313 - حَدَّثَنَا بِهِ مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ الْهَمْدَانِيُّ، حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ سَعِيدٍ الْمُرِّيُّ، حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ عُمَارَةَ، عَنْ أَبِي رَوْقٍ، عَنِ الضَّحَّاكِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّهُ قَالَ: «لَمْ يَعِشْ مَسْخٌ قَطُّ فَوْقَ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ، وَلَمْ يَأْكُلْ، وَلَمْ يَشْرَبْ، وَلَمْ يَنْسِلْ» وَقَدْ خَلَقَ اللَّهُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ وَسَائِرَ الْخَلْقِ فِي السِّتَّةِ الْأَيَّامِ الَّتِي ذَكَرَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ فِي كِتَابِهِ، فَمَسَخَ هَؤُلَاءِ الْقَوْمَ - يَعْنِي الَّذِينَ مَسَخَهُمْ قِرَدَةً فِي صُورَةِ الْقِرَدَةِ - وَكَذَلِكَ يَفْعَلُ بِمَنْ شَاءَ كَيْفَ شَاءَ، وَيُحَوِّلُهُ كَيْفَ يَشَاءُ. فَمَا وَجْهُ قَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ هَذَا إِذًا، إنْ كَانَ الَّذِينَ مُسِخُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ جَائِزًا عِنْدَكَ [ص:195] أَنْ يَكُونُوا هُمْ هَذِهِ الضِّبَابَ الْيَوْمَ، أَوْ أَنْ يَكُونُوا كَانُوا مَوْجُودِينَ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَقَدْ مَرَّ عَلَيْهِمْ مِنَ الزَّمَانِ مَا مَرَّ، وَأَتَى عَلَيْهِمْ مِنَ الدُّهُورِ مَا أَتَى، وَهَذَا الْخَبَرُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ بِإنْكَارِهِ لِلْمَسْخِ عَيْشًا أَكْثَرَ مِنْ ثَلَاثٍ؟ وَإِنْ أَنْتَ قُلْتَ بِتَصْحِيحِ الْقَوْلِ الَّذِي رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قِيلَ لَكَ: فَمَا وَجْهُ الْخَبَرِ الَّذِي رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الضِّبَابِ إِذًا، إِذْ سُئِلَ عَنْهَا فَقَالَ: «إِنَّ أُمَّةً مُسِخَتْ فَأَرْهَبُ أَنْ تَكُونَهُ» ، وَالْمُسُوخُ قَدْ هَلَكَتْ وَبَادَتْ قَبْلَ مَبْعَثِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وَالَّذِي قُدِّمَ إِلَيْهِ فَامْتَنَعَ مِنْ أَكْلِهِ مِنْهَا، وَالَّذِي سُئِلَ عَنْهُ مِنْهَا، لَا هُوَ الْمَسْخُ، وَلَا هُوَ مِنْ نَسْلِهَا، فَمَا وجُوهُ كَرَاهَتِهِ أَكْلَ ذَلِكَ حِذَارًا أَنْ يَكُونَ مِنَ الْأُمَّةِ الَّتِي مُسِخَتْ، وَهُوَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُخْبِرُ أَنَّ الْمَسْخَ لَا يُعْقِبُ، وَابْنُ عَبَّاسٍ يَذْكُرُ أَنَّهُ لَا يَعِيشُ أَكْثَرَ مِنْ ثَلَاثٍ؟ قِيلَ لَهُ: أَمَّا الْخَبَرُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ الَّذِي رُوِيَ بِمَا ذَكَرْتَ مِنْ أَنَّ الْمَسْخَ لَا يَعِيشُ أَكْثَرَ مِنْ ثَلَاثٍ، فَخَبَرٌ فِي سَنَدِهِ نَظَرٌ؛ لِعِلَّتَيْنِ: إِحْدَاهُمَا: أَنَّ الضَّحَّاكَ لَمْ يَسْمَعْهُ مِنِ ابْنِ عَبَّاسٍ. وَالثَّانِيَةُ: أَنَّ بِشْرَ بْنَ عُمَارَةَ لَيْسَ مِمَّنْ يُعْتَمَدُ عَلَى رِوَايَتِهِ. وَلَوْ كَانَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ صَحِيحًا؛ لَمْ يَكُنْ فِيهِ لِمَا رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خِلَافٌ، وَكَذَلِكَ أَنَّهُ لَيْسَ فِي الْخَبَرِ الَّذِي رُوِيَ عَنْهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الضَّبِّ الَّذِي قُدِّمَ إِلَيْهِ أَوْ سُئِلَ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: هُوَ مِنَ الْأُمَّةِ الَّتِي مُسِخَتْ بِأَعْيَانِهَا، وَإِنَّمَا رُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: «لَعَلَّ هَذَا مِنْهُمْ، وَأَرْهَبُ أَنْ تَكُونَهُ» . وَجَائِزٌ أَنْ يَكُونَ عَنَى بِقَوْلِهِ: «لَعَلَّ هَذَا مِنْهُمْ» : مِنْهُمْ فِي الصُّورَةِ وَالْخِلْقَةِ، وَلَعَلَّ هَذَا مِنْ نَوْعِهِمْ فِي الْمِثَالِ. «وَأَرْهَبُ أَنْ تَكُونَهُ» : بِمَعْنَى أَنْ تَكُونَ نَظِيرَهُ فِي الْمِثَالِ [ص:196] وَالشَّبَهِ، لَا أَنَّهَا هِيَ بِأَعْيَانِهَا. وَإِذَا احْتَمَلَ ذَلِكَ مَا قُلْنَا، كَانَتْ كَرَاهَتُهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَكْلَهَا لِمُشَابَهَتِهَا فِي الْخِلْقَةِ وَالصُّورَةِ خَلْقًا غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ فَغَيَّرَهُ عَنْ هَيْئَتِهِ وَصُورَتِهِ إِلَى صُورَتِهَا، وَكَذَلِكَ هِيَ عِنْدَنَا. وَإِذَا صَحَّ أَنَّ ذَلِكَ كَذَلِكَ؛ صَحَّتْ مَخَارِجُ مَعَانِي مَا ذَكَرْنَا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ أَنَّ الْمَسْخَ لَا يُعْقِبُ، وَقَوْلِهِ إِذْ سُئِلَ عَنِ الضَّبِّ: «إِنَّ أُمَّةً مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ مُسِخَتْ فَلَعَلَّ هَذَا مِنْهُمْ» ، وَمَخْرَجُ مَعْنَى قَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ: إِنَّ الْمَسْخَ لَا يَعِيشُ أَكْثَرَ مِنْ ثَلَاثٍ، وَذَلِكَ أنْ تَكُونَ الْأُمَّةُ الْمَمْسُوخَةُ هَلَكَتْ بَعْدَ ثَلَاثٍ وَلَمْ تُعْقِبْ وَلَمْ تَنْسِلْ، وَتَكُونَ كَرَاهَةُ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَكْلَ الضِّبَابِ إِذْ كَرِهَهُ؛ حِذَارًا أَنْ تَكُونَ مِنْ نَوْعِ مَا مَسَخَ اللَّهُ مِنَ الْأُمَّةِ الَّتِي مَسَخَ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ، إِذْ كَانَ لَمْ يَمْسَخْ تَعَالَى ذِكْرُهُ خَلْقًا مِنْ خَلْقِهِ عَلَى صُورَةِ دَابَّةٍ مِنَ الدَّوَابِّ، إِلَّا كَرَّهَ إِلَى أُمَّةِ نَبِيِّنَا صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَكْلَ لَحْمِ تِلْكَ الدَّابَّةِ الَّتِي مَسَخَ ذَلِكَ الْخَلْقَ عَلَى صُورَتِهِ أَوْ حَرَّمَهُ عَلَيْهِمْ. وَذَلِكَ كَتَحْرِيمِهِ عَلَيْهِمْ لُحُومَ الْخَنَازِيرِ الَّتِي مُسِخَتْ عَلَى صُورَتِهَا أُمَّةٌ مِنَ الْيَهُودِ، وَكَتَحْرِيمِهِ لُحُومَ الْقِرَدَةِ الَّتِي مُسِخَتْ عَلَى صُورَتِهَا مِنْهُمْ أُمَّةٌ أُخْرَى، وَتَكْرِيهِهِ ذَلِكَ إِلَيْهِمْ. فَإِنْ قَالَ: أَفَكَانَتْ عِنْدَهُ الضِّبَابُ مِنَ الْمُسُوخِ، وَسَبِيلُهَا سَبِيلُهَا؟ قِيلَ: إِنَّ فِي قَوْلِهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنَّ أُمَّةً مُسِخَتْ فَأَرْهَبُ أَنْ تَكُونَهُ» ، وَفِي قَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ: «فَلَعَلَّ هَذَا مِنْهُمْ» ، بَيَانًا وَاضِحًا أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهَا مِنْ نَوْعِ الْأُمَّةِ الَّتِي مُسِخَتْ - وَلِذَلِكَ لَمْ تُحَرَّمْ - وَأَنَّهُ لَوْ تَبَيَّنَ لَهُ مِنْهَا مَا تَبَيَّنَ مِنَ الْقِرَدَةِ وَالْخَنَازِيرِ لَحَرَّمَ أَكْلَهَا عَلَى آكِلِهَا، وَلَكِنَّهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ رَأَى خَلْقًا مُشْكِلًا، يُشْبِهُ خَلْقَ الْمُسُوخِ؛ فَكَرِهَ أَكْلَهَا لِذَلِكَ، وَلَمْ يُحَرِّمْهُ؛ إِذْ لَمْ يَكُنْ أَتَاهُ الْوَحْيُ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ بِأَنَّ ذَلِكَ كَذَلِكَ [ص:197]. وَفِي صِحَّةِ الْخَبَرِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالَّذِي ذَكَرْنَا مِنْ كَرَاهَتِهِ أَكْلَ لُحُومِ الضِّبَابِ، مَعَ إِذْنِهِ لِآكِلِيهَا فِي أَكْلِهَا، الدَّلِيلُ الْوَاضِحُ عَلَى أَنَّ مِنَ أُمُورِ الدِّينِ أُمُورًا، الْوَرَعُ فِي الْإِحْجَامِ عَنِ التَّقَدُّمِ عَلَيْهَا، وَالْفَضْلُ فِي الْكَفِّ وَالْإِمْسَاكِ عَنْهَا، وَإنْ كَانَ غَيْرَ مُحَرَّمٍ التَّقَدُّمُ عَلَيْهَا؛ وَذَلِكَ إِذَا الْتَبَسَتْ عَلَى الْمَرْءِ أَسْبَابُهَا، وَلَمْ يَتَّضِحْ لَهُ وَجْهُ صِحَّتِهَا وُضُوحًا بَيِّنًا، كَالَّذِي فَعَلَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي أَكْلِ لَحْمِ الضَّبِّ، فَلَمْ يَتَقَدَّمْ عَلَيْهِ؛ أَخْذًا مِنْهُ بِالِاحْتِيَاطِ لِنَفْسِهِ، وَاسْتِبْرَاءً مِنْهُ لِدِينِهِ؛ إِذْ خَافَ أَنْ يَكُونَ مِنْ نَوْعِ الْمُسُوخِ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ نَظَائِرَهَا عَلَيْهِ، وَلَمْ يَنْهَ آكِلَهُ عَنْ أَكْلِهِ؛ إِذْ لَمْ تَكُنْ وَضَحَتْ لَهُ صِحَّةُ أَمْرِهِ أَنَّهُ مِنْ نَوْعِ الْمُسُوخِ. وَكَذَلِكَ يَفْعَلُ الْمُتَمَسِّكُ مِنْ أُمَّتِهِ بِمِنْهَاجِهِ فِيمَا أَشْكَلَ عَلَيْهِ أَمْرُهُ؛ يُحْجِمُ عَنِ التَّقَدُّمِ عَلَيْهِ؛ أَخْذًا مِنْهُ بِالِاحْتِيَاطِ لِنَفْسِهِ، وَاسْتِبْرَاءً لِدِينِهِ، وَلَا يَذُمُّ الْمُتَقَدِّمَ عَلَيْهِ ذَمَّ مُؤَثِّمٍ، وَلَا يَلُومُهُ لَوْمَ مُعَنِّفٍ ذِكْرُ الْبَيَانِ عَمَّا فِي هَذِهِ الْأَخْبَارِ مِنَ الْغَرِيبِ فَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُ عُمَرَ رَحِمَهُ اللَّهُ فِي لَحْمِ الضَّبِّ: إِنَّمَا عَافَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. يَعْنِي بِقَوْلِهِ: عَافَهُ: كَرِهَهُ، يُقَالُ مِنْهُ: عَافَ فُلَانٌ هَذَا الشَّيْءَ فَهُوَ يَعَافُهُ عَيْفًا، وَعُيُوفًا، وَمِنْهُ قَوْلُ أَعْشَى بَنِي ثَعْلَبَةَ: [البحر الطويل] لَكَالثَّوْرِ يَوْمَ الْوِرْدِ يُضْرَبُ ظَهْرُهُ ... وَمَا ذَنْبُهُ أَنْ عَافَتِ الْمَاءَ مَشْرَبَا وَمَا ذَنْبُهُ أَنْ عَافَتِ الْمَاءَ بَاقِرٌ ... وَمَا إِنْ تَعَافُ الْمَاءَ إِلَّا لِيُضْرَبَا وَمِنْهُ قَوْلُ نَابِغَةِ بَنِي ذُبْيَانَ: [البحر الوافر] دَعَتْهُ نِيَّةٌ عَنَّا قَذُوفٌ ... وَعَافَ الْبِشْرَ فَانْتَجَعَ الْمِلَاحَا وَالْعِيَافَةُ غَيْرُ هَذَا الْمَعْنَى، وَهِيَ شَبِيهَةُ الْكِهَانَةِ وَزَجْرِ الطَّيْرِ وَالسَّوَانِحِ وَالْبَوَارِحِ، يُقَالُ مِنْهُ: عَافَ الْعَائِفُ، فَهُوَ يَعِيفُ عِيَافَةً، وَمِنْهُ أَيْضًا قَوْلُ أَعْشَى بَنِي ثَعْلَبَةَ: [البحر الرمل] مَا تَعِيفُ الْيَوْمَ فِي الطَّيْرِ الرَّوَحْ ... مِنْ غُرَابِ الْبَيْنِ أَوْ تَيْسٍ بَرَحْ وَأَمَّا قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ: فَجَاءَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعْدَمَا أَغْسَقَ، فَإِنَّهُ كَمَا قَالَ. مَعْنَاهُ: إِذَا أَظْلَمَ، يُقَالُ مِنْهُ: غَسَقَ اللَّيْلُ يَغْسِقُ غُسُوقًا، وَمِنْهُ قَوْلُ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ: أَخِّرُوا السَّحُورَ، وَعَجِّلُوا الْإِفْطَارَ، وَلَا تُفْطِرُوا حَتَّى تَرَوَا اللَّيْلَ يَغْسِقُ عَلَى الظِّرَابِ. وَمِنْهُ أَيْضًا قَوْلُ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ: {وَمِنْ شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ} [الفلق: 3] ، يَعْنِي بِذَلِكَ: مِنْ شَرِّ مُظْلِمٍ إِذَا هَجَمَ بِظَلَامِهِ وَأَمَّا قَوْلُ خَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ: فَوَجَدَ عِنْدَهُمْ ضَبًّا مَحْنُوذًا، فَإِنَّهُ يَعْنِي بِالْمَحْنُوذِ: الْمَشْوِيَّ، الَّذِي قَدْ أُنْضِجَ شَيًّا. وَقَدِ اخْتَلَفَ أَهْلُ الْمَعْرِفَةِ بِكَلَامِ الْعَرَبِ فِي مَعْنَى ذَلِكَ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: مَعْنَى الْمَحْنُوذِ: الْمَشْوِيُّ، وَقَالَ: يُقَالُ مِنْهُ: حَنَذْتُ فَرَسِي: بِمَعْنَى سَخَّنْتُهُ وَعَرَّقْتُهُ، وَاسْتَشْهَدَ لِقَوْلِهِ ذَلِكَ بِبَيْتِ الْعَجَّاجِ: [البحر الرجز] وَفَرَغَا مِنْ رَعْيِ مَا تَلَزَّجَا ... وَرَهِبَا مِنْ حَنْذِهِ أَنْ يَهْرَجَا وَقَالَ الْآخَرُونَ مِنْهُمُ: الْحَنْذُ: التَّعْرِيقُ. وَقَالَ آخَرُونَ مِنْهُمْ: كُلُّ شَيْءٍ شُوِيَ فِي الْأَرْضِ إِذَا خُدَّتْ لَهُ فِيهَا فَدُفِنَ فِيهَا وَغُمِّمَ فَهُوَ الْمَحْنُوذُ، وَقَالَ: تَحْنِيذُ الْخَيْلِ: إِلْقَاءُ الْجِلَالِ بَعْضِهَا عَلَى بَعْضٍ عَلَيْهَا لِتَعْرَقَ، وَذَكَرَ عَنِ الْعَرَبِ أَنَّهَا تَقُولُ: إِذَا سَقَيْتَهُ فَأَحْنِذْ: يَعْنِي اخْفِسْ، يُرَادُ بِهِ: أَقِلَّ الْمَاءَ وَأَكْثَرِ النَّبِيذَ. وَهَذِهِ أَقْوَالٌ - وَإِنِ اخْتَلَفَتْ أَلْفَاظُ قَائِلِيهَا - مُتَقَارِبَاتُ الْمَعَانِي، وَالْحَنْذُ: هُوَ مَا وَصَفْتُ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ، أَعْنِي فِي قَوْلِ خَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ : فَوَجَدَ عِنْدَهَا ضَبًّا مَحْنُوذًا، وَمِنْهُ قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى ذِكْرُهُ: {فَمَا لَبِثَ أَنْ جَاءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ} [هود: 69] ، يُعْنَى بِهِ: بِعِجْلٍ نَضِيجٍ، قَدْ أُنْضِجَ شَيًّا. وَأَمَّا قَوْلُ عُمَرَ: اللَّهُمَّ اجْعَلْ رِزْقَهُمْ فِي بُطُونِ التِّلَاعِ وَرُءُوسِ الْآكَامِ، فَإِنَّ التِّلَاعَ: جَمْعُ تَلْعَةٍ، وَهِيَ مَجَارِيَ الْمِيَاهِ مِنَ الْأَمَاكِنِ الْمُرْتَفِعَةِ إِلَى بُطُونِ الْأَوْدِيَةِ مِمَّا انْخَفَضَ مِنْهَا، وَإِيَّاهَا عَنَى ذُو الرُّمَّةِ بِقَوْلِهِ: [البحر الطويل] دَهَاسٍ سَقَاهَا الدَّلْوُ حَتَّى تَنَطَّقَتْ ... بِنَوْرِ الْخُزَامَى فِي التِّلَاعِ الْجَوَائِفِ وَكَذَلِكَ أَبُو النَّجْمِ بِقَوْلِهِ: [البحر الرجز] كَأَنَّ رِيحَ الْمِسْكِ وَالْقَرَنْفُلِ ... نَبَاتُهُ بَيْنَ التِّلَاعِ السُّيَّلِ وَأَمَّا الْآكَامُ: فَإِنَّهَا جَمْعُ أَكَمَةٍ، يُقَالُ لِوَاحِدَتِهَا أَكَمَةٌ، ثُمَّ تُجْمَعُ: أَكَمٌ، وَأُكْمٌ، وَأُكُمٌ، وَآكَامٌ، وَهُوَ الْمَكَانُ الْمُرْتَفِعُ عَلَى مَا حَوْلَهُ مِنَ الْأَرْضِ، لَا يَبْلُغُ أَنْ يَكُونَ جَبَلًا. وَمِنَ الْأَكَمِ قَوْلُ رُؤْبَةَ بْنِ الْعَجَّاجِ: [البحر الرجز] بَلْ بَلَدٍ مِلْءِ الْفِجَاجِ قَتَمُهْ , لَا يُشْتَرَى كَتَّانُهُ وَجَهْرَمُهْ , يُجْتَابُ ضَحْضَاحَ السَّرَابُ أَكَمُهْ وَمِنَ الْأُكْمِ بِسُكُونِ الْكَافِ قَوْلُ أَبِي النَّجْمِ: كَأَنَّ فَوْقَ الْأُكْمِ مِنْ غُثَائِهِ ... قَطَائِفَ الشَّأْمِ عَلَى عَبَائِهِ وَأَمَّا قَوْلُ عُمَرَ لِلْأَعْرَابِ الَّذِينَ أَتَوْهُ: أَمَا تَأْكُلُونَ الْهَبِيدَ، فَإِنَّ الْهَبِيدَ هُوَ الْحَنْظَلُ، يُؤْخَذُ فَيُنْقَعُ أَيَّامًا سَبْعَةً، ثُمَّ يُقْشَرُ مِنْ قِشْرِهِ الْأَعْلَى، ثُمَّ يُطْحَنُ فَيُخْرَجُ مِنْهُ دَسَمٌ، وَتُتَّخَذُ مِنْهُ عَصِيدَةٌ. وَقَدْ حُدِّثْتُ عَنْ أَبِي عَمْرٍو الشَّيْبَانِيِّ أَنَّهُ قَالَ: إِنَّ الْهَبِيدَ إِذَا قُشِرَ صَارَ كَهَيْئَةِ النَّشَا، وَزَعَمَ أَنَّهُ قَدْ أَكْلَ مِنْهُ، وَإِيَّاهُ عَنَى الطِّرِمَّاحَ بِقَوْلِهِ: [البحر الطويل] يُمْسِي بِعَقْوَتِهَا الْهِجَفُّ كَأَنَّهُ ... حَبَشِيُّ حَازِقَةٍ غَدَا يِتَهَبَّدُ يَعْنِي بِقَوْلِهِ يَتَهَبَّدُ: يَطْلُبُ الْحَنْظَلَ لَيَعْمَلَ بِهِ مَا وَصَفْتُ وَأَمَّا قَوْلُ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ: لَأَنْ يُهْدَى إِلَى أَحَدِنَا الضَّبَّةُ الْمَكُونَةُ أَحَبُّ إِلَيْهِ مِنْ أَنْ تُهْدَى لَهُ الدَّجَاجَةُ السَّمِينَةُ، فَإِنَّهُ يَعْنِي بِالضَّبَّةِ الْمَكُونَةِ: الَّتِي قَدْ جَمَعْتِ الْبَيْضَ فِي بَطْنِهَا، يُقَالُ مِنْ ذَلِكَ: قَدْ مَكِنَتِ الضَّبَّةُ، وَأَمْكَنَتْ، وَهِيَ ضَبَّةٌ مَكُونٌ. وَأَمَّا الْخَبَرُ الَّذِي رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: «أَقِرُّوا الطَّيْرَ فِي مَكِنَاتِهَا» ، وَرَوَى بَعْضُهُمْ: مُكُنَاتِهَا، فَإِنَّ بَعْضَهُمْ كَانَ يُوَجِّهُهُ إِلَى هَذَا الْمَعْنَى، وَإِلَى أَنَّ ذَلِكَ مِنَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمْرٌ بِإِقْرَارِ الطَّيْرِ عَلَى بَيْضِهَا حَتَّى تُفْرِخَ، وَيَزْعُمُ أَنَّ الْمَكِنَاتِ جَمْعُ مَكِنَةٍ، وَأَنَّهَا بَيْضُ الطَّائِرِ، وَيَزْعُمُ أَنَّ ذَلِكَ قِيلَ عَلَى وَجْهِ الِاسْتِعَارَةِ، وَإنْ كَانَ الْمَكِنَاتُ لَا تُعْرَفُ إِلَّا لِلضِّبَابِ، كَمَا قِيلَ: مَشَافِرُ الْحَبَشِ، وَإِنَّمَا الْمَشَافِرُ لِلْإِبِلِ، كَمَا قَالَ الشَّاعِرُ فِي صِفَةِ الْأَسَدِ: [البحر الطويل] لَهُ لِبَدٌ أَظْفَارُهُ لَمْ تُقَلَّمِ وَلَا أَظْفَارَ لِلْأَسَدِ، وَإِنَّمَا لَهُ مَخَالِبُ. وَقَدْ أَنْكَرَ ذَلِكَ مِنْ قَوْلِهِ آخَرُونَ، وَقَالُوا: بَلْ مَعْنَى ذَلِكَ: أَقِرُّوا الطَّيْرَ عَلَى أَمْكِنَتِهَا، وَامْضُوا لِأُمُورِكَمْ، فَإِنَّ الْأَمْرَ بِيَدِ اللَّهِ تَعَالَى. قَالُوا: وَإِنَّمَا قَالَ ذَلِكَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، لِأَنَّهُمْ كَانُوا فِي الْجَاهِلِيَّةِ إِذَا أَرَادَ أَحَدُهُمْ سَفَرًا أَوْ غَزْوًا أَوْ أَمْرًا مِنَ الْأُمُورِ ، أَثَارَ الطَّيْرَ مِنْ أَوْكَارِهَا؛ لِيَنْظُرَ أَيَّ وَجْهٍ تَسْلُكُ، وَإِلَى أَيِّ نَاحِيَةٍ تَطِيرُ، فَإِنْ طَارَتْ ذَاتَ الْيَمِينِ خَرَجَ لِسَفَرِهِ وَمَضَى لِأَمْرِهِ، وَإِنْ أَخَذَتْ ذَاتَ الشِّمَالِ؛ رَجَعَ وَلَمْ يَمْضِ؛ فَأَمَرَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يُقِرُّوهَا فِي أَمَاكِنِهَا، وَأَبْطَلَ ذَلِكَ مِنْ فِعْلِهِمْ، كَمَا أَبْطَلَ الِاسْتِقْسَامَ بِالْأَزْلَامِ. وَقَالَ الْآخَرُونَ: بَلْ هَذَا تَصْحِيفٌ مِنَ الرُّوَاةِ، وَخَطَأٌ مِنْهُمْ، وَلَا نَعْرِفُ الْمَكِنَاتِ إِلَّا اسْمًا لِبَيْضِ الضِّبَابِ دُونَ غَيْرِهَا. قَالُوا: وَنَرَى أَنَّ رَاوِيَ ذَلِكَ سَمِعَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «أَقِرُّوا الطَّيْرَ فِي وُكُنَاتِهَا» ، بِالْوَاوِ. وَقَالُوا: وَوُكُنَاتُ الطَّيْرِ: مَوَاضِعُ عُشِّهَا، وَحَيْثُ تَسْقُطُ عَلَيْهِ مِنَ الشَّجَرِ وَتَأْوِي إِلَيْهِ. وَاسْتَشْهَدُوا لِقَوْلِهِمْ ذَلِكَ بِبَيْتِ امْرِئِ الْقَيْسِ بْنِ حُجْرٍ: [البحر الطويل] وَقَدْ أَغْتَدِي وَالطَّيْرُ فِي أُكُنَاتِهَا ... بِمُنْجَرِدٍ قَيْدِ الْأَوَابِدِ هَيْكَلِ وَالصَّوَابُ مِنَ الْقَوْلِ عِنْدِي فِي ذَلِكَ غَيْرُ مَا قَالَ هَؤُلَاءِ. وَذَلِكَ أَنَّا إِنْ وَجَّهْنَا ذَلِكَ إِلَى مَا قَالَهُ مَنْ زَعَمَ أَنَّ مَعْنَى مَكِنَاتِهَا أَمْكِنَتُهَا؛ خَرَجْنَا عَنِ الْمَعْرُوفِ مِنْ كَلَامِ الْعَرَبِ؛ وَذَلِكَ أَنَّا لَا نَعْلَمُ فِي كَلَامِهِمْ أَنَّهُ يُقَالُ لِلْأَمْكِنَةِ: مَكِنَةٌ. وَإِنْ وَجَّهْنَاهُ إِلَى مَا قَالَهُ مَنْ زَعَمَ أَنَّهُ عَنَى بِالْمَكِنَاتِ بَيْضَهَا؛ دَخَلْنَا أَيْضًا فِي نَحْوِ الَّذِي أَنْكَرْنَا مِنَ الْخُرُوجِ عَنِ الْمَعْرُوفِ مِنْ كَلَامِ الْعَرَبِ، وَذَلِكَ أَنَّهُ لَا تُعْرَفُ الْمَكِنَاتُ إِلَّا لِلضِّبَابِ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ، فَأَمَّا الطَّيْرُ فَلَمْ يُسْمَعْ بِالْمَكِنَاتِ وَإِنْ قُلْنَا مَا قَالَهُ الَّذِينَ نَسَبُوا رُوَاةَ الْخَبَرِ إِلَى الْخَطَأِ فِيمَا نَقَلُوهُ؛ كُنَّا قَدْ تَقَدَّمْنَا عَلَى مَا لَا يَقِينَ عِنْدَنَا بِهِ. وَلَكِنَّ الْقَوْلَ فِي ذَلِكَ عِنْدِي أَنَّ الرِّوَايَةَ يَنْبَغِي أَنْ تَكُونَ: «أَقِرُّوا الطَّيْرَ عَلَى مَكَنَاتِهَا» بِفَتْحِ الْمِيمِ وَالْكَافِ، فَتَكُونُ الْمَكَنَاتُ حِينَئِذٍ جَمْعُ مَكْنَةٍ، وَالْمَكْنَةُ: اسْمٌ مِنَ التَّمَكُّنِ، فَعْلَةٌ مِنْهُ، مِنْ قَوْلِ الْقَائِلِ: مَكَنَ فُلَانٌ بِمَوْضِعِ كَذَا: بِمَعْنَى تَمَكَّنَ فِيهِ، فَهُوَ يَمْكُنُ فِيهِ مَكْنًا، وَمَكْنَةً، ثُمَّ تُجْمَعُ الْمَكْنَةُ مَكَنَاتٍ، كَمَا يُقَالُ: قَعَدَ فُلَانٌ قَعْدَةً وَقَعَدَاتٍ، وَجَلَسَ جَلْسَةً وَجَلَسَاتٍ، وَيَكُونُ مَعْنَى الْكَلَامِ حِينَئِذٍ: أَقِرُّوا الطَّيْرَ الَّتِي تَزْجُرُونَهَا فِي مَوَاضِعِهَا الْمُتَمَكِّنَةِ فِيهَا، الَّتِي هِيَ بِهَا مُسْتَقِرَّةٌ، وَامْضُوا لِأُمُورِكَمْ، فَإِنَّ زَجْرَكُمْ إِيَّاهَا غَيْرُ مُجْدٍ عَلَيْكُمْ نَفْعًا، وَلَا دَافِعٍ عَنْكُمْ ضَرًّا. وَأَمَّا قَوْلُ ثَابِتِ بْنِ وَدِيعَةَ: أَنَّ رَجُلًا مِنْ بَنِي فَزَارَةَ أَتَى النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِضِبَابٍ قَدِ احْتَرَشَهَا، أَوِ اخْتَرَشَهَا، فَإِنَّهُ إِنَّمَا هُوَ: قَدِ احْتَرَشَهَا، وَلَا مَعْنَى لِلشَّكِّ فِي ذَلِكَ، وَلَكِنَّ ابْنَ مَهْدِيٍّ لَعَلَّهُ أَنْ لَا يَكُونَ عَرَفَ مَعْنَى احْتِرَاشِ الضِّبَابِ، فَجَعَلَ الْخَبَرَ بِالشَّكِّ عَلَى مَا وَصَفْتُ. وَمَعْنَى احْتِرَاشِ الضِّبَابِ: تَحْرِيكُ طَالِبِ اصْطِيَادِهَا فِي جُحْرِهَا الَّذِي تَأْوِي إِلَيْهِ عُودًا، أَوْ وَتِدًا أَوْ غَيْرَ ذَلِكَ؛ لِيُخْرِجَ الضَّبُّ ذَنَبَهُ؛ ظَنًّا مِنْهُ أَنَّ الْحَرَكَةَ الَّتِي أَحَسَّهَا فِي جُحْرِهِ حَرَكَةُ حَيَّةٍ أَوْ أَفْعَى؛ وَذَلِكَ أَنَّ الْحَيَّةَ أَوِ الْأَفْعَى رُبَّمَا دَخَلَتْ عَلَيْهِ جُحْرَهُ، فَإِذَا سَمِعَ الضَّبُّ حِسَّ دُخُولِهِ، أَخْرَجَ ذَنَبَهُ فَضَرَبَهَا بِهِ، فَقَطَعَهَا ثِنْتَيْنِ، فَإِذَا حَرَّكَ طَالِبُ اصْطِيَادِهِ وَمُحْتَرِشُهُ فِي جُحْرِهِ مَا وَصَفْتُ، وَاحْتَرَشَ بِذَلِكَ الضَّبُّ؛ أَخْرَجَ ذَنَبَهُ وَهُوَ يَحْسِبُهُ حَيَّةً أَوْ أَفْعَى؛ لِيَضْرِبَهَا بِهِ، فَإِذَا أَخْرَجَ ذَنَبَهُ قَبَضَ عَلَيْهِ الْمُحْتَرِشُ فَأَخْرَجَهُ مِنْ جُحْرِهِ. وَهَذَا الْمَعْنَى أَمَّ جَرِيرُ بْنُ عَطِيَّةَ فِي قَوْلِهِ: [البحر الوافر] فَيَا عَجَبًا، أَتُوعِدُنِي نُمَيْرٌ ... بِرَاعِي الْإِبْلِ يَحْتَرِشُ الضِّبَابَا وَأَمَّا قَوْلُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ حَسَنَةَ: فَنَزَلْنَا أَرْضًا كَثِيرَةَ الضِّبَابِ وَنَحْنُ مُرْمِلُونَ، فَإِنَّهُ عَنَى بِقَوْلِهِ: وَنَحْنُ مُرْمِلُونَ: وَنَحْنُ مُقْوُونَ، قَدْ نَفِدَتْ أَزْوَادُنَا فَلَا زَادَ مَعَنَا. يُقَالُ: قَدْ أَرْمَلَ الْقَوْمُ وَأَقْوَوْا وَأَنْفَضُوا: إِذَا نَفِدَتْ أَزْوَادُهُمْ. وَمِنْهُ قَوْلُ كَعْبِ بْنِ زُهَيْرِ بْنِ أَبِي سُلْمَى: [البحر الطويل] إِذَا حَضَرَانِي قُلْتُ لَوْ تَعْلَمَانِهِ ... أَلَمْ تَعْلَمَا أَنِّي مِنَ الزَّادِ مُرْمِلُ وَأَمَّا قَوْلُهُ: فَأَمَرَنَا فَأَكْفَأْنَاهَا، فَقَدْ بَيَّنْتُ فِيمَا مَضَى قَبْلُ أَنَّ الصَّوَابَ فِيهِ: فَكَفَأْنَاهَا، وَذَلِكَ الْمَعْرُوفُ مِنْ كَلَامِ الْعَرَبِ الْفَصِيحِ، مِنْهُ: كَفَأْتُ الْإِنَاءَ: وَذَلِكَ إِذَا قَلَبْتَهُ وَأَرَقْتَ مَا فِيهِ. وَلَكِنَّا نُؤَدِّي الْخَبَرَ عَلَى مَا سَمِعْنَاهُ مِنْ أَلْفَاظِ الرُّوَاةِ فِي أَكْثَرِ رِوَايَاتِنَا، مَا لَمْ يُحِلِ الْمَعْنَى.
تهذيب الآثار · Hadith 2028
Translated by Dr. Muhammad Muhsin Khan · Reviewed by Islamic University of Madinah · Published March 2020
