بيان الوهم والإيهام في كتاب الأحكام #476
476) وَذكر من طَرِيق أبي دَاوُد عَن أبي بكرَة: " صلى رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - فِي خوف الظّهْر، فَصف بَعضهم خَلفه " الحَدِيث. وَمن طَرِيق الدَّارَقُطْنِيّ عَنهُ أَن النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - " صلى بالقوم صَلَاة الْمغرب ثَلَاث رَكْعَات ثمَّ انْصَرف، وَجَاء الْآخرُونَ فصلى بهم ثَلَاث رَكْعَات، فَكَانَت لَهُ سِتّ رَكْعَات، وَلِلْقَوْمِ ثَلَاث ثَلَاث ". وَعِنْدِي أَن هذَيْن الْحَدِيثين غير متصلين، فَإِن أَبَا بكرَة لم يصل مَعَه صَلَاة الْخَوْف، وَإِن كَانَ قد قَالَ فِي الحَدِيث الأول: إِنَّه صلاهَا مَعَه. كَذَلِك هُوَ عِنْد أبي دَاوُد، من رِوَايَة الْحسن عَنهُ، وَقد صَحَّ سَمَاعه مِنْهُ. وَإِنَّمَا قُلْنَا: إِن أَبَا بكرَة لم يصل مَعَه صَلَاة الْخَوْف، لِأَنَّهُ من المتقرر عِنْد أهل السّير والأخباريين - وَهُوَ أَيْضا صَحِيح بِالْأَسَانِيدِ الْمُتَّصِلَة عِنْد الْمُحدثين - أَنه أسلم حِين حِصَار رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - الطَّائِف، نزل من سورها ببكرة وَبهَا كني أَبَا بكرَة، وحصار الطَّائِف كَانَ بعد الِانْصِرَاف من حنين وَقبل قسم غنائمها بالجعرانة. وَلما انْتقل عَنْهَا إِنَّمَا انْتقل إِلَى الْجِعِرَّانَة، فقسم بهَا غَنَائِم حنين، ثمَّ رَجَعَ إِلَى الْمَدِينَة، فَأَقَامَ بهَا مَا بَين ذِي الْحجَّة إِلَى رَجَب، ثمَّ خرج / إِلَى تَبُوك، غازيا للروم، فَأَقَامَ بتبوك بضع عشرَة لَيْلَة، لم يجاوزها، وَلم تكن / فِيهَا حَرْب تصلى لَهَا صَلَاة الْخَوْف، وَهِي آخر غَزْوَة غَزَاهَا بِنَفسِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -. وَالَّتِي قَاتل فِيهَا من غزاوته / هِيَ: بدر، وَأحد، وَالْخَنْدَق، وَقُرَيْظَة، والمصطلق، وخيبر، وحنين، والطائف. وَمن النَّاس من يعد وَادي الْقرى، حِين قتل غُلَامه مدعم وَيَوْم الغابة. فعلى هَذَا لَا أَدْرِي لصَلَاة أبي بكرَة مَعَه موطنا، وَقد جَاءَت عَنهُ فِي هَذَا رِوَايَات لَا توهم أَنه شَهِدَهَا، كَرِوَايَة أبي دَاوُد الطَّيَالِسِيّ، عَن أبي حرَّة عَن الْحسن، عَن أبي بكرَة، أَن رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - " صلى بِأَصْحَابِهِ صَلَاة الْخَوْف، صفهم صفّين: صف بِإِزَاءِ الْعَدو " الحَدِيث ذكره الْبَزَّار. وَلَيْسَ فِي هَذَا مَا يُنكر، فَإِنَّهُ لم يقل: إِنَّه صلاهَا مَعَه، وَكَذَلِكَ رِوَايَة أَشْعَث، عَن الْحسن، عَن أبي بكرَة، ذكرهَا الْبَزَّار أَيْضا، فَاعْلَم ذَلِك. وَمن هَذَا الْبَاب أَحَادِيث، هِيَ فِي الْمَوَاضِع الَّتِي نقلهَا مِنْهَا غير موصلة الْأَسَانِيد من مخرجها إِلَى من ذكرت عَنهُ، مِمَّا يعلم أَن بَينهمَا زَمَانا يقْضِي بالانقطاع. وَهِي كَثِيرَة يَقع ذكره لَهَا، موهما أَنه قد وقف لَهَا على أَسَانِيد فِي الْمَوَاضِع الَّتِي نقلهَا مِنْهَا، كَسَائِر مَا يذكر من الْأَحَادِيث، فَإِنَّهُ مَا من حَدِيث يذكرهُ من عِنْد مُسلم عَن أبي هُرَيْرَة مثلا، أَو من عِنْد البُخَارِيّ عَن أنس مثلا، إِلَّا وَأَنت تعتقد من عَادَته أَنه قد رأى إسنادهما إِلَى أبي هُرَيْرَة وَإِلَى أنس عِنْد البُخَارِيّ وَمُسلم، وَترك ذكره اختصارا، وَاقْتصر على من ذكر من رُوَاته. وَهَذِه الْأَحَادِيث الَّتِي نذْكر الْآن، يتَوَهَّم هَذَا فِيهَا من حَيْثُ عهد يصنع كثيرا مَا ذَكرْنَاهُ، وَهِي فِي الْمَوَاضِع الَّتِي نقلهَا مِنْهَا لَا أَسَانِيد لَهَا، وَإِنَّمَا اقتطعت أسانيدها من رُوَاة لم يدركهم الْمخْرج لَهَا، وَكَانَ من حَقه أَن يبين أَنه لَا يعلم الْأَسَانِيد إِلَيْهَا موصلة.
أَبِي بَكْرَةَ ← من طَرِيق أبي دَاوُد،
بيان الوهم والإيهام في كتاب الأحكام · 1-1- كتاب الطهارة · Hadith 476
