26- قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: حَدَّثَنَا الْأَشْجَعِيُّ, عَنْ مَالِكِ بْنِ مِغْول, عَنِ الشَّعْبِيِّ -فِي هَذِهِ الْآيَةِ- قَالَ: أَمَا إِنَّهُ كَانَ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ، وَلَكِنْ نَبَذُوا الْعَمَلَ به. ثم أحل لله لَنَا ذَبَائِحَهُمْ وَنِكَاحَ نِسَائِهِمْ فَحَكَمَ لَهُمْ بِحُكْمِ الْكِتَابِ إِذَا كَانُوا [بِهِ] مُقِرِّينَ، وَلَهُ مُنْتَحِلِينَ، فَهُمْ بِالْأَحْكَامِ وَالْأَسْمَاءِ فِي الْكِتَابِ دَاخِلُونَ، وَهُمْ لَهَا بِالْحَقَائِقِ مُفَارِقُونَ، فَهَذَا مَا فِي الْقُرْآنِ. وَأَمَّا السُّنَّةُ فَحَدِيثُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الَّذِي يُحَدِّثُ بِهِ رِفَاعَةُ1 فِي الْأَعْرَابِيِّ الذي صلى صلاة، فخففها فقال لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "ارْجِعْ فَصَلِّ فَإِنَّكَ لَمْ تُصَلِّ" حَتَّى فَعَلَهَا مِرَارًا كُلُّ ذَلِكَ يَقُولُ: "فَصَلِّ"1وَهُوَ قَدْ رَآهُ يُصَلِّيهَا، أَفَلَسْتَ تَرَى أَنَّهُ مُصَلٍّ بِالِاسْمِ، وَغَيْرُ مُصَلٍّ بِالْحَقِيقَةِ. وَكَذَلِكَ فِي الْمَرْأَةِ الْعَاصِيَةِ لِزَوْجِهَا، وَالْعَبْدِ الْآبِقِ، وَالْمُصَلِّي بِالْقَوْمِ الْكَارِهِينَ لَهُ2 إِنَّهَا غَيْرُ مَقْبُولَةٍ. وَمِنْهُ حَدِيثُ عَبْدِ اللَّهِ بن عمر في شارب الخمر أنه: لَا تُقْبَلُ لَهُ صَلَاةٌ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً"1. وَقَوْلُ عَلِيٍّ عَلَيْهِ السَّلَامُ، "لَا صَلَاةَ لِجَارِ الْمَسْجِدِ إِلَّا فِي الْمَسْجِدِ" 2. وَحَدِيثُ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فِي الْمُقَدِّمِ ثَقَلَهُ3 لَيْلَةَ النَّفْرِ أَنَّهُ: "لَا حَجَّ لَهُ", وَقَالَ حُذَيْفَةُ "مَنْ تَأَمَّلَ خَلقَ امرأةٍ مِنْ وَرَاءِ الثِّيَابِ وَهُوَ صَائِمٌ أبطل صومه"4. قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: فَهَذِهِ الْآثَارُ كُلُّهَا وَمَا كَانَ مُضَاهِيًا لَهَا فَهُوَ عِنْدِي عَلَى مَا فسرتُه لَكَ. وَكَذَلِكَ الْأَحَادِيثُ الَّتِي فِيهَا الْبَرَاءَةُ, فَهِيَ مِثْلُ قَوْلِهِ: "مَنْ فَعَلَ كَذَا وَكَذَا فَلَيْسَ مِنَّا". لَا نَرَى شَيْئًا مِنْهَا يَكُونُ مَعْنَاهُ التَّبَرُّؤُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَا مِنْ مِلَّتِهِ. إِنَّمَا مَذْهَبُهُ عِنْدَنَا أَنَّهُ لَيْسَ مِنَ الْمُطِيعِينَ لَنَا، وَلَا مِنَ الْمُقْتَدِينَ بِنَا، وَلَا مِنَ الْمُحَافِظِينَ عَلَى شَرَائِعِنَا وَهَذِهِ النُّعُوتُ وَمَا أَشْبَهَهَا1. وَقَدْ كَانَ سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ يَتَأَوَّلُ قَوْلَهُ: "لَيْسَ مِنَّا": لَيْسَ مِثْلَنَا، وَكَانَ يَرْوِيهِ عَنْ غَيْرِهِ أَيْضًا. فَهَذَا التَّأْوِيلُ وَإِنْ كَانَ الَّذِي قَالَهُ إِمَامٌ من أئمة العلم, فَإِنِّي لَا أَرَاهُ، مِنْ أَجْلِ أَنَّهُ إِذَا جَعَلَ مَن فَعَلَ ذَلِكَ لَيْسَ مِثْلَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، لَزِمَهُ أَنْ يَصِيرَ مَنْ يَفْعَلُهُ مِثْلَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَإِلَّا فَلَا فَرْقَ بَيْنَ الْفَاعِلَ وَالتَّارِكِ, وَلَيْسَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَدِيلٌ وَلَا مَثَلٌ مِنْ فَاعِلٍ ذَلِكَ وَلَا تَارِكِهِ. فَهَذَا مَا فِي نَفْيِ الْإِيمَانِ وَفِي الْبَرَاءَةِ مِنَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنَّمَا أَحَدُهُمَا مِنَ الْآخَرِ وَإِلَيْهِ يَؤُولُ. وَأَمَّا الْآثَارُ الْمَرْوِيَّاتُ1 بِذِكْرِ الْكُفْرِ وَالشِّرْكِ وَوُجُوبِهِمَا بِالْمَعَاصِي، فَإِنَّ مَعْنَاهَا عِنْدَنَا لَيْسَتْ تُثبت عَلَى أَهْلِهَا كُفْرًا وَلَا شِرْكًا يُزِيلَانِ الْإِيمَانَ عَنْ صَاحِبِهِ، إِنَّمَا وُجُوهُهَا: أَنَّهَا مِنَ الْأَخْلَاقِ وَالسُّنَنِ الَّتِي عَلَيْهَا الْكُفَّارُ وَالْمُشْرِكُونَ، وَقَدْ وَجَدْنَا لِهَذَيْنِ النَّوْعَيْنِ مِنَ الدَّلَائِلِ فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ نَحْوًا مِمَّا وَجَدْنَا في النوعين الأولين. فَمِنَ الشَّاهِدِ عَلَى الشِّرْكِ فِي التَّنْزِيلِ: قَوْلُ اللَّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى فِي آدَمَ وَحَوَّاءَ عِنْدَ كَلَامِ إِبْلِيسَ إِيَّاهُمَا: {هُوَ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا فَلَمَّا تَغَشَّاهَا حَمَلَتْ حَمْلاً خَفِيفًا فَمَرَّتْ بِه} إلى {جَعَلاَ لَهُ شُرَكَاء فِيمَا آتَاهُمَ} [الأعراف: 189و190] . وَإِنَّمَا هُوَ فِي التَّأْوِيلِ أَنَّ الشَّيْطَانَ قَالَ لَهُمَا: سَمِّيَا وَلَدَكُمَا عَبْدَ الْحَارِثِ1, فَهَلْ لِأَحَدٍ يعرف الله ودينه أن يُتَوَهَّمَ عَلَيْهِمَا الْإِشْرَاكَ بِاللَّهِ مَعَ النُّبُوَّةِ وَالْمَكَانِ مِنَ اللَّهِ، فَقَدْ سَمَّى فِعْلَهُمَا شِرْكًا، وَلَيْسَ هُوَ الشِّرْكُ بِاللَّهِ. وَأَمَّا الَّذِي فِي السُّنَّةِ، فَقَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "أَخْوَفُ مَا أَخَافُ عَلَى أُمَّتِي الشِّرْكُ الْأَصْغَرُ" 1 فَقَدْ فَسَّرَ لَكَ بِقَوْلِهِ "الْأَصْغَرُ" أَنَّ هَاهُنَا شِرْكًا سِوَى الَّذِي يَكُونُ بِهِ صَاحِبُهُ مُشْرِكًا بِاللَّهِ. وَمِنْهُ قَوْلُ عَبْدِ اللَّهِ "الرِّبَا بِضْعَةٌ وَسِتُّونَ بَابًا، وَالشِّرْكُ مِثْلُ ذَلِكَ"2. فَقَدْ أَخْبَرَكَ أَنَّ في الذنوب أنواعا كثيرة تسمى بهذا الِاسْمِ, وَهِيَ غَيْرُ الْإِشْرَاكِ الَّتِي يُتَّخَذُ لَهَا1 مع الله إله غَيْرَهُ، تَعَالَى اللَّهُ عَنْ ذَلِكَ عُلُوًّا كَبِيرًا، فَلَيْسَ لِهَذِهِ الْأَبْوَابِ عِنْدَنَا وُجُوهٌ إِلَّا أَنَّهَا2 أَخْلَاقُ الْمُشْرِكِينِ, وَتَسْمِيَتُهُمْ, وَسُنَنُهُمْ, وَأَلْفَاظُهُمْ, وَأَحْكَامُهُمْ, وَنَحْوُ ذَلِكَ مِنْ أُمُورِهِمْ. وَأَمَّا الْفُرْقَانُ الشَّاهِدُ عَلَيْهِ في التنزيل, فقول الله جل وعز: {وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُون} [المائدة:44] . وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: "لَيْسَ بِكُفْرٍ يَنْقُلُ عَنِ الْمِلَّةِ"3. وَقَالَ عَطَاءُ بْنُ أبي رباح: "كفر دون كفر". فَقَدْ تَبَيَّنَ لَنَا أَنَّهُ1 كَانَ لَيْسَ بِنَاقِلٍ عَنْ مِلَّةِ الْإِسْلَامِ أَنَّ الدِّينَ بَاقٍ عَلَى حَالِهِ, وَإِنْ خَالَطَهُ ذُنُوبٌ، فَلَا مَعْنَى لَهُ إِلَّا خِلَافُ الْكُفَّارِ وَسُنَّتِهِمْ، عَلَى مَا أَعْلَمْتُكَ مِنَ الشِّرْكِ سَوَاءً؛ لِأَنَّ مِنْ سُنَنِ الْكُفَّارِ الْحُكْمَ بِغَيْرِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ، أَلَا تَسْمَعُ قَوْلَهُ: {أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ} [المائدة:50] . تَأْوِيلُهُ عِنْدَ أَهْلِ التَّفْسِيرِ أَنَّ مَن حَكَمَ بِغَيْرِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَهُوَ عَلَى مِلَّةِ الْإِسْلَامِ كَانَ بِذَلِكَ الْحُكْمِ كَأَهْلِ الْجَاهِلِيَّةِ, إِنَّمَا هُوَ أَنَّ أَهْلَ الْجَاهِلِيَّةِ كَذَلِكَ كَانُوا يَحْكُمُونَ. وَهَكَذَا قَوْلُهُ: "ثَلَاثَةٌ مِنْ أَمْرِ الْجَاهِلِيَّةِ الطَّعْنُ فِي الْأَنْسَابِ والنياحة والأنواء"2. وَمِثْلُهُ الْحَدِيثُ الَّذِي يُرْوَى عَنْ جَرِيرٍ وَأَبِي الْبَخْتَرِيِّ الطَّائِيِّ: "ثَلَاثَةٌ مِنْ سُنَّةِ الْجَاهِلِيَّةِ: النِّيَاحَةُ, وَصَنْعَةُ الطَّعَامِ، وَأَنْ تَبِيتَ الْمَرْأَةُ فِي أَهْلِ الْمَيِّتِ مِنْ غَيْرِهِمْ"1. وَكَذَلِكَ الْحَدِيثُ: "آيَةُ الْمُنَافِقِ [ثَلَاثٌ] : إِذَا حدَّث كَذَبَ، وَإِذَا وَعَدَ أَخْلَفَ وَإِذَا ائْتُمِنَ خَانَ" 2. وَقَوْلُ عَبْدِ اللَّهِ "الْغِنَاءُ ينبت النفاق في القلب"3.لَيْسَ وُجُوهُ هَذِهِ الْآثَارِ كُلِّهَا مِنَ الذُّنُوبِ: أَنَّ رَاكِبَهَا يَكُونُ جَاهِلًا وَلَا كَافِرًا وَلَا مُنَافِقًا وَهُوَ مُؤْمِنٌ بِاللَّهِ وَمَا جَاءَ مِنْ عِنْدِهِ، ومؤدٍ لِفَرَائِضِهِ، وَلَكِنْ مَعْنَاهَا أَنَّهَا تَتَبَيَّنُ مِنْ أَفْعَالِ الْكُفَّارِ مُحَرَّمَةٌ مَنْهِيٌّ1 عَنْهَا فِي الْكِتَابِ وَفِي السُّنَّةِ لِيَتَحَامَاهَا الْمُسْلِمُونَ وَيَتَجَنَّبُوهَا فَلَا يَتَشَبَّهُوا بِشَيْءٍ مِنْ أَخْلَاقِهِمْ وَلَا شَرَائِعِهِمْ. وَلَقَدْ رُوي فِي بَعْضِ الْحَدِيثِ: "إِنَّ السَّوَادَ خِضَابُ الْكُفَّارِ" 2. فَهَلْ يَكُونُ لِأَحَدٍ أَنْ يَقُولَ إِنَّهُ يَكْفُرُ مِنْ أَجْلِ الْخِضَابِ؟! وَكَذَلِكَ حَدِيثُهُ فِي المرأة إذا استعطرت ثم مرت بِقَوْمٍ يُوجد ريحُها "أَنَّهَا زَانِيَةٌ"1 فَهَلْ يَكُونُ هَذَا عَلَى الزِّنَا الَّذِي تَجِبُ فِيهِ الْحُدُودُ؟ وَمِثْلُهُ قَوْلُهُ: "الْمُسْتَبَّانِ شَيْطَانَانِ يَتَهَاتَرَانِ وَيَتَكَاذَبَانِ" 2. أَفَيُتَّهَمُ عليه أنه أراد الشيطانين الذين هُمْ أَوْلَادُ إِبْلِيسَ؟! إِنَّمَا هَذَا كُلُّهُ عَلَى ما أعلمتك من الأفعال والأخلاق والسنن. وَكَذَلِكَ كُلُّ مَا كَانَ فِيهِ ذِكْرُ كُفْرٍ أَوْ شِرْكٍ لِأَهْلِ الْقِبْلَةِ فَهُوَ عِنْدَنَا عَلَى هَذَا، وَلَا يَجِبُ اسْمُ الْكُفْرِ وَالشِّرْكِ الَّذِي تَزُولُ بِهِ أَحْكَامُ الْإِسْلَامِ وَيُلْحَقُ صَاحِبُهُ بِرِدةٍ إلا بكلمة الْكُفْرِ خَاصَّةً دُونَ غَيْرِهَا وَبِذَلِكَ جَاءَتِ الْآثَارُ مُفَسَّرَةً.
كتاب الإيمان للقاسم بن سلام · Hadith 26
Translated by Dr. Muhammad Muhsin Khan · Reviewed by Islamic University of Madinah · Published March 2020
