مَا حَدَّثَنَا حَاتِمٌ , قَالَ : حَدَّثَنا يَحْيَى قَالَ : حَدَّثَنا جَرِيرٌ , عَنْ قَابُوسَ , عَنْ أَبِيهِ , عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : مَا مِنْ أَحَدٍ إِلَّا وَقَدْ وُكِّلَ بِهِ قَرِينُهُ مِنَ الْجِنِّ , قَالُوا : وَإِيَّاكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ ؟ قَالَ : وَإِيَّايَ إِلَّا أَنَّ اللَّهَ أَعَانَنِي عَلَيْهِ , فَأَسْلَمَ. وَاخْتُلِفَ فِي مَعْنَى قَوْلِهِ : أَسْلَمَ فَقِيلَ : اسْتَسْلَمَ , وَقِيلَ : أَسْلَمُ أَنَا مِنْهُ , وَقِيلَ : صَارَ مُسْلِمًا , فَإِنْ كَانَ اسْتَسْلَمَ , فَهَذَا غَايَةُ حُسْنِ الْمُعَامَلَةِ حَتَّى انْقَادَ لَهُ الْعَدُوُّ وَاسْتَسْلَمَ , وَإِنْ سَلِمَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْهُ فَبِحُسْنِ مُعَامَلَتِهِ بَعْدَ عِصْمَةِ رَبِّهِ عَزَّ وَجَلَّ , فَسَلِمَ مِنْهُ ؛ لِأَنَّهُ غَايَةُ الرِّفْقِ وَالتَّوَقِّي , وَإِنَّ أَسْلَمَ وَدَخَلَ عَلَى الْإِسْلَامِ فَلَا يُسْتَنْكَرُ إِسْلَامُ قَرِينٍ مِنْ بَيْنِ الْجَمِيعِ , كَمَا لَمْ يُسْتَنْكَرْ كُفْرِ وَاحِدٍ مِنْ بَيْنِ جَمِيعِ الْمَلَائِكَةِ , وَهُوَ إِبْلِيسُ لَعَنَهُ اللَّهُ مَعَ قَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ {لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ} {التحريم) , وَعِصْيَانُ اثْنَيْنِ هَارُوتَ وَمَارُوتَ , وَيَكُونُ الْوَاحِدُ مُسْتَثْنًى مِنْ بَيْنِ الْجَمِيعِ , وَإِنْ لَمْ يُعْلَمْ وَجْهُ الِاسْتِثْنَاءِ , فَهَذَا مِنْ حُسْنِ الْمُعَامَلَةِ مِنْهُ إِيَّاهُ أَنْ أَسْلَمَ الشَّيْطَانُ , فَقَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إِنَّمَا حُبِّبَ إِلَيَّ مِنَ الدُّنْيَا الطِّيبُ وَالنِّسَاءُ , وَجُعِلَتْ قُرَّةُ عَيْنِي فِي الصَّلَاةِ , عِبَارَةٌ عَنْ بُلُوغِ الْغَايَةِ فِي الْعُبُودِيَّةِ كَمَا قُلْنَا , وَلَمَّا كَانَ أَصْلُ الْعُبُودِيَّةِ الْخَصْلَتَيْنِ اللَّتَيْنِ ذَكَرَهُمَا مِنْ تَعْظِيمِ قَدْرِ اللَّهِ , وَحُسْنِ مُعَامَلَةِ خَلْقِ اللَّهِ , وَكَانَ أَحَدُ الْخَصْلَتَيْنِ أَعْظَمَ مِنَ الْأُخْرَى , وَهِيَ تَعْظِيمُ قَدْرِ اللَّهِ , فَلِذَلِكَ زِيدَ فِي تَحْبِيبِهَا إِلَيْهِ , حَتَّى صَارَتْ قُرَّةَ عَيْنِهِ , فَإِنَّ قُرَّةَ الْعَيْنِ غَايَةُ الْمَحَبَّةِ , فَكَأَنَّهُ قَالَ : إِنَّمَا حُبِّبَ إِلَيَّ فِي الدُّنْيَا الْعُبُودِيَّةُ لِلَّهِ لَا غَيْرَ , وَفِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ : مِنْ دُنْيَاكُمْ , فَيَكُونُ فِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّهُ لَيْسَ لَهُ فِيهَا حَظٌّ , وَلَا إِلَيْهَا نَظَرٌ , وَلَا لَهَا عِنْدَهُ حَظٌّ , وَأَنَّهَا بِغَيْضَةٌ رَأْسًا , وَالَّذِي حُبِّبَ إِلَيْهِ فِيهَا مَا هُوَ لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ. حَدِيثٌ آخَرُ.
بحر الفوائد المشهور بمعاني الأخبار للكلاباذي - مشكول - ت محمد حسن إسماعيل - أحمد فريد المزيدي - ن دار الكتب العلمية - بيروت / لبنان · Hadith 10
Translated by Dr. Muhammad Muhsin Khan · Reviewed by Islamic University of Madinah · Published March 2020
