حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ الْقَاضِي قَالَ : حَدَّثَنا أَبُو سَعِيدٍ الْعَدَوِيُّ قَالَ : حَدَّثَنا الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ قَالَ : حَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى الصَّنْعَانِيُّ قَالَ : حَدَّثَنا مُعْتَمِرُ بْنُ سُلَيْمَانَ , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ أَبِي نَضْرَةَ , عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ , رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَمَّا أَهْلُ النَّارِ الَّذِينَ هُمْ أَهْلُهَا , فَإِنَّهُمْ لَا يَمُوتُونَ فِيهَا , وَأَمَّا قَوْمٌ يُرِيدُ اللَّهُ بِهِمُ الرَّحْمَةَ , فَإِذَا أُلْقُوا فِيهَا أَمَاتَهُمْ , حَتَّى يَأْذَنَ بِإِخْرَاجِهِمْ , فَيُدْخِلَهُمُ الْجَنَّةَ بِفَضْلِ رَحْمَتِهِ إِيَّاهُمْ. قَالَ الشَّيْخُ رَحِمَهُ اللَّهُ : يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ أَمَاتَهُمْ عِبَارَةً عَنْ تَغْيِيبِهِ إِيَّاهُمْ عَنْ آلَامِهَا فِيهَا , وَلَا يَكُونُ ذَلِكَ مَوْتًا عَلَى الْحَقِيقَةِ , فَإِنَّ النَّوْمَ قَدْ يُغَيِّبُ عَنْ كَثِيرٍ مِنَ الْآلَامِ وَالْمَلَاذِ , وَقَدْ سَمَّاهُ اللَّهُ تَعَالَى : وَفَاةً , فَقَالَ جَلَّ جَلَالُهُ : {اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا} , فَهِيَ وَفَاةٌ وَلَيْسَ بِمَوْتٍ فِي الْحَقِيقَةِ الَّذِي هُوَ خُرُوجُ الرُّوحِ عَنِ الْبَدَنِ , وَكَذَلِكَ الصَّعْقَةُ قَدْ عَبَّرَ اللَّهُ عَنِ الْمَوْتِ بِهَا , فَقَالَ : {فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ} : وَأَخْبَرَ عَنْ مُوسَى صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ , أَنَّهُ خَرَّ صَعِقًا , وَلَمْ يَكُنْ ذَلِكَ مَوْتًا عَلَى الْحَقِيقَةِ غَيْرَ أَنَّهُ لَمَّا غَيَّبَ عَنْ أَحْوَالِ الشَّاهِدِ , وَعَنِ الْمَلَاذِ , وَالْآلَامِ جَازَ أَنْ يُسَمَّى مَوْتًا , فَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَعْنَى قَوْلِهِ : أَمَاتَهُمْ أَيْ : غَيَّبَهُمْ عَنِ الْآلَامِ , وَهُمْ أَحْيَاءٌ بِلَطِيفَةٍ يُحْدِثُهَا اللَّهُ فِيهِمْ , كَمَا غَيَّبَ النِّسْوَةَ اللَّاتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ بِشَاهِدٍ ظَهَرَ لَهُنَّ , فَغِبْنَ فِيهِ عَنْ آلَامِهِنَّ , وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ مَوْتًا عَلَى الْحَقِيقَةِ , وَأَنَّهُ يُمِيتُهُمْ فِيهَا بِخُرُوجِ أَرْوَاحِهِمْ , فَيَكُونُوا أَمْوَاتًا عَلَى الْحَقِيقَةِ مَعَ قَوْلِهِ : {لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلَا يَحْيَى} : لِأَنَّ أَهْلَ النَّارِ أَحْيَاءٌ فِي الْحَقِيقَةِ , وَلَيْسُوا بِأَمْوَاتٍ , لِأَنَّ الْحَيَوَانَ إِذَا لَمْ يُوصَفْ بِالْحَيَاةِ , فَهُوَ مَوْصُوفٌ بِالْمَوْتِ , وَلَمَّا لَمْ يَكُونُوا فِيهَا مَوْتَى , فَهُمْ أَحْيَاءٌ . فَإِذَا جَازَ أَنْ يَكُونُوا أَحْيَاءً مَعَ قَوْلِهِ : {لَا يَحْيَى} جَازَ أَنْ يَكُونَ الْمُوَحِّدُونَ فِيهَا أَمْوَاتًا مَعَ قَوْلِهِ : {لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلَا يَحْيَى} : وَمَعْنَى قَوْلِهِ : {لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلَا يَحْيَى} أَيْ : لَا يَمُوتُ فَيَسْتَرِيحُ , وَلَا يَحْيَى فَيَنْتَفِعُ بِحَيَاتِهِ. فَإِنْ قِيلَ : فَمَا مَعْنَى إِدْخَالِهِمُ النَّارَ , وَهُمْ فِيهَا غَيْرُ مُتَأَلِّمِينَ ؟ قِيلَ : أَنْ يُدْخِلَهُمُ النَّارَ تَأْدِيبًا لَهُمْ , وَإِنْ لَمْ يُعَذِّبَهُمْ فِيهَا , وَيَكُونُ صَرَفَ نِعَمَ الْجَنَّةِ عَنْهُمْ مُدَّةَ كَوْنِهِمْ فِيهَا عُقُوبَةً لَهُمْ كَالْمَحْبُوسِينَ فِي السُّجُونِ , فَإِنَّ الْحَبْسَ عُقُوبَةٌ , وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ غَلٌّ , وَلَا قَيْدٌ , وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونُوا مُتَأَلِّمِينَ غَيْرَ أَنَّ آلَامَهُمْ تَكُونُ أَخَفَّ مِنْ آلَامِ الْمُغَيَّبِينَ , وَهُمْ مَوْتَى أَخَفُّ مِنْ عَذَابِهِمْ , وَهُمْ أَحْيَاءٌ , قَالَ اللَّهُ تَعَالَى فِي قِصَّةِ آلِ فِرْعَوْنَ : {النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ} {غافر) , فَأَخْبَرَ أَنَّ عَذَابَهُمْ إِذَا بُعِثُوا يَكُونُ أَشَدَّ مِنْ عَذَابِهِمْ , وَهُمْ مَوْتَى , وَهُمْ فِي حَالَةِ الْمَوْتِ مُعَذَّبُونَ , فَكَذَلِكَ الْمُوَحِّدُونَ يُمِيتُهُمْ فِي النَّارِ , وَيَكُونُونَ مُعَذَّبِينَ مُتَأَلِّمِينَ , وَهُمْ مَوْتَى , وَيَكُونُ عَذَابُهُمْ , وَآلَامُهُمْ أَخَفَّ مِنْ عَذَابِ الْكُفَّارِ , عَلَى أَنَّ قَوْلَهُ : {لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلَا يَحْيَى} فِي صِفَةِ الْكُفَّارِ ؛ لِأَنَّهُ قَالَ : {وَيَتَجَنَّبُهَا الْأَشْقَى الَّذِي يَصْلَى النَّارَ الْكُبْرَى ثُمَّ لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلَا يَحْيَى} {الأعلى) , وَالْأَشْقَى : هُوَ الَّذِي بَلَغَتْ شَقَاوَتُهُ نِهَايَتَهَا , وَهُوَ الَّذِي لَا يَسْعَدُ أَبَدًا , وَهُوَ الَّذِي يُخَلَّدُ فِيهَا , فَأَمَّا الْمُوَحِّدُ وَإِنْ شَقِيَ بِدُخُولِهِ فِيهَا , فَإِنَّهُ يَسْعَدُ بِخُرُوجِهِ مِنْهَا , فَهُوَ وَإِنْ شَقِيَ , فَلَيْسَ بِالْأَشْقَى , وَإِذَا كَانَ قَوْلُهُ : {لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلَا يَحْيَى} فِي الْكُفَّارِ خَرَجَ الْمُوَحِّدُونَ مِنْهَا , فَيَجُوزُ أَنْ يَمُوتُوا , وَلَا يَكُونُ ذَلِكَ خِلَافًا لِلْآيَةِ. وَإِنْ قِيلَ بِأَنَّ الْمُخَلَّدِينَ فِيهَا لَيْسُوا بِصِفَةِ الْأَحْيَاءِ , وَلَا الْمَوْتَى لَمْ يَبْعُدْ , فَإِنَّ الْجَمَادَ لَا يُوصَفُ بِالْحَيَاةِ , وَلَا بِالْمَوْتِ , وَهُمْ وَإِنَّ لَمْ يَكُونُوا بِأَحْيَاءَ , وَلَا مَوْتَى بِخَلْقِ اللَّهِ تَعَالَى فِيهِمُ الْآلَامَ الشَّدِيدَةَ , وَيَكُونُونَ مُعَذَّبِينَ أَبَدَ الْأَبَدِ بِأَشَدِّ الْعَذَابِ , وَقَدْ خَلَقَ اللَّهُ تَعَالَى فِي الْجَمَادِ الْأَلَمَ , وَهُوَ الْجِذْعُ الَّذِي كَانَ يَخْطُبُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عِنْدَهُ لَمَّا اتَّخَذَ لَهُ الْمِنْبَرَ مِنْ حَنِينِ النَّاقَةِ , حَتَّى نَزَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , فَاحْتَضَنَهُ , فَسَكَنَ , وَإِنَّمَا حَنَّ حُزْنًا عَلَى مُفَارَقَةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَالْحُزْنُ أَلَمٌ. وَخَلَقَ اللَّهُ الْكَلَامَ فِي الْجَمَادِ , بِقَوْلِهِ : {قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ} {فصلت) فَإِذَا جَازَ هَذَا فِيمَا لَا يُوصَفُ بِالْمَوْتِ , وَلَا بِالْحَيَاةِ , جَازَ أَنْ يَخْلُقَ فِي أَهْلِ النَّارِ الَّذِينَ هُمُ الْكُفَّارُ الْآلَامَ , وَالْعَذَابَ أَبَدَ الْأَبَدِ , وَلَيْسُوا بِأَحْيَاءَ , وَلَا مَوْتَى , وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ.حَدِيثٌ آخَرُ.
بحر الفوائد المشهور بمعاني الأخبار للكلاباذي - مشكول - ت محمد حسن إسماعيل - أحمد فريد المزيدي - ن دار الكتب العلمية - بيروت / لبنان · Hadith 29
Translated by Dr. Muhammad Muhsin Khan · Reviewed by Islamic University of Madinah · Published March 2020
