَادًا , فَقَدْ دَعَاهُ عَنْهُ اتِّكَالًا عَلَيْهِ , وَسُكُونًا إِلَيْهِ , وَيَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ أَرَادَ بِهِ فَقْرَ يَوْمِ الْقِيَامَةِ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَعِدَّ لِلْفَقْرِ تِجْفَافًا , وَالتِّجْفَافُ إِنَّمَا يَكُونُ لَرَدِّ الشَيْءِ , وَالْحَوْلِ بَيْنَهُ وَبَيْنَكَ , وَفَقْرُ الدُّنْيَا لِمَنْ أَحَبَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جَائِزَةٌ مِنَ اللَّهِ وَعَطَاءٌ , وَعَطَاءُ اللَّهِ وَجَائِزَتُهُ لَا تُرَدُّ , فَدَلَّ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَعِدَّ لِلْفَقْرِ تِجْفَافًا أَيْ لِفَقْرِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ لِيَصْرِفَهُ عَنْكَ , أَوْ يَجُوزُ أَنْ يُرِيدَ الْفَقْرَ الَّذِي هُوَ قِلَّةُ الْمَالِ , وَالضُّرُ , وَعَدَمُ الْمَرَافِقِ , وَهُوَ الْفَقْرُ الْمَعْرُوفُ , وَيَكُونُ مَعْنَى قَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : فَأَعِدَّ لِلْفَقْرِ تِجْفَافًا أَيْ تِجْفَافًا تَصُونُهُ بِهِ , وَتَدْفَعُ عَنْهُ مَا يَقْدَحُ فِيهِ مِنَ الْجَذَعِ فِيهِ , وَالنَّكِرَةِ لَهُ , وَالتَّشَوُّقِ لِمُرَادَتِهِ , فَإِنَّ الْفَقْرَ جَائِزَةُ اللَّهِ لِمَنْ أَحَبَّنِي , وَخِلْعَتُهُ عَلَيْهِ , وَبِرُّهُ بِهِ , وَإِكْرَامُهُ لَهُ , وَتُحْفَتُهُ إِيَّاهُ , وَجَزِيلُ الثَّوَابِ مِنْهُ عَلَى جَلِيلِ قَدْرِ هَذِهِ الصِّفَةِ عِنْدَهُ , وَذَلِكَ أَنَّ الْفَقْرَ زِيُّ أَنْبِيَائِهِ , وَحِلْيَةُ أَوْلِيَائِهِ , وَزِينَةُ الْمُؤْمِنِينَ , وَشِعَارُ الصَّالِحِينَ , فَكَأَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ لَهُ : إِنَّ هَذَا كَائِنٌ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ , فَاسْتَعِدَّ لِقَبُولِهِ , وَالِاسْتِقْبَالِ لَهُ , وَالِاسْتِعْدَادِ لِدَفْعِ مَا يَقْدَحُ فِيهِ مِنَ الصَّبْرِ فِيهِ , وَالشُّكْرِ عَلَيْهِ , وَالصَّوْنِ لَهُ , وَالدَّفْعِ عَنْهُ تَعْظِيمًا لَهُ , وَإِجْلَالًا لِقَدْرِهِ ,فَكَأَنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ وَإِنْ ذَكَرَ الْفَقْرَ مِنْ بَيْنِ جَمِيعِ الْمَكَارِهِ ؛ فَإِنَّهُ لَمْ يُرِدْ بِهِ خُصُوصَ الْفَقْرِ الَّذِي هُوَ عَدَمُ الْإِمْلَاكِ , وَلَكِنَّهُ أَرَادَ جَمِيعَ الْمَكَارِهِ وَأَنْوَاعَ الْمِحَنِ وَالْبَلَايَا ؛ لِأَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : إِذَا أَحَبَّ اللَّهُ تَعَالَى عَبْدًا صَبَّ عَلَيْهِ الْبَلَاءَ صَبًّا , وَسَحَّهُ عَلَيْهِ سَحًّا , وَمَنْ أَحَبَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَحَبَّهُ اللَّهُ , فَالْمُرَادُ مِنَ الْفَقْرِ الْمَكَارِهُ وَالْبَلَايَا مِنْ أَيِّ وَجْهٍ كَانَ , وَلَيْسَ ذَلِكَ خُصُوصَ الْفَقْرِ , وَلَكِنَّهُ لَمَّا كَانَ مِنْ عَظِيمِ الْمَكَارِهِ , وَجَلِيلِ الْبَلَايَا عَبَّرَ عَنِ الْبَلَاءِ وَالْمَكْرُوهِ بِهِ , وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ أَنَّ أَصْحَابَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْأَجِلَّةَ مِنْهُمْ وَالْكِبَارَ لَمْ يَكُونُوا مَخْصُوصِينَ بِالْفَقْرِ , وَعَدَمِ الْإِمْلَاكِ , وَلَمْ يَكُونُوا مَجَانِبِينَ مِنَ الْبَلَايَا الْعِظَامِ , وَالْمَكَارِهِ الشِّدَادِ. قَالَتْ عَائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا : تُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلَوْ نَزَلَ بِالْجِبَالِ الرَّاسِيَاتِ مَا نَزَلَ بِأَبِي لَهَا هَيَّضَهَا. حَدَّثَنَا أَبُو جَعْفَرٍ مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْبَغْدَادِيُّ قَالَ : حَدَّثَنا الْمَدَائِنِيُّ هُوَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَوْحٍ قَالَ : حَدَّثَنا ابْنُ شَبَابَةَ قَالَ : حَدَّثَنا عَبْدُ الْعَزِيزِ الْمَاجِشُونِيُّ , عَنْ عَبْدِ الْوَاحِدِ بْنِ أَبِي عَوْنٍ , عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ , عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا . الْحَدِيثَ . وَقُتِلَ عُمَرُ , وَحُوصِرَ عُثْمَانُ أَرْبَعِينَ يَوْمًا وَذُبِحَ , وَلَقِيَ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ مَا لَقِيَ , وَكَأَنَّهُ كَانَ مَخْصُوصًا بِالْبَلَاءِ مُرَادًا بِهِ أَكْثَرَ عُمْرِهِ , وَلَقِيَتْ عَائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا مَا لَقِيَتْ بِالْجَمَلِ , وَطَلْحَةُ وَالزُّبَيْرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قُتِلَا , وَتُوُفِّيَ أَبُو ذَرٍّ بِالرَّبَذَةِ وَحِيدًا فَرِيدًا , وَعِمْرَانُ بْنُ حُصَيْنٍ أُضْنِيَ عَلَى سَرِيرٍ مَنْقُوبٍ ثَلَاثِينَ سَنَةً , وَخَبَّابٌ مَرِضَ مَرَضًا طَالَتْ مُدَّتُهُ فِيهَا , حَتَّى اكْتَوَى سَبْعًا فِي بَطْنِهِ , وَكَذَلِكَ عَامَّةُ أَصْحَابِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَقُوا مِنَ الْبَلَايَا وَالشَّدَائِدِ أَنْوَاعًا , وَهَؤُلَاءِ هُمُ الْمَخْصُوصُونَ بِشِدَّةِ الْمَحَبَّةِ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَلَمْ يُبْتَلَوْا كُلُّهُمْ بِالْفَقْرِ خَاصَّةً , وَلَكِنْ بِأَنْوَاعِ الْبَلَايَا , وَقَدْ صَرَّحَ بِذِكْرِ الْبَلَايَا خَبَرٌ آخَرُ.
بحر الفوائد المشهور بمعاني الأخبار للكلاباذي - مشكول - ت محمد حسن إسماعيل - أحمد فريد المزيدي - ن دار الكتب العلمية - بيروت / لبنان · Hadith 64
Translated by Dr. Muhammad Muhsin Khan · Reviewed by Islamic University of Madinah · Published March 2020
