التهذيب الموضوعي لحلية الأولياء، للحافظ أبي نعيم الأصبهاني - ت - ن دار طيبة للنشر والتوزيع - · کتاب ‹ باب · حديث 3961
إذا قرأ الرجل القرآن نهاراً: صلت عليه الملائكة حتى يمسي؛ وإذا قرأه ليلاً: صلت عليه الملائكة حتى يصبح. قال الأعمش: فرأيت أصحابنا، يعجبهم أن يختموه أول النهار، أو أول الليل. وقال إبراهيم: قال عبد الله: إني لأكره أن أرى القارئ سميناً، نسياً للقرآن.
(4/ 227)
* عن الأعمش عن إبراهيم النخعي قال
إِبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ، ← الْاَعْمَشِ ← عبد الله: إني لأكره أن أرى القارئ سميناً، نسياً للقرآن. ← إِبْرَاهِيمَ،
The substantive refinement of Hilyat al-Awliya', by Hafiz Abi Naim al-Asbhani - T - N Dar Taibah for Publishing and Distribution - · Chapter › Chapter · Hadith 3961
التهذيب الموضوعي لحلية الأولياء، للحافظ أبي نعيم الأصبهاني - ت - ن دار طيبة للنشر والتوزيع - · کتاب ‹ باب · حديث 4097
في رد كتاب الله تعالى، وتكذيبهم بأقداره النافذة، في علمه السابق الذي لا حد له إلا إليه، وليس لشيء منه مخرج؛ وطعنهم في دين الله، وسنة رسوله القائمة في أمته؛ أما بعد:
فإنكم كتبتم إلي، بما كنتم تستترون منه قبل اليوم: في رد علم الله، والخروج منه، إلى ما كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يتخوف على أمته: من التكذيب بالقدر؛ وقد علمتم أن أهل السنة، كانوا يقولون: الاعتصام بالسنة نجاة، وسيقبض العلم قبضاً سريعاً؛ وقول عمر بن الخطاب ـ وهو يعظ الناس ـ: إنه لا عذر لأحد عند الله بعد البينة: بضلالة ركبها، حسبها هدى؛ ولا في هدى تركه، حسبه ضلالة؛ قد تبينت الأمور، وثتبتت الحجة، وانقطع العذر؛ فمن رغب عن أنباء النبوة وما جاء به الكتاب: تقطعت من يديه أسباب الهدى، ولم يجد له عصمة ينجو بها من الردى.
وإنكم ذكرتم: أنه بلغكم، أني أقول: إن الله قد علم ما العباد عاملون، وإلى ما هم صائرون؛ فأنكرتم ذلك علي، وقلتم: إنه ليس يكون ذلك من الله في علم، حتى يكون ذاك من الخلق عملاً؛ فكيف ذلك كما قلتم، والله تعالى يقول: {إِنَّا كَاشِفُو الْعَذَابِ قَلِيلاً إِنَّكُمْ عَائِدُونَ} [الدخان:15]. يعني: عائدين في الكفر؛ وقال تعالى: {وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ} [الأنعام: 28]. فزعمتم بجهلكم في قول الله تعالى: {فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ} [الكهف:29]. أن المشيئة: في أي ذلك أحببتم، فعلتم من ضلالة، أو هدى؛ والله تعالى يقول: {وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ} [التكوير:29]. فبمشيئة الله لهم: شاءوا، ولو لم يشأ: لم ينالوا بمشيئتهم من طاعته شيئاً، قولا، ولا عملاً؛ لأن الله تعالى: لم يملك العباد ما بيده، ولم يفوض إليهم ما يمنعه من رسله؛ فقد حرصت الرسل على هدى الناس جميعاً، فما اهتدى منهم إلا من هداه الله؛ ولقد حرص إبليس على ضلالتهم جميعاً، فما ضل منهم إلا من كان في علم الله ضالاً.
وزعمتم بجهلكم: أن علم الله تعالى ليس بالذي يضطر العباد إلى ما عملوا من معصيته، ولا بالذي صدهم عما تركوه من طاعته؛ ولكنه بزعمكم: كما علم الله أنهم سيعملون بمعصيته، كذلك علم أنهم سيستطيعون تركها؛ فجعلتم علم الله لغوا؛ تقولون: لو شاء العبد: لعمل بطاعة الله، وإن كان في علم الله أنه غير عامل بها؛ ولو شاء ترك معصيته: وإن كان في علم الله أنه غير تارك لها؛ فأنتم إذا شئتم: أصبتموه، وكان علماً؛ وإذا شئتم: رددتموه، وكان جهلاً؛ وإن شئتم: أحدثتم من أنفسكم علماً ليس في علم الله، وقطعتم به علم الله عنكم؛ وهذا ما كان ابن عباس يعده للتوحيد نقضاً، وكان يقول: إن الله لم يجعل فضله ورحمته هملاً، بغير قسم منه ولا اختيار؛ ولم يبعث رسله بإبطال ما كان في سابق علمه، فأنتم تقرون في العلم بأمر، وتنقضونه في آخر؛ والله تعالى يقول: {يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ} [البقرة: 255]. فالخلق صائرون إلى علم الله تعالى، ونازلون عليه؛ وليس بينه شيء هو كائن حجاب يحجبه عنه، ولا يحول دونه، إنه عليم حكيم.
وقلتم: لو شاء الله، لم يفرض بعمل، بغير ما أخبر الله في كتابه عن قوم: {وَلَهُمْ أَعْمَالٌ مِنْ دُونِ ذَلِكَ هُمْ لَهَا عَامِلُونَ} [المؤمنون: 63]. وأنه قال: {سَنُمَتِّعُهُمْ ثُمَّ يَمَسُّهُمْ مِنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ} [هود: 48]. فأخبر: أنهم عاملون قبل أن يعملوا، وأخبر: أنه معذبهم قبل أن يخلقوا؛ وتقولون أنتم: إنهم لو شاءوا: خرجوا من علم الله في عذابه، إلى ما لم يعلم من رحمته لهم؛ ومن زعم ذلك: فقد عادى كتاب الله برد؛ ولقد سمى الله تعالى رجالاً من الرسل بأسمائهم وأعمالهم، في سابق علمه؛ فما استطاع آباؤهم لتلك الأسماء تغييراً، وما استطاع إبليس بما سبق لهم في علمه من الفضل تبديلاً؛ فقال: {وَاذْكُرْ عِبَادَنَا إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ أُولِي الْأَيْدِي وَالْأَبْصَارِ. إِنَّا أَخْلَصْنَاهُمْ بِخَالِصَةٍ ذِكْرَى الدَّارِ} [صّ:45ـ46]. فالله أعز في قدرته، وأمنع من أن يملك أحداً إبطال علمه في شيء من ذلك؛ فهو مسمى لهم بوحيه الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، أو أن يشرك في خلقه أحداً، أو يدخل في رحمته من قد أخرجه منها، أو أن يخرج منها من قد أدخله فيها؛ ولقد أعظم بالله الجهل: من زعم أن العلم كان بعد الخلق، بل لم يزل الله وحده: بكل شيء عليماً، وعلى كل شيء شهيداً: قبل أن يخلق شيئاً، وبعد ما خلق؛ لم ينقص علمه في بدئهم، ولم يزد بعد أعمالهم، ولا بحوائجه التي قطع بها دابر ظلمهم، ولا يملك إبليس هدى نفسه، ولا ضلالة غيره.
وقد أردتم بقذف مقالتكم: إبطال علم الله في خلقه، وإهمال عبادته؛ وكتاب الله: قائم بنقض بدعتكم، وإفراط قذفكم؛ ولقد علمتم: أن الله بعث رسوله، والناس يومئذ أهل شرك؛ فمن أراد الله له الهدى: لم تحل ضلالته التي كان فيها دون إرادة الله له، ومن لم يرد الله له الهدى: تركه في الكفر ضالاً، فكانت ضلالته أولى به من هداه؛ فزعمتم: أن الله أثبت في قلوبكم الطاعة والمعصية، فعملتم بقدرتكم بطاعته، وتركتم بقدرتكم معصيته؛ وأن الله خلو من أن يكون يختص أحداً برحمته، أو يحجز أحداً عن معصيته.
وزعمتم: أن الشيء الذي بقدر، إنما هو عندكم: اليسر، والرخاء، والنعمة؛ وأخرجتم منه الأعمال، وأنكرتم أن يكون سبق لأحد من الله ضلالة أو هدى، وأنكم الذين هديتم أنفسكم من دون الله، وأنكم الذين حجزتموها عن المعصية، بغير قوة من الله ولا إذن منه.
فمن زعم ذلك: فقد غلا في القول، لأنه: لو كان شيء لم يسبق في علم الله وقدره، لكان لله في ملكه شريك، ينفذ مشيئته في الخلق من دون الله؛ والله سبحانه وتعالى يقول: {حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْأِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ} [الحجرات: 7]. وهم له قبل ذلك كارهون: {وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ} [الحجرات: 7]. وهم له قبل ذلك محبون، وما كانوا على شيء من ذلك لأنفسهم بقادرين.
ثم أخبر بما سبق لمحمد - صلى الله عليه وسلم - من الصلاة عليه، والمغفرة له ولأصحابه؛ فقال تعالى: {أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ} [الفتح: 29]. وقال تعالى: {لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ} [الفتح: 2]. فلولا علمه، ما غفرها الله له قبل أن يعملها، وفضلاً سبق له من الله قبل أن يخلقوا، ورضواناً عنهم قبل أن يؤمنوا، ثم أخبر بما هم عاملون آمنون، قبل أن يعملوا.
وقال: {تَرَاهُمْ رُكَّعاً سُجَّداً يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَاناً} [الفتح: 29] فتقولون أنتم: إنهم قد كانوا ملكوا رد ما أخبر الله عنهم: أنهم عاملون، وأن إليهم أن يقيموا على كفرهم مع قوله؛ فيكون الذي أرادوا لأنفسهم من الكفر مفعولاً، ولا يكون لوحي الله فيما اختار تصديقاً، بل لله الحجة البالغة.
وفي قوله تعالى: {لَوْلا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ} [لأنفال:68]. فسبق لهم العفو من الله فيما أخذوا، قبل أن يؤذن لهم؛ وقلتم: لو شاءوا، خرجوا من علم الله في عفوه عنهم، إلى ما لم يعلم من تركهم لما أخذوا؛ فمن زعم ذلك: فقد غلا وكذب؛ ولقد ذكر الله بشراً كثيراً، وهم يومئذ في أصلاب الرجال وأرحام النساء؛ فقال: {وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ} [الجمعة: 3]. وقال: {وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْأِيمَانِ} [الحشر: 10]. فسبقت لهم الرحمة من الله قبل أن يخلقوا، والدعاء لهم بالمغفرة ممن لم يسبقهم بالإيمان من قبل أن يدعو لهم؛ ولقد علم العالمون بالله: أن الله لا يشاء أمراً، فتحول مشيئة غيره دون بلاغ ما شاء؛ ولقد شاء لقوم الهدى، فلم يضلهم أحد؛ وشاء إبليس لقوم الضلالة، فاهتدوا؛ وقال لموسى وهارون: {اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى. فَقُولا لَهُ قَوْلاً لَيِّناً لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى} [طه: 43 ـ44]. وموسى في سابق علمه: أنه يكون لفرعون عدواً وحزناً؛ فقال تعالى: {وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُمْ مَا كَانُوا يَحْذَرُونَ} [القصص: 6]. فتقولون أنتم: لو شاء فرعون، كان لموسى ولياً وناصراً، والله تعالى يقول: {ِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوّاً وَحَزَناً} [القصص: من الآية8]؛ وقلتم: لو شاء فرعون، لامتنع من الغرق؛ والله تعالى يقول: {إِنَّهُمْ جُنْدٌ مُغْرَقُونَ} [الدخان: 24]؛ مثبت ذلك عنده في وحيه، في ذكر الأولين؛ كما قال في سابق علمه لآدم قبل أن يخلقه: {إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً} [البقرة:30] فصار إلى ذلك: بالمعصية التي ابتلي بها، وكما كان إبليس في سابق علمه: أنه سيكون مذموماً مدحوراً، وصار إلى ذلك بما ابتلى به: من السجود لآدم، فأبى؛ فتلقى آدم التوبة، فرحم؛ وتلقى إبليس اللعنة، فغوى؛ ثم أهبط آدم إلى ما خلق له من الأرض: مرحوماً، متوباً عليه؛ وأهبط إبليس بنظرته: مدحوراً، مذموماً، مسخوطاً عليه؛ وقلتم أنتم: إن إبليس وأولياءه من الجن، قد كانوا ملكوا رد علم الله، والخروج من قسمه الذي أقسم به؛ إذ قال: {قَالَ فَالْحَقُّ وَالْحَقَّ أَقُولُ. لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكَ وَمِمَّنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ} [صّ:84ـ85]. حتى لا ينفذ له علم، إلا بعد مشيئتهم.
فماذا تريدون بهلكة أنفسكم في رد علم الله؟ فإن الله عز وجل لم يشهدكم خلق أنفسكم، فكيف يحبط جهلكم بعلمه؟ وعلم الله: ليس بمقصر عن شيء هو كائن، ولا يسبق علمه في شيء، فيقدر أحد على رده؛ فلو كنتم تنتقلون في كل ساعة من شيء إلى شيء هو كائن، لكانت مواقعكم عنده.
ولقد علمت الملائكة قبل خلق آدم، ما هو كائن من العباد في الأرض: من الفساد، وسفك الدماء فيها، وما كان لهم في الغيب من علم؛ فكان في علم الله: الفساد، وسفك الدماء؛ وما قالوا تخرصاً، إلا بتعليم العليم الحكيم لهم، فظن ذلك منهم، وقد أنطقهم به.
فأنكرتم أن الله أزاغ قوماً قبل أن يزيغوا، وأضل قوماً قبل أن يضلوا؛ وهذا مما لا يشك فيه المؤمنون بالله؛ إن الله، قد عرف قبل أن يخلق العباد: مؤمنهم من كافرهم، وبرهم من فاجرهم؛ وكيف يستطيع عبد هو عند الله مؤمن: أن يكون كافراً، أو هو عند الله كافر، أن يكون مؤمناً؟ والله تعالى يقول: {أَوَمَنْ كَانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا} [الأنعام:122]. فهو في الضلالة ليس بخارج منها أبداً، إلا بإذن الله.
ثم آخرون، اتخذوا من بعد الهدى: عجلاً، جسداً، فضلوا به؛ فعفى عنهم، لعلهم يشكرون؛ فصاروا من أمة قوم موسى} أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ} [الأعراف: 159]، وصاروا إلى ما سبق لهم.
ثم ضلت ثمود بعد الهدى، فلم يعف عنهم، ولم يرحموا؛ فصاروا في علمه إلى صيحة واحدة، فإذا هم خامدون؛ فنفذوا إلى ما سبق لهم: أن صالحاً رسولهم، وأن الناقة فتنة لهم، وأنه مميتهم كفاراً؛ فعقروها.
وكان إبليس فيما كانت فيه الملائكة: من التسبيح والعبادة، ابتلى، فعصى، فلم يرحم؛ وابتلى آدم، فعصى، فرحم؛ وهمّ آدم بالخطيئة: فنسي؛ وهمّ يوسف بالخطيئة: فعصم.
فأين كانت الاستطاعة عند ذلك؟ هل كانت تغني شيئاً فيما كان من ذلك حتى لا يكون، أو تغني فيما لم يكن حتى يكون، فتعرف لكم بذلك حجة؟ بل الله أعز مما تصفون، وأقدر.
وأنكرتم، أن يكون سبق لأحد من الله ضلالة أو هدى، وإنما علمه بزعمكم حافظ؛ وأن المشيئة في الأعمال إليكم: إن شئتم أحببتم الإيمان، فكنتم من أهل الجنة.
ثم جعلتم بجهلكم: حديث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الذي جاء به أهل السنة، وهو مصدق للكتاب المنزل، أنه: من ذنب مضاه ذنباً خبيثاً في قول النبي - صلى الله عليه وسلم - حين سأله عمر: أرأيت ما نعمل، أشيئ قد فرغ منه، أم شيء نأتنفه؟ فقال - صلى الله عليه وسلم -: «بل شيء قد فرغ منه»؛ فطعنتم بالتكذيب له، وتعليم من الله في علمه، إذ قلتم: إن كنا لا نستطيع الخروج منه، فهو الجبر؛ والجبر عندكم: الحيف؛ فسميتم نفاذ علم الله في الخلق: حيفاً؛ وقد جاء الخبر: أن الله خلق آدم، فنثر ذريته في يده، فكتب أهل الجنة وما هم عاملون، وكتب أهل النار وما هم عاملون.
وقال سهل بن حنيف ـ يوم صفين ـ: أيها الناس، اتهموا آراءكم على دينكم، فوالذي نفسي بيده، لقد رأيتنا يوم أبي جندل، ولو نستطيع رد أمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لرددناه؛ والله، ما وضعنا سيوفنا على عواتقنا، إلا أسهل بنا على أمر نعرفه قبل أمركم هذا.
ثم أنتم بجهلكم: قد أظهرتم دعوة حق على تأويل باطل: تدعون الناس إلى رد علم الله؛ فقلتم: الحسنة من الله، والسيئة من أنفسنا؛ وقال أئمتكم: وهم أهل السنة الحسنة من الله في علم قد سبق، والسيئة من أنفسنا في علم قد سبق؟ فقلتم: لا يكون ذلك، حتى يكون بدؤها من أنفسنا، كما بدء السيئات من أنفسنا؛ وهذا رد للكتاب منكم، ونقض للدين.
وقد قال ابن عباس ـ حين نجم القول بالقدر ـ: هذا أول شرك هذه الأمة، والله، ما ينتهي بهم سوء رأيهم، حتى يخرجوا الله من أن يكون قدر خيراً، كما أخرجوه من أن يكون قدر شراً.
فأنتم تزعمون بجهلكم: أن من كان في علم الله ضالاً فاهتدى، فهو بما ملك ذلك، حتى كان في هداه، ما لم يكن الله علمه فيه؛ وأن من شرح صدره للإسلام، فهو بما فوض إليه قبل أن يشرحه الله له؛ وأنه: إن كان مؤمناً فكفر، فهو مما شاء لنفسه، وملك من ذلك لها، وكانت مشيئته في كفره: أنفذ من مشيئة الله في إيمانه؛ بل أشهد: أنه من عمل حسنة، فبغير معونة كانت من نفسه عليها؛ وأن من عمل سيئة، فبغير حجة كانت له فيها} وَأَنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ} [الحديد:29] وأن لو أراد الله أن يهدي الناس جميعاً، لنفذ أمره فيمن ضل، حتى يكون مهتدياً.
فقلتم: بمشيئته، شاء لكم تفويض الحسنات إليكم، وتفويض السيئات؛ ألقى عنكم سابق علمه في أعمالكم، وجعل مشيئته تبعاً لمشيئتكم؛ ويحكم، فوالله، ما أمضى لبني إسرائيل مشيئتهم حين أبوا أن يأخذوا ما آتاهم بقوة، حتى نتق الجبل فوقهم كأنه ظلة؛ فهل رأيتموه أمضى مشيئته لمن كان في ضلالته، حين أراد هداه، حتى صار إلى أن أدخله بالسيف إلى الإسلام كرها، بموضع علمه بذلك فيه؟ أم، هل أمضى لقوم يونس مشيئتهم حين أبوا أن يؤمنوا، حتى أظلهم العذاب فآمنوا، وقبل منهم، ورد على غيرهم الإيمان، فلم يقبل منهم؟ وقال تعالى: {فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا قَالُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ وَكَفَرْنَا بِمَا كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ. فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا سُنَّتَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ فِي عِبَادِهِ وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْكَافِرُونَ} [غافر: 84 ـ 85]. أي، علم الله الذي قد خلا في خلقه؛} وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْكَافِرُونَ {. وذلك كان موقعهم عنده: أن يهلكوا بغير قبول منهم؛ بل: الهدى والضلالة، والكفر والإيمان، والخير والشر: بيد الله، يهدي من يشاء، ويذر من يشاء في طغيانهم يعمهون.
كذلك قال إبراهيم عليه السلام: {وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ} [ابراهيم: 35]. وقال عليه السلام: {رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ} [البقرة:128]. أي: أن الإيمان والإسلام بيدك، وأن عبادة من عبد الأصنام بيدك.
فأنكرتم ذلك، وجعلتموه ملكاً بأيديكم، دون مشيئة الله عز وجل؛ وقلتم في القتل: إنه بغير أجل، وقد سماه الله لكم في كتابه، فقال ليحيى: {وَسَلامٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ وَيَوْمَ يَمُوتُ وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيّاً} [مريم:15]. فلم يمت يحيى إلا بالقتل، وهو موت، كما مات من قتل منهم شهيداً، أو قتل عمداً، أو قتل خطأً: كمن مات بمرض، أو فجأة؛ كل ذلك موت، بأجل توفاه، ورزق استكمله، وأثر بلغه، ومضجع برز إليه} وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ كِتَاباً مُؤَجَّلاً} [آل عمران: 145]. ولا تموت نفس ولها في الدنيا عمر ساعة: إلا بلغته، ولا موضع قدم: إلا وطأته؛ ولا مثقال حبة من رزق: إلا استكملته، ولا مضجع بحيث كان: إلا برزت إليه؛ يصدق ذلك قول الله عز وجل: {قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إِلَى جَهَنَّمَ} [آل عمران:12]. فاخبر الله سبحانه بعذابهم بالقتل في الدنيا، والآخرة بالنار، وهم أحياء بمكة؛ وتقولون أنتم: إنهم قد كانوا ملكوا رد علم الله في العذابين اللذين أخبر الله ورسوله أنهما نازلان بهم؛ وقال تعالى: {ثَانِيَ عِطْفِهِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَنُذِيقُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَذَابَ الْحَرِيقِ} [الحج:9]. يعني: القتل يوم بدر؛} وَنُذِيقُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَذَابَ الْحَرِيقِ} [الحج:9]. فانظروا إلى ما أرداكم فيه رأيكم، وكتاباً سبق في علمه بشقائكم إن لم يرحمكم.
ثم قول رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «بني الإسلام على ثلاثة أعمال: الجهاد ماض منذ يوم بعث الله رسوله إلى يوم القيامة، فيه عصابة من المؤمنين يقاتلون الدجال، لا ينقض ذلك جور جائر، ولا عدل من عدل؛ والثانية: أهل التوحيد، لا تكفروهم، ولا تشهدوا عليهم بشرك؛ والثالثة: المقادير كلها، خيرها وشرها: من قدر الله».
فنقضتم من الإسلام جهاده، ونقضتم شهادتكم على أمتكم بالكفر، وبرئتم منهم ببدعتكم، وكذبتم بالمقادير كلها، والآجال، والأعمال، والأرزاق؛ فما بقيت في أيديكم خصلة ينبني الإسلام عليها، إلا نقضتموها، وخرجتم منها.
(5/ 346ـ353)
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)* عن خلف أبي الفضل القرشي، عن كتاب عمر بن عبد العزيز، إلى النفر الذين كتبوا إلي بما لم يكن لهم بحق
The substantive refinement of Hilyat al-Awliya', by Hafiz Abi Naim al-Asbhani - T - N Dar Taibah for Publishing and Distribution - · Chapter › Chapter · Hadith 4097
التهذيب الموضوعي لحلية الأولياء، للحافظ أبي نعيم الأصبهاني - ت - ن دار طيبة للنشر والتوزيع - · کتاب ‹ باب · حديث 4510
يا أبا علي، ما بال الميت: ينزع نفسه وهو ساكت، وابن آدم: يضطرب من القرصة؟ قال: لأن الملائكة توثقه؛ ثم قرأ: {تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لا يُفَرِّطُونَ} [الأنعام: 61].
(8/ 111)
* قيل للفضيل بن عياض
لأن الملائكة توثقه؛ ثم قرأ: قيل للفضيل بن عياض ← ابن آدم: يضطرب من القرصة؟ ← يا أبا علي، ما بال الميت: ينزع نفسه وهو ساكت،
The substantive refinement of Hilyat al-Awliya', by Hafiz Abi Naim al-Asbhani - T - N Dar Taibah for Publishing and Distribution - · Chapter › Chapter · Hadith 4510
التهذيب الموضوعي لحلية الأولياء، للحافظ أبي نعيم الأصبهاني - ت - ن دار طيبة للنشر والتوزيع - · کتاب ‹ باب · حديث 4664
كنا يوماً عند صالح المري، وهو يتكلم ويعظ؛ فقال لرجل حدث بين يديه: اقرأ يا بني، فقرأ الرجل: {وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْآزِفَةِ إِذِ الْقُلُوبُ لَدَى الْحَنَاجِرِ كَاظِمِينَ مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلا شَفِيعٍ يُطَاعُ} [غافر:18]. فقطع عليه صالح القراءة؛ فقال: وكيف يكون للظالمين حميم أو شفيع، والطالب له رب العالمين؟ إنك والله، لو رأيت الظالمين وأهل المعاصي، يساقون في السلاسل والأغلال إلى الجحيم، حفاة، عراة، مسودة وجوههم، مزرقة عيونهم، ذائبة أجسامهم، ينادون: يا ويلاه، يا ثبوراه، ماذا نزل بنا؟ ماذا حل بنا؟ أين يذهب بنا؟ ماذا يراد منا؟ والملائكة تسوقهم بمقامع النيران: فمرة يجرون على وجوههم، ويسحبون عليها متكئين؛ ومرة يقادون إليها عنتا مقرنين، من بين باك دماً بعد انقطاع الدموع، ومن بين صارخ، طائر القلب مبهوت.
إنك والله، لو رأيتهم على ذلك: لرأيت منظراً لا يقوم له بصرك، ولا يثبت له قلبك، ولا يستقر لفظاعة هو له على قرار قدمك.
ثم نحب، وصاح: ياسوء منظراه، ويا سوء منقلباه، وبكى، وبكى الناس.
فقام شاب به تأنيث، فقال: أكل هذا في القيامة يا أبا البشر؟
قال: نعم والله يا ابن أخي، وما هو أكبر من ذلك؛ لقد بلغني: أنهم يصرخون في النار، حتى تنقطع أصواتهم، فلا يبقى منها: إلا كهيئة الأنين من المدنف.
فصاح الفتى: إنا لله، واغفلتاه عن نفسي أيام الحياة، ويا أسفي على تفريطي في طاعتك يا سيداه، وا أسفاه على تض
ييع عمري في دار الدنيا؛ ثم بكى، واستقبل القبلة؛ ثم قال: اللهم، إني أستقبلك في يومي هذا بتوبة لك، لا يخالطها رياء لغيرك؛ اللهم، فاقبلني على ما كان مني، واعف عما تقدم من عملي، وأقلني عثرتي، وارحمني ومن حضرني، وتفضل علينا بجودك أجمعين، يا أرحم الراحمين؛ لك ألقيت معاقد الآثام من عنقي، وإليك أنبت جميع جوارحي، صادقاً بذلك قلبي؛ فالويل لي إن أنت لم تقبلني.
ثم غلب، فسقط مغشياً عليه، فحمل من بين القوم صريعاً، يبكون عليه، ويدعون له؛ وكان صالح: كثيراً ما يذكره في مجلسه، يدعو الله له، ويقول: بأبي قتيل القرآن، بأبي قتيل المواعظ والأحزان.
فرآه رجل في منامه، فقال: ما صنعت؟
قال: عمتني بركة مجلس صالح، فدخلت في سعة رحمة الله التي وسعت كل شئ.
قال: وكنا في مجلس صالح المري؛ فأخذ في الدعاء، فمر رجل مخنث، فوقف يسمع الدعاء، ووافق صالحاً يقول: اللهم، اغفر لأقسانا قلباً، وأجمدنا عيناً، وأحدثنا بالذنوب عهداً.
فسمع المخنث، فمات؛ فرؤى في المنام، فقيل له: ما فعل الله بك.
قال: غفر الله لي.
قيل: بماذا؟
قال: بدعاء صالح المري؛ لم يكن في القوم أحد أحدث عهداً بالمعصية مني، فوافقت دعوته الإجابة، فغفر لي.
(6/ 165ـ167)
* عن الحسن بن حسان قال
كنا يوماً عند صالح المري، وهو يتكلم ويعظ؛
The substantive refinement of Hilyat al-Awliya', by Hafiz Abi Naim al-Asbhani - T - N Dar Taibah for Publishing and Distribution - · Chapter › Chapter · Hadith 4664
التهذيب الموضوعي لحلية الأولياء، للحافظ أبي نعيم الأصبهاني - ت - ن دار طيبة للنشر والتوزيع - · کتاب ‹ باب · حديث 4666
عجبت للخلائق، كيف ذهلوا عن أمر حق تراه عيونهم؟ وشهد عليه معاقد قلوبهم، إيمانا وتصديقا بما جاء به المرسلون؟ ثم هاهم في غفلة عنه، سكارى يلعبون.
ثم يقول: وأيم الله، ما تلك الغفلة: إلا رحمة من الله لهم، ونعمة من الله عليهم؛ ولولا ذلك: لألفى المؤمنون، طائشة عقولهم، طائرة أفئدتهم، محلقة قلوبهم، لا ينتفعون مع ذكر الموت بعيش أبداً، حتى يأتيهم الموت وهم على ذلك.
أكياس مجتهدون، قد تعجلوا إلى مليكهم، بالاشتياق إليه بما يرضيه عنهم قبل قدومهم عليه؛ فكأني والله أنظر إلى القوم، قد قدموا على ما قدموا: من القربة إلى الله تعالى مسرورين، والملائكة من حولهم، يقدمونهم على الله مستبشرين، يقولون: {سَلامٌ عَلَيْكُمُ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ} [النحل: 32].
(6/ 297)
* قال الربيع بن برة
عجبت للخلائق، كيف ذهلوا
The substantive refinement of Hilyat al-Awliya', by Hafiz Abi Naim al-Asbhani - T - N Dar Taibah for Publishing and Distribution - · Chapter › Chapter · Hadith 4666
التهذيب الموضوعي لحلية الأولياء، للحافظ أبي نعيم الأصبهاني - ت - ن دار طيبة للنشر والتوزيع - · کتاب ‹ باب · حديث 4746
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يقول الله عز وجل يوم القيامة: أين جيراني؟ فتقول الملائكة: ومن ينبغي أن يكون جارك؟ فيقول: عمار مسجدي».
(10/ 213)
* عن أبي سعيد الخدري - رضي الله عنه - قال
The substantive refinement of Hilyat al-Awliya', by Hafiz Abi Naim al-Asbhani - T - N Dar Taibah for Publishing and Distribution - · Chapter › Chapter · Hadith 4746
التهذيب الموضوعي لحلية الأولياء، للحافظ أبي نعيم الأصبهاني - ت - ن دار طيبة للنشر والتوزيع - · کتاب ‹ باب · حديث 4982
وصف لي رجل باليمن، قد برز على المخالفين، وسما على المجتهدين، وذكر لي باللب والحكمة، ووصف لي بالتواضع والرحمة؛ قال: فخرجت حاجاً، فلما قضيت نسكي، مضيت إليه، لأسمع من كلامه، وأنتفع بموعظته، أنا و ناس كانوا معي، يطلبون منه مثل ما أطلب، وكان معنا شاب عليه سيما الصالحين، ومنظر الخائفين؛ وكان مصفار الوجه من غير مرض، أعمش العينين من غير عمش، ناحل الجسم من غير سقم؛ يحب الخلوة، ويأنس بالوحدة؛ تراه أبداً كأنه قريب عهد بالمصيبة، أو قد فدحته نائبة، فخرج إلينا، فجلسنا إليه، فبدأ الشاب بالسلام عليه، وصافحه؛ فأبدى له الشيخ البشر والترحيب، فسلمنا عليه جميعاً، ثم بدأ الشاب بالكلام؛ فقال: إن الله تعالى بمنه وفضله، قد جعلك طبيباً لسقام القلوب، ومعالجاً لأوجاع الذنوب؛ وبي جرح قد فعل، وداء قد استكمل، فإن رأيت أن تتلطف لي ببعض مراحمك، وتعالجني برفقك؛ فقال له الشيخ: سل ما بدا لك يا فتى؟ فقال له الشاب: يرحمك الله، ما علامة الخوف من الله؟ فقال: أن يؤمنه خوفه من كل خوف غير خوفه؛ ثم قال: يرحمك الله، متى يتبين للعبد خوفه من ربه؟ قال: إذا أنزل نفسه من الله بمنزلة السقيم، فهو يحتمي من كل الطعام، مخافة السقام، ويصبر على مضض كل دواء، مخافة طول الضنا؛ فصاح الفتى صيحة، وقال: عافيت فأبلغت، وعالجت فشفيت، ثم بقي باهتاً ساعة، لا يحير جواباً، حتى ظننت في روحه قد خرجت من بدنه؛ ثم قال: يرحمك الله، ما علامة المحب لله؟ قال له: حبيبي، إن درجة الحب رفيعة؛ قال: فأنا أحب أن تصفها لي؛ قال: إن المحبين لله، شق لهم من قلوبهم، فأبصروا بنور القلوب إلى عز جلال الله، فصارت أبدانهم دنياوية، وأرواحهم حجبية، وعقولهم سماوية، تسرح بين صفوف الملائكة كالعيان، وتشاهد ملك الأمور باليقين؛ فعبدوه بمبلغ استطاعتهم، بحبهم له، لا طمعاً في جنة، ولا خوفاً من نار؛ قال: فشهق الفتى شهقة، وصاح صيحة، كانت فيها نفسه. قال: فانكب الشيخ عليه يلثمه، وهو يقول: هذا مصرع الخائفين، هذه درجة المجتهدين، هذا أمان المتقين.
(9/ 365 - 366)
* قال ذو النون
The substantive refinement of Hilyat al-Awliya', by Hafiz Abi Naim al-Asbhani - T - N Dar Taibah for Publishing and Distribution - · Chapter › Chapter · Hadith 4982
التهذيب الموضوعي لحلية الأولياء، للحافظ أبي نعيم الأصبهاني - ت - ن دار طيبة للنشر والتوزيع - · کتاب ‹ باب · حديث 4995
لو علم الناس لذة حب الله: لقلت مطاعمهم، ومشاربهم، وحرصهم، وذلك أن الملائكة: أحبوا الله، فاستغنوا بذكره عن غيره. وسمعت محمد بن الحسين يقول: قال عتبة الغلام: من عرف الله: أحبه، ومن أحب الله: أطاعه، ومن أطاع الله: أكرمه، ومن أكرمه: أسكنه في جواره، ومن أسكنه في جواره: فطوباه وطوباه؛ والمحب الصادق، إذا استنار قلبه بنور حب الوداد: نحل جسمه، لأن قليل المحبة يبين على صاحبها كثير النحول، فإذا وردت خطرات الشوق عليه، علم أنه من الله تعالى على خلال أربع: إما أن يتقبل طاعته، فيفوز بثوابها؛ وإما أن يشغله في الدنيا بطاعته عن الآثام، فتقل خطاياه؛ وإما أن يتداركه بنظره، فيلحقه بدرجة المحبين تفضلاً، وإن لم يستحق ذلك؛ فإن فاتته الثلاث، لم يفته الرابع إن شاء الله: ثواب النصب لله، وذلك: أن قليل القربة عند الكريم، يعتق بها الرقاب من النار؛ فمن نجا من النار، فماله منزلة غير الجنة؛ ألم تسمع إلى قوله تعالى: { فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ } [الشورى: 7]. فهل ترى لأحد منزلة بينهما؟ ومن أراد الدخول في عز المحبة: فعليه بمفارقة الأحباب، والخلوة برب الأرباب؛ فإن قيل: فمن أين قلت ذلك؟ فقد حدثني بعض العلماء.
(10/ 81ـ82)
* قال إبراهيم بن أدهم
The substantive refinement of Hilyat al-Awliya', by Hafiz Abi Naim al-Asbhani - T - N Dar Taibah for Publishing and Distribution - · Chapter › Chapter · Hadith 4995
التهذيب الموضوعي لحلية الأولياء، للحافظ أبي نعيم الأصبهاني - ت - ن دار طيبة للنشر والتوزيع - · کتاب ‹ باب · حديث 5005
وصف لي باليمن رجل، قد برز على المجتهدين، وذكر لي باللب والحكمة؛ فخرجت حاجاً إلى بيت الله، فلما قضيت نسكي، أتيته لأسمع من كلامهم، وأنتفع بموعظته؛ فأقمت على بابه أياماً، حتى ظفرت به؛ وكان أصفر اللون من غير مرض، أعمش العينين من غير عمش، ناحل الجسم من غير سقم؛ يحب الخلوة، ويأنس إلى الوحدة؛ تراه كأنه قريب عهد بمصيبة؛ قال: فخرج الشيخ ذات يوم إلى صلاة الجمعة، فاتبعناه بأجمعنا لنكلمه، فبادر إليه شاب، فسلم عليه، وصافحه، وأبدى له الترحيب والبشر؛ فقال له الشاب: إن الله بمنه وفضله جعلك ومثلك: أطباء لسقام القلوب، ومعالجين لأوجاع الذنوب، وبي جرح قد نغل، وداء قد استطال؛ فإن رأيت أن تتلطف ببعض مراهمك، وتعالجني برفقك؛ فقال له الشيخ: سل عما بدا لك.
قال: ما علامة الخوف من الله؟ قال: أن تؤمن نفسك من كل خوف، إلا الخوف من الله. فاضطرب الشاب كما تضطرب السمكة في شبكة الصياد، والشيخ قائم بإزائه.
ثم إن الشاب رجع، وأمر يده على وجهه، وقال: رحمك الله، متى يتبين للعبد خوفه من الله؟ قال: يا بني، إذا أنزل نفسه في الدنيا بمنزلة السقيم، وهو يحتمي من كل الطعام مخافة طول الأسقام؛ قال: فصاح الشاب صيحة، ثم قال: أوه، عاقبت فأوجعت؛ فقال الشيخ: بل داويت فأحسنت، وعالجت فرفقت.
فمكث الشاب ساعة، لا يحير جواباً؛ ثم إن الشاب أفاق، فأمر يده على وجهه؛ وقال له: رحمك الله، فما علامة المحب لله؟ قال: فانتفض الشيخ فزعاً، وجرت الدموع على وجهه كنظام اللؤلؤ؛ ثم قال: يا شاب، إن درجة الحب درجة سنية، بهية رفيعة.
قال: فأنا أحب أن تصفها لي؛ قال: إن المحبين لله: شق لهم عن قلوبهم، فأبصروا بنور القلوب عظمة الله جل جلاله، فصارت أبدانهم دنيوية، وقلوبهم سماوية، وأرواحهم حجبية، وعقولهم نورانية؛ تسرح بين صفوف الملائكة بالعيان، وتشاهد تلك الأمور بالتحقيق والبيان؛ فعبدوا الله بمبلغ استطاعتهم، لا لجنة ولا لنار.
قال: فصاح الشاب صيحة، خر مغشياً عليه؛ فحركناه، فإذا هو قد فارق الدنيا؛ فانكب الشيخ يقبل بين عينيه، ويبكي؛ ويقول: هذا مصرع الخائفين، وهذه درجة المجتهدين، وهذه منازل المتقين.
(10/ 180ـ181)
* قال ذو النون المصري
له الشاب:
The substantive refinement of Hilyat al-Awliya', by Hafiz Abi Naim al-Asbhani - T - N Dar Taibah for Publishing and Distribution - · Chapter › Chapter · Hadith 5005
التهذيب الموضوعي لحلية الأولياء، للحافظ أبي نعيم الأصبهاني - ت - ن دار طيبة للنشر والتوزيع - · کتاب ‹ باب · حديث 88
كان بشر يصلي يوماً، فأطال الصلاة، ورأى رجلاً ينظر إليه، ففطن له بشر؛ فقال للرجل: لا يعجبك ما رأيت مني، فإن إبليس قد عبد الله مع الملائكة كذا وكذا.
(4/ 359)
* عن سهل بن منصور قال
سهل بن منصور
The substantive refinement of Hilyat al-Awliya', by Hafiz Abi Naim al-Asbhani - T - N Dar Taibah for Publishing and Distribution - · Chapter › Chapter · Hadith 88
التهذيب الموضوعي لحلية الأولياء، للحافظ أبي نعيم الأصبهاني - ت - ن دار طيبة للنشر والتوزيع - · کتاب ‹ باب · حديث 167
لما حمل ذو النون بن إبراهيم إلى جعفر المتوكل، أنزله في بعض الدور، وأوصى به زرافة، وقال: أنا إذا رجعت غداً من ركوبي، فأخرج إلي هذا الرجل؛ فقال له زرافة: إن أمير المؤمنين قد أوصاني بك، فلما رجع من الغد من الركوب، قال له: أنظر بأن تستقبل أمير المؤمنين بالسلام؛ فلما أخرجه إليه، قال له: سلم على أمير المؤمنين؛ فقال ذو النون: ليس هكذا جاءنا الخبر، إنما جاءنا في الخبر: أن الراكب يسلم على الراجل؛ قال: فتبسم أمير المؤمنين، وبدأه بالسلام، فنزل إليه أمير المؤمنين، فقال له: أنت زاهد أهل مصر؟ قال: كذا يقولون؛ فقال له زرافة: فإن أمير المؤمنين يحب أن يسمع من كلام الزهاد؛ قال: فأطرق ملياً، ثم قال: يا أمير المؤمنين؛ إن الجهل علق بنكتة أهل الفهم، يا أمير المؤمنين: إن لله عباداً عبدوه بخالص من السر، فشرفهم بخالص من شكره، فهم الذين تمر صحفهم مع الملائكة فرغاً، حتى إذا صارت إليه ملأها، من سر ما أسروا إليه، أبدانهم دنياوية، وقلوبهم سماوية، قد احتوت قلوبهم من المعرفة، كأنهم يعبدونه مع الملائكة، بين تلك الفرج، وأطباق السماوات، لم يخبتوا في ربيع الباطل، ولم يرتعوا في مصيف الآثام، ونزهوا الله أن يراهم يثبون على حبائل مكره، هيبة منهم له، وإجلالا أن يراهم يبيعون أخلاقهم بشيء لا يدوم، وبلذة من العيش مزهودة؛ فأولئك الذين أجلسهم على كراسي أطباق أهل المعرفة، بالأدواء، والنظر في منابت الدواء؛ فجعل تلامذتهم أهل الورع والبصر، فقال لهم: إن أتاكم عليل من فقدي فداووه، أو مريض من تذكري فأدنوه، أو ناس لنعمتي فذكروه، أو مبارز لي بالمعاصي فنابذوه، أو محب لي فواصلوه؛ يا أوليائي: فلكم عاتبت، ولكم خاطبت، ومنكم الوفاء طلبت، لا أحب استخدام لجبارين، ولا تولي المتكبرين، ولا مصافاة المترفين؛ يا أوليائي وأحبابي: جزائي لكم أفضل الجزاء، وإعطائي لكم أفضل العطاء، وبذلي لكم أفضل البذل، وفضلي عليكم أوفر الفضل، ومعاملتي لكم أوفى المعاملة، ومطالبتي لكم أشد مطالبة، وأنا مقدس القلوب، وأنا علام الغيوب، وأنا عالم بمجال الفكر ووسواس الصدور؛ من أرادكم قصمته، ومن عاداكم أهلكته. ثم قال ذو النون: بحبك وردت قلوبهم على بحر محبته، فاغترفت منه ريا من الشراب، فشربت منه بمخاطر القلوب، فسهل عليها كل عارض عرض لها عند لقاء المحبوب، فواصلت الأعضاء المبادرة، وألفت الجوارح تلك الراحة، فهم رهائن أشغال الأعمال، قد اقتلعتهم الراحة بما كلفوا أخذه عن الانبساط بما لا يضركن تركه، قد سكنت لهم النفوس، ورضوا بالفقر والبوس، واطمأنت جوارحهم على الدؤوب على طاعة الله عز وجل بالحركات، وظعنت أنفسهم عن المطاعم والشهوات، فتوالهوا بالفكرة، واعتقدوا بالصبر، وأخذوا بالرضا، ولهوا عن الدنيا، وأقروا بالعبودية للملك الديان، ورضوا به دون كل قريب وحميم؛ فخشعوا لهيبته، وأقروا له بالتقصير، وأذعنوا له بالطاعة، ولم يبالوا بالقلة، إذا خلوا بأقل بكاء، وإذ عوملوا فإخوان حياء، وإذا كلموا فحكماء، وإذا سئلوا فعلماء، وإذا جهل عليهم فحلماء؛ فلو قد رأيتهم لقلت عذارى في الخدور، وقد تحركت لهم المحبة في الصدور، بحسن تلك الصور التي قد علاها النور؛ إذا كشفت عن القلوب، رأيت قلوباً لينة منكسرة، بالذكر نائرة، وبمحادثة المحبوب عامرة، لا يشغلون قلوبهم بغيره، ولا يميلون إلى ما دونه؛ قد ملأت محبة الله صدورهم، فليس يجدون لكلام المخلوعين شهوة، ولا بغير الأنيس ومحادثة الله لذة؛ إخوان صدق، وأصحاب حياء ووفاء، وتقى وورع، وإيمان ومعرفة ودين؛ قطعوا الأودية بغير مفاوز، واستقلوا الوفاء بالصبر على لزوم الحق، واستعانوا بالحق على الباطل؛ فأوضح لهم الحجة، ودلهم على المحجة، فرفضوا طريق المهالك، وسلكوا خير المسالك، ودلهم أولئك هم الأوتاد، الذين بهم توهب المواهب، وبهم تفتح الأبواب، وبهم ينشأ السحاب، وبهم يدفع العذاب، وبهم يتسقي العباد والبلاد؛ فرحمة الله علينا وعليهم.
(9/ 337 - 338)
* حدثني إبراهيم بن يحيى الزبدي، قال
له زرافة:
The substantive refinement of Hilyat al-Awliya', by Hafiz Abi Naim al-Asbhani - T - N Dar Taibah for Publishing and Distribution - · Chapter › Chapter · Hadith 167
عٍشرةُ النِّساءِ الإمامِ النسائيِّ - الطبعة الثالثة - ت علي بن نايف الشحود - ن · کتاب ‹ باب · حديث 76