بحر الفوائد المشهور بمعاني الأخبار للكلاباذي - مشكول - ت محمد حسن إسماعيل - أحمد فريد المزيدي - ن دار الكتب العلمية - بيروت / لبنان #263
ح مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ مَعْرُوفٍ قَالَ : حَدَّثَنا سَعِيدُ بْنُ مَسْعُودٍ قَالَ : حَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدٍ الطُّنَافِسِيُّ قَالَ : حَدَّثَنا الْأَعْمَشُ , عَنِ الْمَعْرُورِ بْنِ سُوَيْدٍ , عَنْ أَبِي ذَرٍّ , رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ : أَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ فِي ظِلِّ الْكَعْبَةِ جَالِسٌ , فَلَمَّا رَآنِي أَقْبَلْتُ قَالَ : هَلَكَ الْأَكْثَرُونَ وَرَبِّ الْكَعْبَةِ , هَلَكَ الْأَكْثَرُونَ وَرَبِّ الْكَعْبَةِ قَالَ : فَأَخَذَنِي غَمٌّ فَجَعَلْتُ أَتَنَفَّسُ , فَقُلْتُ : هَذَا شَيْءٌ حَدَثَ , قُلْتُ : مَنْ هُمْ فِدَاكَ أَبِي وَأُمِّي قَالَ : الْأَكْثَرُونَ إِلَّا مَنْ قَالَ فِي عِبَادِ اللَّهِ , هَكَذَا وَهَكَذَا عَنْ يَمِينِهِ وَشِمَالِهِ وَخَلْفِهِ , وَقَلِيلٌ مَا هُمْ , وَمَا مِنْ رَجُلٍ يَمُوتُ فَيَتْرُكُ إِبِلًا أَوْ غَنَمًا لَمْ يُؤَدِّ زَكَاتَهَا إِلَّا جَاءَتْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْظَمَ مَا كَانَتْ حَتَّى تَطَأَهُ بِأَظْلَافِهَا وَتَنْطَحَهُ بِقُرُونِهَا حَتَّى يُقْضَى بَيْنَ النَّاسِ , ثُمَّ يَعُودَ أُولَاهَا عَلَى أُخْرَاهَا.
فَإِنْ طَلَبَهَا لِيَطْلُبَ بِهَا الْبِرَّ , وَفِعْلَ الصَّنَائِعِ , وَاكْتِسَابَ الْمَعْرُوفِ كَانَ عَلَى خَطَرٍ , وَتَرْكُهُ لَهَا أَبْلَغُ فِي الْبِرِّ , فَقَدْ قِيلَ : يَا طَالِبَ الدُّنْيَا لِتَبَرَّ . بِرُّكَ بِهَا بَرَّ . فَقَدْ تَبَيَّنَ فِي هَذِهِ الْأَخْبَارِ أَنَّ الطَّالِبَ لَهَا مِنْ وَجْهِهَا لِلضَّرُورَةِ لَا غَيْرَ , فَإِنَّهُ قَدْ شُرِطَ فِي الْحَالَيْنِ جَمِيعًا الْحَلَالُ , وَمَا شَيْءٌ أَعَزَّ اللَّهُ مِنْ دِرْهَمٍ حَلَالٍ , قَالَ سُفْيَانُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : مَا شَيْءٌ أَعَزَّ اللَّهُ الْيَوْمَ مِنْ دِرْهَمٍ وَافَى فِي اللَّهِ.
فَفِي الْحَدِيثِ دَلَالَةٌ بَيِّنَةٌ عَلَى شَرَفِ الْفَقْرِ وَضَعَةِ الْغِنَى وَقُصُورِهِ عَنْ رُتْبَةِ الْفَقْرِ , وَذَلِكَ أَنَّ الْغِنَى الَّذِي هُوَ فُضُولُ الْمَالِ لَيْسَ إِلَّا كَثْرَةُ الْعَرَضِ , وَحُطَامُ الدُّنْيَا , وَلَا يَكَادُ الْكَثْرَةُ مِنْهَا يَكُونُ إِلَّا بِالطَّلَبِ لَهَا وَالْجَمْعِ إِيَّاهَا ,وَالطَّالِبُ لِلِاسْتِكْثَارِ مُتَوَعَّدٌ بِغَضَبِ اللَّهِ عَلَيْهِ , وَمَنْ حَصَلَتْ عِنْدَهُ مِنْ غَيْرِ طَلَبٍ فَهُوَ مُكْثِرٌ , وَالْمُكْثِرُ هَالِكٌ إِلَّا مَنْ أَعْطَى يَمِينًا وَشِمَالًا وَوَرَاءً , وَلَا يَكَادُ يَبْقَى الْمَالُ مَعَ الْإِعْطَاءِ بِهَذِهِ الصِّفَةِ.
وَقَالَ بَعْضُ الْفَلَاسِفَةِ لِرَجُلٍ افْتَخَرَ بِالْغَنَاءِ بِالْمَالِ , فَقَالَ : مَا افْتِخَارُكَ بِشَيْءٍ يُتْلِفُهُ الْجُودُ وَيُمْسِكُهُ الْبُخْلُ.
وَقَالَ آخَرُ وَرَأَى رَجُلًا يَفْتَخِرُ عَلَى آخَرَ بِمَالِهِ فَقَالَ : مَا افْتِخَارُكَ بِشَيْءٍ يُعْطِيهِ الْبَخْتُ , وَيَحْفَظُهُ اللَّوْمُ , وَيُهْلِكُهُ السَّخَاءُ.
أَنْشَدَنِي أَبُو الْقَاسِمِ الْحَكِيمُ رَحِمَهُ اللَّهُ:
{من أشعار بكر بن النطاح - البحر الوافر}
مَلَأْتُ يَدِي مِنَ الدُّنْيَا مِرَارًا وَمَا طَمَعَ الْعَوَاذِلُ فِي اقْتِصَادِي
وَلَا وَجَبَتْ عَلَيَّ زَكَاةُ مَالٍ وَهَلْ تَجِبُ الزَّكَاةُ عَلَى الْجَوَادِ وَكَفَاكَ بِفَضْلِ مَا بَيْنَهُمَا أَنَّ ذَا الْمَالِ يَحْتَاجُ إِلَى التَّطْهِيرِ , وَلَوْلَا التَّدَنُّسُ بِهِ لَمْ تُطَهِّرْهُ الزَّكَاةُ قَالَ : {خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا}.
وَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إِنَّ هَذَا الْبَيْعَ يَحْضُرُهُ اللَّغْوُ وَالْكَذِبُ فَشُوبُوهُ بِالصَّدَقَةِ.
فَلِذَلِكَ لَمْ تَجِبِ الزَّكَاةُ عَلَى الْأَنْبِيَاءِ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ ؛ لِأَنَّهُمْ لَمْ يَتَدَنَّسُوا بِهَا ؛ لِأَنَّهُمْ كَانُوا خَزَنَ اللَّهِ لَا مُتَمِلِّكِينَ لِلْأَمْوَالِ جَامِعِينَ لَهَا , وَكَذَلِكَ الْأَطْفَالُ لَمْ تَجِبْ عَلَيْهِمُ الزَّكَاةُ ؛ لِأَنَّهُمْ لَمْ يَتَدَنَّسُوا بِهَا , وَسَائِرُ الْمُكْثِرِينَ مِنْهَا يَحْتَاجُونَ إِلَى التَّطْهِيرِ مِنْ أَدْنَاسِهَا , وَالْغُسْلِ مِنْ أَقْذَارِهَا , وَالْمُتَخَلِّي مِنْهَا طَاهِرٌ مِنْ أَدْنَاسِهَا , طَيِّبٌ مِنْ أَقْذَارِهَا , غَنِيٌّ عَنِ التَّطَيُّرِ بِالزَّكَاةِ مِنْهَا , آمِنٌ مِنَ الْوَعِيدِ بِكَيِّ الْجِبَاهِ وَالْجُنُوبِ بِهَا , وَالْعَذَابِ عَلَى الْحَرَامِ مِنْهَا , وَالْحِسَابِ عَلَى الْحَلَالِ فِيهَا , وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ.
وَقَدْ أَفْرَدَنَا لِشَرَفِ الْفَقْرِ وَأَهْلِهِ كِتَابًا جَامِعًا يَشْتَمِلُ عَلَى الْأَخْبَارِ وَالْآثَارِ الْمَرْوِيَّةِ فِيهِ , وَالْحُجَجِ الْكَثِيرَةِ مِنْ جِهَةِ الْخَبَرِ وَالنَّظَرِ , وَمَعْنَى الْأَخْبَارِ الَّتِي وَرَدَتْ فِي الْغَنَاءِ مَا أَغْنَى عَنِ الْإِعَادَةِ هَا هُنَا , وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ , وَمِنْهُ الْحَوْلُ وَالْقُوَّةُ.حَدِيثٌ آخَرُ.