1234 - أخبرنا أحمد بن محمد قال: سمعت أبا القاسم عبيد اللّه بن عمر المعروف بالشافعي قال: حدثني جماعة منهم الحسن بن حبيب الدمشقي، عن الربيع بن سليمان قال: سمعت الشافعي محمد بن إدريسيقول: (من حفظ القرآن، عظمت قيمته، ومن طلب الفقه نبل قدره، ومن كتب الحديث قويت حجته، ومن نظر في النحو دق طبعه، ومن لم يصن نفسه لم يصنه العلم). وأخبرناه أبو عمر أحمد بن محمد بن أحمد قال: سمعت أبا القاسم(1/457)عبيد اللّه بن عمر الشافعي يقول: قال الشافعي: من حفظ القرآن عظمت حرمته، ثم ذكر مثله سواء إلى آخره. ويلزم أصحاب الحديث أن يعرفوا الصحابة المؤدين للدين عن نبيهم صلى اللّه عليه وسلم ويعنى بسيرهم وفضائلهم، ويعرف أحوال الناقلين عنهم وأيامهم وأخبارهم حتى يقف على العدول منهم وغير العدول، وهو أمر قريب كله على من اجتهد، فمن اقتصر على علم إمام واحد وحفظ ما كان عنده من السنن وقف على غرضه ومقصده في الفتوى حصل على نصيب من العلم وافر، وحظ فيه حسن صالح، فمن قنع بهذا اكتفى، والكفاية غير الغنى، والاختيار له أن: يجعل إمامه في ذلك إمام أهل المدينة دار الهجرة ومعدن السنة، ومن طلب الإمامه في الدين وأحب أن يسلك سبيل الذين جاز لهم الفتيا نظر في أقاويل الصحابة والتابعين والأئمة في الفقه إن قدر على ذلك نأمره بذلك كما أمرناه بالنظر في أقاويلهم في تفسير القرآن، فمن أحب الاقتصار على أقاويل علماء الحجاز اكتفى إن شاء اللّه واهتدى، وإن أحب الإشراف على مذاهب الفقهاء متقدمهم ومتأخرهم بالحجاز والعراق، وأحب الوقوف على ما أخذوا وتركوا من السنن، وما اختلفوا في تثبته وتأويله من الكتاب والسنة كان ذلك له مباحا، ووجها محمودا إن فهم وضبط، وما علم أو سلم من التخليط نال درجة رفيعة، ووصل إلى حسيم من العلم، واتسع ونبل إذا فهم ما أطلع، وبهذا يحصل الرسوخ لمن وفقه اللّه وصبر على هذا الشأن واستحلى مرارته واحتمل ضيق المعيشة فيه. واعلم - رحمك اللّه - أن طلب العلم في زماننا هذا وفي بلدنا قد حاد أهله عن طريق سلفهم، وسلكوا في ذلك ما لم يعرفه أئمتهم، وابتدعوا في ذلك ما بان به جهلهم وتقصيرهم عن مراتب العلماء قبلهم، فطائفة منهم تروي الحديث ولتسمعه قد رضيت بالدؤوب في جمع ما لا تفهم وقنعت بالجهل في حمل ما لا تعلم، فجمعوا الغث والسمين، والصحيح والسقيم، والحق والكذب في كتاب واحد وربما في ورقة واحدة، ويدينون بالشيء وضده، ولا يعرفون ما في ذلك عليهم، وقد شغلوا أنفسهم بالاستكثار عن التدبر والاعتبار، فالسنتهم تروي العلم، وقلوبهم قد خلت من الفهم، وقلوبهم قد خلت من الفهم، غاية أحدهم معرفة الكنية العربية والاسم الغريب والحديث المنكر، وتجده قد جهل ما لا يكاد يسع أحدا جهله من علم صلاته وحجه وصيامه وزكاته، وطائفة هي في الجهل كتلك أو أشد، لم يعنوا بحفظ سنة ولا الوقوف على معانيها ولا بأصل القرآن ولا أعتنوا بكتاب اللّه عز وجل فحفظوا تنزيله، ولا عرفوا ما(1/458)للعلماء في تأويله، ولا وقفوا على أحكامه، ولا تفقهوا في حلاله وحرامه، قد أطرحوا علم السنن والآثار، وقفوا على أحكامه، ولا تفقهوا في حلاله وحرامه، قد أطرحوا علم السنن والآثار، وزهدوا فيه، وأضربوا عنها، فلم يعرفوا الإجماع من الاختلاف، ولا فرقوا بين التنازع والائتلاف، بل عوّلوا على حفظ ما دوّن لهم من الرأي والاستحسان الذي كان عند العلماء آخر العلم والبيان، وكان الأئمة يبكون على ما سلف وسبق لهم من الفتوى فيه، ويودون أن حظهم السلامة منه، ومن حجة هذه الطائفة فيما عولوا عليه أنهم يقصرون وينزلون عن مراتب من له المراتب في الدين بجهلهم بأصوله، وأنهم مع الحاجة إليهم لا يستغنون عن أجوبة الناس في مسائلهم وأحكامهم، فلذلك اعتدموا على ما قد كفاهم الجواب غيرهم، فهم يقيسون على ما حفظوا من تلك المسائل، ويفرضون الأحكام فيها، ويستدلون منها، ويتركون طريق الاستدلال من حيث استدل الأئمة وعلماء الأمة، فجعلوا ما يحتاج أن يستدل عليه دليلا على غيره، ولو علموا أصول الدين وطرق الأحكام، وحفظوا السنن كان ذلك قوة لهم على ما ينزل بهم، ولكنهم جهلوا ذلك فعادوه، وعادوا أصحابه، فهم يفرطون في انتقاص الطائفة الأولى وتجهيلهم وعيبهم، وتلك تعيب هذه بضروب من العيب، وكلهم يتجاوز الحد في الذم، وعند كل واحد من الطائفتين خير كثير وعلم كبير، أما أولئك فكالخزان الصيدلانيين وهؤلاء في جهل معاني ما حملوه مثلهم، إلا أنهم كالمعالجين بأيديهم لعلل لا يقفون أقرب إلى السلامة في العاجل والآجل، وهؤلاء أكثر فائدة في العاجل وأكبر عذلا في الآجل، وإلى اللّه تعالى نفزع في التوفيق لما يقرب من رضاه ويوجب السلامة من سخطه، فإنما تنال ذلك برحمته وفضله. واعلم يا أخي أن المفرط في حفظ المولدات لا يؤمن عليه الجهل بكثير من السنن إذا لم يكن تقدم علمه بها، وأن المفرط في حفظ طرق الآثار دون الوقوف على معانيها وما قال الفقهاء فيها لصغر من العلم، وكلاهما قانع بالشم من الطعام، ومن اللّه التوفيق والحرمان، وهو حسبي وبه أعتصم. واعلم يا أخي أن الفروع لاحد لها تنتهي إليه أبدا فلذلك تشعبت، فلذلك من رام أن يحيط بآراء الرجال فقد رام ما لا سبيل له ولا بغيره إليه، لأنه لا يزال يرد عليه ما لم يسمع، ولعله أن ينسى أول ذلك بآخره لكثرته فيحتاج إلى أن يرجع إلى الاستنباط الذي كان يفزع منه(1/459)ويجبن عنه تورعا بزعمه أن غيره كان أدرى بطريق الاستنباط منه، فلذلك عوّل على حفظ قوله، ثم إن الأيام تضطره إلى الاستنباط مع جهله بالأصول، فجعل الرأي أصلا واستنبط عليه. وقد تقدم في كتبانا هذا كيف وجه القول واجتهاد الرأي على الأصول عندما ينزل العلماء من النوازل في أحكامهم ملخصا في أبواب مهذبة، ومن تدبرها وفهمها وعمل عليها نال حظه ووفق لرشده إن شاء اللّه. واعلم أنه لم تكن مناظرة بين اثنين أو جماعة من السلف إلا لتفهم وجه الصواب فيصار إليه ويعرف أصل القول وعلته، فيجري عليه أمثلته ونظائره، وعلى هذا الناس في كل بلد إلا عندنا كما شاء ربنا، وعند من سلك سبيلنا من أهل المغرب فإنهم لا يقيمون علة ولا يعرفون للقول وجها، وحسب أحدهم أن يقول: فيها رواية لفلان ورواية لفلان، ومن خالف عندهم الرواية التي لا يقف على معناها وأصلها وصحة وجهها فكأنه قد نص الكتاب وثابت ال
جامع بيان العلم وفضله القرطبي - ت مسعد عبد الحميد محمد السعدني - ن دار الكتب العلمية - بيروت · Hadith 1234
Translated by Dr. Muhammad Muhsin Khan · Reviewed by Islamic University of Madinah · Published March 2020
Sanad
1234 - أخبرنا أحمد بن محمد قال: سمعت أبا القاسم عبيد اللّه بن عمر المعروف بالشافعي قال: حدثني جماعة منهم الحسن بن حبيب الدمشقي، عن الربيع بن سليمان قال: سمعت الشافعي محمد بن إدريس
