8- قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ كَذَلِكَ حَدَّثَنَا حَجَّاجٌ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ. فَلَوْ كَانَ الإيمانُ كَامِلًا بِالْإِقْرَارِ، ورسولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِمَكَّةَ فِي أَوَّلِ النُّبُوَّةِ كَمَا يَقُولُ هَؤُلَاءِ مَا كَانَ لِلْكَمَالِ مَعْنًى، وَكَيْفَ يُكَمِّلُ شَيْئًا قَدِ اسْتَوْعَبَهُ وَأَتَى عَلَى آخِرِهِ؟! قَالَ [أَبُو] عُبَيْدٍ: فَإِنْ قَالَ لَكَ قائل: فما هذه الأجزاء الثلاثة وسبعون؟ قِيلَ لَهُ: لَمْ تُسَمَّ لَنَا مَجْمُوعَةً فَنُسَمِّيَهَا، غَيْرَ أَنَّ الْعِلْمَ يُحِيطُ أَنَّهَا مِنْ طَاعَةِ اللَّهِ وَتَقْوَاهُ، وَإِنْ لَمْ تُذْكَرْ لَنَا فِي حَدِيثٍ وَاحِدٍ، وَلَوْ تَفَقَّدْتَ الْآثَارَ لوجِدت مُتَفَرِّقَةً فِيهَا، أَلَا تَسْمَعُ قَوْلَهُ فِي إِمَاطَةِ الْأَذَى وَقَدْ جَعَلَهُ جُزْءًا مِنَ الْإِيمَانِ؟ وَكَذَلِكَ1 قَوْلُهُ فِي حَدِيثٍ آخَرَ: "الْحَيَاءُ شُعْبَةٌ مِنَ الْإِيمَانِ" 2, وَفِي الثَّالِثِ: " الْغَيْرَةُ مِنَ الْإِيمَانِ" 3, وَفِي الرَّابِعِ: "الْبَذَاذَةُ مِنَ الْإِيمَانِ" 4, وَفِي الْخَامِسِ: "حُسْنُ الْعَهْدِ من الإيمان" 5. فَكُلُّ هَذَا مِنْ فُروع الْإِيمَانِ. وَمِنْهُ حَدِيثُ عَمَّارٍ: "ثلاثٌ مِنَ الْإِيمَانِ: الْإِنْفَاقُ مِنَ الإقتارِ، والإنصافُ مِنْ نفسِك، وبذلُ السَّلَامِ عَلَى العالَم" 1. ثُمَّ الْأَحَادِيثُ الْمَعْرُوفَةُ عِنْدَ ذِكْرِ كَمَالِ الْإِيمَانِ حِينَ قَالَ: "أَيُّ الْخَلْقِ أَعْظَمُ إِيمَانًا؟ فَقِيلَ الْمَلَائِكَةُ، ثُمَّ قِيلَ نَحْنُ يَا رَسُولَ اللَّهِ، فقال بل قوم يأتون بعدكم" 2. فَذَكَرَ صِفَتَهُمْ. وَمِنْهُ أَيْضًا قَوْلُهُ: "إِنَّ أَكْمَلَ، أَوْ مِنْ أَكْمَلِ الْمُؤْمِنِينَ إِيمَانًا أَحْسَنُهُمْ خُلُقًا" 1. وَكَذَلِكَ2 قَوْلُهُ: "لَا يُؤْمِنُ الرَّجُلُ الْإِيمَانَ كُلَّهُ حَتَّى يَدَعَ الْكَذِبَ فِي الْمِزَاحِ، وَالْمِرَاءَ وَإِنْ كَانَ صَادِقًا" 3. وَقَدْ رُوِيَ مِثْلُهُ أَوْ نَحْوُهُ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ وَابْنِ عُمَرَ. ثُمَّ مِنْ أَوْضَحِ ذَلِكَ وَأَبْيَنِهِ حَدِيثُ النَّبِيِّ صَلَّى الله عليه وسلم في الشَّفَاعَةِ, حِينَ قَالَ: "فَيَخْرُجُ مِنَ النَّارِ مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ شَعِيرَةٍ مِنْ إِيمَانٍ، وبُرة مِنْ إِيمَانٍ, وَمِثْقَالُ ذَرَّةٍ" 1. وَإِلَّا صُولِبَ2. وَمِنْهُ حَدِيثُهُ فِي الْوَسْوَسَةِ حِينَ سُئِلَ عَنْهَا؟ فَقَالَ: "ذَلِكَ صَرِيحُ الْإِيمَانِ" 3. وَكَذَلِكَ حَدِيثُ عَلِيٍّ -عَلَيْهِ السَّلَامُ-: "إِنَّ الْإِيمَانَ يَبْدَأُ لُمْظَة4 فِي الْقَلْبِ, فَكُلَّمَا ازْدَادَ الْإِيمَانُ عِظَمًا ازْدَادَ ذَلِكَ الْبَيَاضُ عِظَمًا"5 فِي أَشْيَاءَ مِنْ هَذَا النَّحْوِ كثيرة يطول ذِكْرُهَا1 تَبَيَّنَ لَكَ التَّفَاضُلُ فِي الْإِيمَانِ بِالْقُلُوبِ والأعمال، وكلها يشد أَوْ أَكْثَرُهَا أَنَّ أَعْمَالَ الْبِرِّ مِنَ الْإِيمَانِ، فَكَيْفَ تُعَانَدُ هَذِهِ الْآثَارُ بِالْإِبْطَالِ وَالتَّكْذِيبِ؟! وَمِمَّا يُصَدِّقُ تَفَاضُلَهُ بِالْأَعْمَالِ قَوْلُ اللَّهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ ... } إِلَى قَوْلِهِ: {أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا} [الأنفال:2-3] 2. فَلَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لِلْإِيمَانِ حَقِيقَةً إِلَّا بِالْعَمَلِ على هذه الشروط، والذي يزعم أَنَّهُ بِالْقَوْلِ خَاصَّةً يَجْعَلُهُ مُؤْمِنًا حَقًّا وَإِنْ لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ عَمَلٌ فَهُوَ مُعَانِدٌ لِكِتَابِ الله والسنة. وَمِمَّا يُبَيِّنُ لَكَ تَفَاضُلَهُ فِي الْقَلْبِ قَوْلُهُ: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ} [الممتحنة:10] . أَلَسْتَ تَرَى أَنَّ هَاهُنَا مَنْزِلًا دُونَ مَنْزِلٍ: {اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِهِنَّ فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ} [الممتحنة:10] . كَذَلِكَ وَمِثْلُهُ قَوْلُهُ: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ آمِنُواْ بِاللهِ وَرَسُولِهِ} [النساء:136] . فلولا أن هناك موضع مزيداً، مَا كَانَ لَأَمْرِهِ بِالْإِيمَانِ مَعْنًى، ثُمَّ قَالَ أَيْضًا: {ألم، أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ، وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ} [العنكبوت:1-3] . وَقَالَ: {وَمِنَ النَّاسِ مَن يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ فَإِذَا أُوذِيَ فِي اللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ اللَّهِ} [العنكبوت:10] . وَقَالَ: {وَلِيُمَحِّصَ اللهُ الَّذِينَ آمَنُواْ وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ} [آل عمران:141] . أَفَلَسْتَ تَرَاهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى، قَدِ امْتَحَنَهُمْ بِتَصْدِيقِ الْقَوْلِ بِالْفِعْلِ، وَلَمْ يَرْضَ مِنْهُمْ بِالْإِقْرَارِ دُونَ الْعَمَلِ، حَتَّى جَعَلَ أَحَدَهُمَا مِنَ الْآخَرِ؟ فَأَيُّ شَيْءٍ يُتَّبَعُ بَعْدَ كِتَابِ اللَّهِ وَسُنَّةِ رَسُولِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمِنْهَاجِ السَّلَفِ بَعْدَهُ الَّذِينَ هُمْ مَوْضِعُ الْقُدْوَةِ وَالْإِمَامَةِ؟! فَالْأَمْرُ الَّذِي عَلَيْهِ السُّنَّةُ عِنْدَنَا مَا نَصَّ عَلَيْهِ عُلَمَاؤُنَا؟ مِمَّا اقْتَصَصْنَا فِي كِتَابِنَا1 هَذَا: أَنَّ الْإِيمَانَ بِالنِّيَّةِ وَالْقَوْلِ وَالْعَمَلِ جَمِيعًا، وَأَنَّهُ دَرَجَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ، إِلَّا أَنَّ أَوَّلَهَا وأعلاها الشَّهَادَةُ بِاللِّسَانِ, كَمَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْحَدِيثِ الَّذِي جَعَلَهُ فِيهِ بِضْعَةً وَسَبْعِينَ جُزْءًا، فَإِذَا نَطَقَ بِهَا الْقَائِلُ، وَأَقَرَّ بِمَا جَاءَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لَزِمَهُ اسْمُ الْإِيمَانِ بِالدُّخُولِ فِيهِ بِالِاسْتِكْمَالِ عِنْدَ اللَّهِ، وَلَا عَلَى تَزْكِيَةِ النُّفُوسِ، وَكُلَّمَا ازْدَادَ لِلَّهِ طَاعَةً وَتَقْوَى، ازْدَادَ بِهِ إِيمَانًا.
كتاب الإيمان للقاسم بن سلام · Hadith 8
Translated by Dr. Muhammad Muhsin Khan · Reviewed by Islamic University of Madinah · Published March 2020
