التصنيف الموضوعي لتاريخ بغداد، للحافظ أبي بكر الخطيب البغدادي - ت - ن دار ابن الجوزي - من إصدارات شبكة نور الإسلام #2316
* عن الأصمعي قال بعث إلى محمد الأمين وهو ولي عهد فصرت إليه فقال إن الفضل بن الربيع كتب عن أمير المؤمنين يأمر بحملك إليه على ثلاث دواب من دواب البريد, وبين يدي محمد السندي بن شاهك فقال له: خذه فاحمله وجهزه إلى أمير المؤمنين, فوكل به السندي خليفته عبد الجبار فجهزني وحملني فلما دخلت الرقة أوصلت إلى الفضل بن الربيع فقال لي: لا تلقين أحداً ولا تكلمه حتى أوصلك إلى أمير المؤمنين وأنزلني منزلاً أقمت فيه يومين أو ثلاثة, ثم استحضرني فقال: جئني وقت المغرب حتى أدخلك على أمير المؤمنين, فجئته فأدلني على الرشيد, وهو جالس منفرد فسلمت فاستدناني, وأمرني بالجلوس, فجلست وقال لي: يا عبد الملك وجهت إليك بسبب جاريتين أهديتا إليَّ وقد أخذتا طرفاً من الأدب أحببت أن تبور ما عندهما وتشير عليَّ فيهما بما هو الصواب عندك, ثم قال: ليمض إلى عاتكة فيقال لها احضري الجاريتين فحضرت جاريتان ما رأيت مثلهما قط, فقلت لأجلهما: ما اسمك؟ قالت: فلانة. قلت: ما عندك من العلم؟ قالت: ما أمر الله به في كتابه, ثم ما ينظر الناس فيه من الأشعار والآداب والأخبار, فسألتها عن حروف من القرآن, فأجابتني كأنها تقرأ الجواب من كتاب, وسألتها عن النحو والعروض والأخبار, فما قصرت, فقلت: بارك الله فيك فما قصرت في جوابي في كل فن أخذت فيه فإن كنت تقرضين الشعر فأنشدينا شيئاً فاندفعت في هذا الشعر:
يا غياث البلاد في كل محل…ما يريد العباد إلا رضاك
لا ومن شرف الإمام وأعلى…ما أطاع الإله عبد عصاك
ومرت في الشعر إلى آخره, فقلت: يا أمير المؤمنين ما رأيت امرأة في مسك رجل مثلها, وقالت الأخرى, فوجدتها دونها, فقلت: ما تبلغ هذه من منزلتها إلا أنها إن واظب عليها لحقت. فقال: يا عباسي. فقال الفضل: لبيك يا أمير المؤمنين, فقال ليردا إلى عاتكة, ويقال لها تصنع هذه التي وصفتها بالكمال لتحمل إليَّ الليلة, ثم قال لي: يا عبد الملك أنا ضجر, وقد جلست أحب أن أسمع حديثا أتفرج به فحدثني بشيء, فقلت: لأي الحديث يقصد أمير المؤمنين؟ قال: لما شاهدت وسمعت من أعاجيب الناس وطرائف أخبارهم, فقلت: يا أمير المؤمنين, صاحب لنا في بدو بني فلان كنت أغشاه, وأتحدث إليه, وقد أتت عليه ست وتسعون سنة أصح الناس ذهناً, وأجودهم أكلاً, وأقواهم بدناً, فغبرت عنه زماناً, ثم قصدته فوجدته ناحل البدن, كاسف البال متغير الحال, فقلت له: ما شانك أأصابتك مصيبة؟ قال: لا. قلت: أفمرض عراك؟ قال: لا. قلت: فما سبب هذا التغيير الذي أراه بك؟ فقال: قصدت بعض القرابة في حي بني فلان, فألفيت عندهم جارية قد لاثت رأسها وطلت بالورس ما بين قرنها إلى قدمها, وعليها قميص وقناع مصبوغان, وفي عنقها طبل توقع عليه, وتنشد هذا الشعر:
محاسنها سهام للمنايا ... مريشة بأنواع الخطوب
برى ريب المنون لهن سهما ... تصيب بنصله مهج القلوب
فأجبتها:
قفي شفتي في موضع الطبل ترتقي ... كما قد أبحت الطبل في جيدك الحسن
هبينى عودا أجوفا تحت شنة ... تمتع فيها بين نحرك والذقن
فلما سمعت الشعر مني نزعت الطبل, فرمت به في وجهي, وبادرت إلى الخباء, فدخلت فلم أزل واقفاً إلى أن حميت الشمس على مفرق رأسي لا تخرج إليَّ ولا ترجع إليَّ جواباً, فقلت: أنا معها والله كما قال الشاعر:
فوالله يا سلمى لطال إقامتي…على غير شيء يا سليمى أراقبه
ثم انصرفت سخين العين قريح القلب, فهذا الذي ترى بي من التغير من عشقي لها, فضحك الرشيد حتى استلقى, وقال: ويحك يا عبد الملك ابن ست وتسعين سنة يعشق. قلت: قد كان هذا يا أمير المؤمنين, فقال: يا عباسي. فقال الفضل بن الربيع: لبيك يا أمير المؤمنين, فقال أعط عبد الملك مائة ألف درهم, ورده إلى مدينة السلام فانصرفت فإذا خادم يحمل شيئاً, ومعه جارية تحمل شيئاً فقال: أنا رسول بنتك يعني الجارية التي وصفتها وهذه جاريتها, وهي تقرأ عليك السلام وتقول: إن أمير المؤمنين أمر لي بمال وثياب هذا نصيبك منها, فإذا المال ألف دينار, وهي تقول: لن نخليك من المواصلة بالبر, فلم تزل تتعهدني بالبر الواسع الكثير حتى كانت فتنة محمد, فانقطعت أخبارها عني.
(10/ 411، 412)