349 - وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: «إِنْ وَضَعَ السَّاجِدُ أَنْفَهُ بِالْأَرْضِ وَلَمْ يَضَعْ جَبْهَتَهُ، أَوْ وَضَعَ جَبْهَتَهُ وَلَمْ يَضَعْ أَنْفَهُ أَجْزَأَهُ» الْقَوْلُ فِي الْبَيَانِ عَمَّا فِي هَذِهِ الْأَخْبَارِ مِنَ الْغَرِيبِ فَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَسْجُدُ فِي طِينٍ، فَرُئِيَ أَثَرُ جَبِينِهِ وَأَرْنَبَتِهِ فِي الطِّينِ. «وَالْأَرْنَبَةُ» طَرَفُ الْأَنْفِ، وَمِنْهُ قَوْلُ ذِي الرُّمَّةِ: [البحر البسيط] تَثْنِي الْخِمَارَ عَلَى عِرْنِينِ أَرْنَبَةٍ ... شَمَّاءَ مَارِنُهَا بِالْمِسْكِ مَرْثُومُ وَهِيَ الرَّوْثَةُ أَيْضًا، وَهِيَ الْخِثْرِمَةُ، وَمِنَ الرَّوْثَةِ قَوْلُ أَبِي كَبِيرٍ الْهُذَلِيِّ: [البحر الكامل] حَتَّى انْتَهَيْتُ إِلَى فِرَاشِ عَزِيزَةٍ ... سَوْدَاءُ رَوْثَةُ أَنْفِهَا كَالْمِخْصَفِ وَأَمَّا قَوْلُهُ فِي الْخَبَرِ الْآخَرِ: فَرُئِيَ أَثَرُ جَبِينِهِ وَتَرْقُوَتِهِ فِي الْمَاءِ وَالطِّينِ " فَإِنَّ الْجَبِينَ مَا عَنْ يَمِينِ الْجَبْهَةِ وَشِمَالِهَا مِنْ عَظْمِ الرَّأْسِ، وَالْجَبْهَةُ بَيْنَهُمَا، وَأَمَّا قَوْلُ ابْنِ عُمَرَ لِلرَّجُلِ الَّذِي رَآهُ قَدْ أَثَّرَ السُّجُودُ بِأَنْفِهِ: لَا تَعْلُبْ صُورَتَكَ، فَإِنَّهُ يَعْنِي بِقَوْلِهِ: لَا تَعْلُبْ صُورَتَكَ: لَا تُؤَثِّرْ فِيهِ أَثَرًا فَتُقَبِّحُهُ بِذَلِكَ، وَأَصْلُ الْعَلْبِ: الْأَثَرُ، يُقَالُ مِنْهُ: عَلَبْتُ الشَّيْءَ إِذَا أَثَّرْتُ فِيهِ، فَأَنَا أَعْلُبُهُ عَلْبًا وَعُلُوبًا، وَمِنْهُ قَوْلُ عَدِيِّ بْنِ الرِّقَاعِ: [البحر الكامل] يَتْبَعْنَ نَاجِيَةً كَأَنَّ بِدَفِّهَا ... مِنْ غَرْضِ نَسْعَتِهَا عُلُوبَ مَوَاسِمِ وَأَمَّا قَوْلُ أَبِي مِجْلَزٍ: «رَأَى عُمَرُ رَجُلًا سَاجِدًا قَدْ شَالَتْ قَدَمَاهُ» ، فَإِنَّهُ يَعْنِي بِقَوْلِهِ: «قَدْ شَالَتْ قَدَمَاهُ» قَدِ ارْتَفَعَتَا عَنِ الْأَرْضِ، يُقَالُ مِنْهُ: شُلْتُ الْحَجَرَ عَنِ الْأَرْضِ إِذَا رَفَعْتُهُ عَنْهَا، وَشَالَ الشَّيْءُ: إِذَا ارْتَفَعَ، وَمِنْهُ قَوْلُ الْأَخْطَلِ فِي هِجَاءِ جَرِيرِ بْنِ عَطِيَّةَ: [البحر الكامل] وَإِذَا وَضَعْتَ أَبَاكَ فِي مِيزَانِهِمْ ... قَفَزَتْ حَدِيدَتُهُ إِلَيْكَ فَشَالَا يَعْنِي بِقَوْلِهِ فَشَالَ: ارْتَفَعَ، وَأَمَّا قَوْلُ أَبِي الشَّعْثَاءِ: رَأَى ابْنُ عُمَرَ رَجُلًا يَنْتَحِي فِي سُجُودِهِ فَإِنَّهُ يَعْنِي بِقَوْلِهِ: يَنْتَحِي: يَعْتَمِدُ، يُقَالُ مِنْهُ: انْتَحَيْتُ لَهُ بِكَذَا، إِذَا اعْتَمَدْتُهُ بِهِ وَقَصَدْتُهُ، وَهُوَ انْفَعَلْتُ مِنْ قَوْلِ الْقَائِلِ: نَحَوْتُهُ بِكَذَا، إِذَا قَصَدْتُ نَحْوَهُ بِهِ، كَمَا قَالَ الطِّرِمَّاحُ: [البحر الكامل] فَنَحَا لِأُولَاهَا بِطِعَنَةِ فَيْصَلٍ ... تَمْكُو فَرَائِصُهَا مِنَ الْإِنْهَارِ وَأَمَّا مِنَ الِانْتِحَاءِ، فَقَوْلُ أَبِي الْبِلَادِ الطُّهَوِيِّ: [البحر الوافر] فَصِدْتُ وَانْتَحَيْتُ لَهَا بِعَضْبٍ ... حُسَامٍ غَيْرِ مُؤْتَشَبٍ يَمَانِ وَأَمَّا قَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «وَلَا أَكْفِتُ شَعْرًا وَلَا ثَوْبًا، فَإِنَّهُ يَعْنِي بِقَوْلِهِ» لَا أَكْفِتُ ": لَا أَكُفُّ، يُقَالُ مِنْهُ: كَفَفْتُ الشَّيْءَ وَكَفَتُّهُ بِمَعْنًى وَاحِدٍ ذِكْرُ خَبَرٍ آخَرَ مِنْ أَخْبَارِ خَالِدٍ الْحَذَّاءِ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بَزِيعٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا خَالِدٌ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُسْأَلُ أَيَّامَ مِنًى، فَيَقُولُ: «لَا حَرَجَ» فَسَأَلَهُ رَجُلٌ فَقَالَ: حَلَقْتُ قَبْلَ أَنْ أَذْبَحَ؟ فَقَالَ: «لَا حَرَجَ» ، وَقَالَ رَجُلٌ: رَمَيْتُ بَعْدَ أَنْ أَمْسَيْتُ، قَالَ: «لَا حَرَجَ» حَدَّثَنَا ابْنُ وَكِيعٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْأَعْلَى، عَنْ خَالِدٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ سَائِلًا سَأَلَ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: رَمَيْتُ بَعْدَ مَا أَمْسَيْتُ؟ قَالَ: «لَا حَرَجَ» ، قَالَ: حَلَقْتُ قَبْلَ أَنْ أَنْحَرَ قَالَ: «لَا حَرَجَ» [ص:217] الْقَوْلُ فِي عِلَلِ هَذَا الْخَبَرِ: وَهَذَا خَبَرٌ عِنْدَنَا صَحِيحٌ سَنَدُهُ، لَا عِلَّةَ فِيهِ تُوَهِّنُهُ، وَلَا سَبَبَ يُضَعِّفُهُ، وَقَدْ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ عَلَى مَذْهَبِ الْآخَرِينَ سَقِيمًا غَيْرَ صَحِيحٍ لِعِلَلٍ: إِحْدَاهَا: أَنَّهُ خَبَرٌ قَدْ حَدَّثَ بِهِ عَنْ عِكْرِمَةَ أَيُّوبُ السَّخْتِيَانِيُّ فَأَرْسَلَهُ عَنْهُ، وَلَمْ يَجْعَلْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَحَدًا، وَإِنْ كَانَ بَعْضُ رُوَاتِهِ قَدْ وَصَلَهُ عَنْهُ، وَالثَّانِيَةُ: أَنَّهُ خَبَرٌ قَدْ حَدَّثَ بِهِ عَنْ خَالِدٍ الْحَذَّاءِ غَيْرُ مَنْ ذَكَرْتُ، فَأَرْسَلَهُ عَنْهُ عَنْ عِكْرِمَةَ، وَلَمْ يَجْعَلْ بَيْنَ عِكْرِمَةَ وَبَيْنَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ابْنَ عَبَّاسٍ، وَالثَّالِثَةُ: أَنَّهُ مِنْ نَقْلِ عِكْرِمَةَ، وَفِي نَقْلِهِ عِنْدَهُمْ نَظَرٌ؛ لِأَسْبَابٍ قَدْ بَيَّنَّاهَا قَبْلُ، وَالرَّابِعَةُ: أَنَّهُ مِنْ رِوَايَةِ خَالِدٍ عَنْ عِكْرِمَةَ، وَفِي رِوَايَةِ خَالِدٍ عِنْدَهُمْ مَا قَدْ تَقَدَّمَ بَيَانُهُ قَبْلُ
تهذيب الآثار · Hadith 809
Translated by Dr. Muhammad Muhsin Khan · Reviewed by Islamic University of Madinah · Published March 2020
