620 - حَدثنَا ابْن حميد، قَالَ: حَدثنَا سَلمَة، قَالَ: حَدثنَا مُحَمَّد بن إِسْحَاق، عَن عبد الرَّحْمَن بن الْأسود، عَن أَبِيه، قَالَ: رَأَيْت ابْن مَسْعُود يُصَلِّي، فَإِذا مر بَين يَدَيْهِ الرجل الْتَزمهُ حَتَّى رده، ثمَّ قَالَ: " إِن مُرُور الرجل بَين يَدي الرجل، وَهُوَ يُصَلِّي يضع نصف صلَاته ". فَإِن قَالَ قَائِل: فَإِن كَانَ الْأَمر كَمَا وصفت من أَن الْمَعْنى الَّذِي من أَجله قيل: يقطع الصَّلَاة: الْمَرْأَة، وَالْحمار، وَالْكَلب الْأسود هُوَ: مَا يحدث مُرُور ذَلِك بَين يَدي من مر بِهِ من الْمُصَلِّين من الْأَسْبَاب الَّتِي وصفت: فقد يجب أَن يكون كل مَا أحدث للْمُصَلِّي ذَلِك قَاطعا صلَاته: رجلا كَانَ أَو امْرَأَة، حمارا كَانَ أَو بغلا، كَلْبا كَانَ ذَلِك أَو هرا؟ قيل: ذَلِك كَذَلِك إِذا صَار الْمُصَلِّي بِالْحَال الَّتِي لَا يدْرِي مَعهَا مَا عمل، وَخرج من صلَاته الَّتِي هِيَ فِيهَا بِقطعِهِ إِيَّاهَا بشغله عَامِدًا بِعَمَلِهِ فِيهَا مَا لَيْسَ من عمل الصَّلَاة. فَإِن قَالَ: فَمَا وَجه خُصُوص النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - إِذا مَا خص من هَذِه الْأَشْيَاء الثَّلَاثَة؟ قيل: إِنَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - قد بَين السَّبَب الَّذِي من أَجله خص ذَلِك، بِأَنَّهُ يقطع الصَّلَاة؛ إِذْ سُئِلَ عَن خُصُوصِيَّة الْكَلْب الْأسود من بَين سَائِر الْكلاب الَّتِي يُخَالف ألوانها ألوان السود؛ بِأَن قَالَ: " إِن الْكَلْب الْأسود شَيْطَان ". فَكَذَلِك الْمَعْنى فِي سَائِر مَا أخبر - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - أَنه يقطع الصَّلَاة، إِنَّمَا قطعه إِيَّاهَا بِمَعْنى السَّبَب الَّذِي بَينه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - فِي الْكَلْب، وَهُوَ أَنه شَيْطَان. فَإِن قَالَ: أَو شَيْطَان: الْمَرْأَة وَالْحمار؟ قيل: إِنَّه لم يعن بِهِ، أَنه من شياطين الْجِنّ، وَإِنَّمَا عَنى بِهِ فِي الْحمار أَنه: من شياطين الْبَهَائِم، وَكَذَلِكَ عَنى فِي الْمَرْأَة أَنَّهَا من شياطين الْإِنْس، وَقد قَالَ جلّ ثَنَاؤُهُ: {وَكَذَلِكَ جعلنَا لكل نَبِي عدوا شياطين الْإِنْس وَالْجِنّ} . فَجعل من الْإِنْس شياطين. وَالْعرب تسمي كل متمرد من كل شَيْء شَيْطَانا، فَذَلِك - إِن شَاءَ الله، وَجه خُصُوص النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - مَا خص من هَذِه الْأَشْيَاء بِأَنَّهَا تقطع الصَّلَاة. وَقد يتَوَجَّه ذَلِك إِلَى معنى آخر، وَهُوَ: أَن يكون معنى قَوْله فِي الْكَلْب الْأسود أَنه شَيْطَان؛ أَنه مثل الشَّيْطَان فِيمَا يحدث بمروره بَين يَدي الْمُصَلِّي لَهُ من الشّغل عَن صلَاته، فَيكون ذَلِك كَقَوْل الْعَرَب: عبد الله أَسد: يُرَاد بِهِ أَنه مثله فِي الْبَطْش والشدة، لَا أَنه هُوَ بِعَيْنِه! (" القَوْل فِي الْبَيَان عَمَّا فِي هَذِه الْأَخْبَار من الْغَرِيب ") فَمن ذَلِك: قَول أبي جُحَيْفَة: " ثمَّ دخل بِلَال، فَأخْرج العنزة ". والعنزة: قضيب فِي رَأسه حَدِيدَة كَهَيئَةِ سِنَان الرمْح، وَهِي الَّتِي تسميها الْعَامَّة العكازة. وَأما قَوْله: " فركزها " فَإِنَّهُ يَعْنِي بِهِ: فغرزها فِي الأَرْض، كَمَا قَالَ الفرزدق: (وصهب لحاهم راكزون رماحهم ... لَهُم درق تَحت العوالي مصفف) وَأما قَوْله: " والظعن تمر بَين أَيْديهم ". فَإِن الظعن: هِيَ النِّسَاء فِي الهوادج واحدتهن ظَعِينَة تجمع ظعنا، وظعنا، وظعائن، وأظعانا. وَمن الظعن - بتسكين الْعين - قَول لبيد بن ربيعَة العامري: (شاقتك ظعن الْحَيّ حِين تحملوا ... فتكنسوا قطنا تصر خيامها) وَمن الظعائن قَول الطرماح بن حَكِيم: (ظعائن يستحدثن فِي كل موطن ... رهينا وَلَا يحسن فك الرهائن) وَمن الظعائن قَول الْأَعْشَى: (وشاقتك أظعان لِزَيْنَب غدْوَة ... تحملن حَتَّى كَادَت الشَّمْس تغرب) وأحسب أَن الظعينة فعيلة من الظعن، وَهُوَ الشخوص. يُقَال للْقَوْم إِذا شخصوا من الْموضع الَّذِي يكونُونَ مقيمين بِهِ. قد ظعن الْقَوْم، فهم يظعنون ظعنا، وَمِنْه قَول الله - تَعَالَى ذكره - {يَوْم ظعنكم وَيَوْم إقامتكم} . وَمِنْه قَول عنترة بن شَدَّاد: (ظعن الَّذين فراقهم أتوقع ... وَجرى ببينهم الْغُرَاب الأبقع) وَأما قَول عبد الله بن مَسْعُود: " لَا يصلين أحدكُم وَبَينه وَبَين الْقبْلَة فجوة ": فَإِنَّهُ يَعْنِي بالفجوة: الفضاء الفسيح، وكل فسحة بَين شَيْئَيْنِ فارغة فَهُوَ فجوة. وَمِنْه قَول الله - عز وَجل -: {وهم فِي فجوة مِنْهُ} يَعْنِي فِي نَاحيَة فسيحة خَالِيَة. وَأما قَول عَليّ وَعُثْمَان " وادرأ مَا اسْتَطَعْت ": فَإِن مَعْنَاهُ: وادفع مَا اسْتَطَعْت من أَرَادَ أَن يمر بَين يَديك. يُقَال مِنْهُ: درأت عَن فلَان كَذَا، أدرأه عَنهُ دَرأ: إِذا دَفعه عَنهُ. وَمِنْه قَول الله - تَعَالَى ذكره -: " ويدرأ عَنْهَا الْعَذَاب ": يَعْنِي بِهِ: وَيدْفَع عَنْهَا الْعَذَاب. وَأما قَول ابْن عَبَّاس: " جِئْت رَاكِبًا على أتان، وَقد ناهزت الْحلم ". فَإِن معنى قَوْله: وَقد ناهزت الْحلم: دَنَوْت مِنْهُ وقاربته. وأصل النهز: التَّنَاوُل. وَمِنْه قيل للرجل يتَنَاوَل حَاجته عِنْد تمكنه مِنْهَا: انتهز فرصته. وَمِنْه قَول سُؤْر الذِّئْب: ناهزت سُؤْر الذِّئْب عَنهُ الذئبا. يَعْنِي: تناولته مِنْهُ وغلبته عَلَيْهِ. وَأما قَول النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -: " إِن الْكَلْب الْأسود البهيم شَيْطَان ". فَإِنَّهُ يَعْنِي بالبهيم: الَّذِي لَا يخالط لَونه شَيْء غير السوَاد. وكل شَيْء أسود لم يخالط لَونه غير السوَاد، فَهُوَ أسود بهيم. وَمن ذَلِك قَول الشَّاعِر فِي صفة ليل سَواد، لَا ضوء فِيهِ: (تطاول ليلك الجون البهيم ... فَمَا ينجاب عَن صبح صريم) وَأما قَول النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -: " فَجعل ينكه فِي وَجْهي كنكه القرد ": فَإِن النكه: هُوَ مَا يظْهر من بدن الْإِنْسَان من رَائِحَة الطَّعَام أَو الشَّرَاب من قبل فِيهِ كَهَيئَةِ الجشاء. وَمِنْه قَول عبد الله بن مَسْعُود حِين أُتِي بشارب، فَقَالَ: " استنكهوه، ومزمزوه ": يَعْنِي بقوله: استنكهوه: شموا نكهته ومروه، أَن ينكه. يُقَال مِنْهُ: نكه ينكه نكها. وَأما قَوْله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -: " فَوضعت يَدي فِي وذمته ": فَإِن أصل الوذمة: الشَّيْء الْمُعَلق بِغَيْرِهِ: كرشا كَانَ أَو كبدا أَو قِطْعَة لحم. وَإِنَّمَا قيل للكرش: وَذمَّة؛ لِأَنَّهَا معلقَة. وَكَذَلِكَ سيور الدَّلْو: يُقَال لَهَا: الوذم؛ لِأَنَّهَا معلقَة، وَهِي طوال مقدودة. وَأرى أَن رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - أَرَادَ بقوله: " فَوضعت يَدي فِي وذمته ": وضعت يَدي فِي أصل أُذُنه؛ وَذَلِكَ شحمة الْأذن. وسمى - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - ذَلِك وَذمَّة، لِأَنَّهُ مُعَلّق بِهِ.
تهذيب الآثار · Hadith 3706
Translated by Dr. Muhammad Muhsin Khan · Reviewed by Islamic University of Madinah · Published March 2020
