2562 - أخبرنا أحمد بن عبد الله الصالحي ، أنا أبو سعيد محمد بن موسى الصيرفي ، أنا أبو عبد الله محمد بن عبد الله الصفار ، نا أحمد بن محمد بن عيسى البرتي ، نا أبو حذيفة ، نا سفيان الثوري ، عن الأعمش ، عن أبي ظبيان. عن أسامة بن زيد قال : بعثنا رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) إلى أناس من جهينة يقال لهم : الحرقات ، قال : فأتيت على رجل منهم ، فذهبت أطعنه ، فقال : لا إله إلا الله ، فطعنته ، فقتلته ، فجئت إلى النبي ( صلى الله عليه وسلم ) ، فأخبرته بذلك ، صفحة رقم 242 فقال : ( قتلته وقد شهد أن لا إله إلا الله ؟ ) قلت : يا رسول الله إنما فعل ذلك تعوذاً ، قال : ( فهلا شققت عن قلبه ). هذا حديث متفق على صحته أخرجه مسلم عن أبي بكر بن أبي شيبة ، عن أبي خالد الأحمر ، عن الأعمش ، وأخرجاه من طرق عن أبي ظبيان ، أخرجه محمد عن عمرو بن زرارة ، وأخرجه مسلم عن إسحاق ابن إبراهيم ، كلاهما عن حصين عن أبي ظبيان ، وأبو ظبيان اسمه حصين بن جندب. ويروى عن جندب بن عبد الله البجلي أن رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) قال : ( كيف تصنع بلا إله إلا الله إذا جاءت يوم القيامة ؟ ) قال مرارا. وفيه دليل على أن الكافر إذا تكلم بالتوحيد ، وجب الكف عن قتله. قال الإمام : وهذا في الثنوي الذي لا يعتقد التوحيد إذا أتى بكلمة لتوحيد ، يحكم بإسلامه ، ثم يجبر على سائر شرائط الإسلام ، فأما من يعتقد التوحيد ، لكنه ينكر الرسالة ، فلا يحكم بإسلامة بمجرد كلمة التوحيد حتى يقول : محمد رسول الله ، فإذا قاله كان مسلماً إلا أن يكون من الذين يقولون : محمد مبعوث إلى العرب خاصة ، فحينئذ لا يحكم بإسلامه صفحة رقم 243 بمجرد الإقرار بالرسالة حتى يقر انه مبعوث إلى كافة الخلق ، ثم يستحب أن يمتحن بالإقرار بالبعث ، والتبرؤ من كل دين خالف الإسلام. وكذلك حكم المرتد يعود إلى الإسلام عن الدين الذي انتقل إليه. وذهب أكثر أهل العلم إلى قبول توبة الكافر الأصلي والمرتد ، وذهب جماعة إلى أن إسلام الزنديق والباطنية لا يقبل ويقتلون بكل حال ، وهو قول مالك وأحمد ، وقالت طائفة : إذا ارتد المسلم الأصلي ، ثم أسلم لا يقبل إسلامه ، فأما الكافر الأصلي إذا أسلم ، ثم ارتد ، ثم عاد إلى الإسلام ، يقبل إسلامه ، وظاهر الحديث دليل العامة على قبول إسلام الكل. وفي قوله : ( هلا شققت عن قلبه ) دليل على أن الحكم إنما يجري على الظاهر ، وأن السرائر موكولة إلى الله عز وجل ، وليس في الحديث أنه ألزم أسامة الدية. قال أبو سليمان الخطابي : يشبه أن يكون المعنى فيه أن أصل دماء الكفار الإباحة ، وكان عند أسامة أنه إنما تكلم بكلمة التوحيد مستعيذا من القتل ، لا مصدقاً به ، فقتله على انه مباح الدم ، وأنه مأمور بقتله ، والخطأ عن المجتهد موضوع ، أو تأول في قتله انه لا توبة له في هذه الحالة ، لقوله سبحانه وتعالى : ( فلم يك ينفعهم إيمانهم لما رأوا بأسنا ( [ غافر : 85 ] وكما أخبر عن فرعون انه لما أدركه الغرق قال : ) لا إله إلا الذي آمنت به بنوا إسرائيل ( فقيل له : ) آلآن وقد عصيت قبل ( [ يونس : 90 - 91 ] ولم يقبل إيمانه. صفحة رقم 244 قال رحمه الله : ولو رمى مسلم سهما في دار الحرب إلى صف العدو ، ولم يعلم أن في الصف مسلماً ، فأصاب مسلماً ، سواء عينه ، أو لم يعينه ، فلا قود على الرامي ، ولا دية ، وعليه الكفارة ، وكذلك لو رأى رجلا في دار الحرب بزي أهل الكفر ، فقتله ، فبان مسلماً ، قال الله سبحانه وتعالى : ( فإن كان من قوم عدو لكم وهو مؤمن فتحرير رقبة ( [ النساء : 92 ] ولم يذكر الدية ، أما إذا علم أن في الصف مسلماً ، ولم يعرف مكانه ، فعين شخصاً ، فرمى إليه ، فبان مسلماً ، أو علم مكان المسلم ، فرمى إلى غيره غير مضطر إليه ، فأصاب المسلم ، ففيه الدية على العاقلة ، والكفارة في ماله ولا قود. وروى عن جرير بن عبد الله قال : بعث رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) سرية إلى خثعم ، فاعتصم ناس منهم بالسجود ، فأسرع فيهم القتل ، فبلغ ذلك النبي ( صلى الله عليه وسلم ) ، فأمر لهم بنصف العقل ، وقال : ( أنا بريء من كل مسلم مقيم بين أظهر المشركين ) قالوا : يا رسول الله لم ؟ قال : ( لا تتراءى ناراهما ). صفحة رقم 245 قال أبو سليمان الخطابي : إنما أمر لهم بنصف العقل ، ولم يكمل لهم الدية بعد علمه بإسلامهم ، لأنهم قد أعانوا على انفسهم بمقامهم بين اظهر الكفار ، فكانوا كمن هلك بجناية نفسه ، وجناية غيره ، فتسقط حصة جنايته من الدية. قال الإمام : المسلم مضمون الدم إن لم يسقط ضمان دمه بالمقام فيما بين الكفار أصلا ، فلا يجوز أن ينتقص به الضمان أصلا ، ألا ترى أن القاتل إذا عرفه مسلماً مقيماً فيما بينهم ، فقتله من غير ضرورة يجب عليه القصاص ، أو كمال الدية ، ولا تجعل إقامته فيما بينهم مشاركة لقاتله في قتله ، فيحتمل - والله أعلم - أن تكون الدية غير واجبة بقتلهم ، لأن مجرد الاعتصام بالسجود لا يكون إسلاماً ، فإنهم يستعملونه على سبيل التواضع والانقياد ، فلا يحرم به قتل الكافر ، فهؤلاء لم يحرم قتلهم بمجرد سجودهم ، إنما سبيل المسلمين في حقهم التثبت والتوقف ، فإن ظهر أنهم كانوا قد أسلموا ، ثم اعتصموا بالسجود ، فقد قتلوا مسلماً مقيماً بين اظهر الكفار لم يعرفوا إسلامه ، فلا دية عليهم غير انه عليه السلام أمر صفحة رقم 246 بنصف الدية استطابة لأنفس أهليهم ، أو زجراً للمسلمين عن ترك التثبت عند وقوع الشبهة ، والله أعلم. وفي الحديث دليل على أن الأسير المسلم في أيدي الكفار إذا وجد إمكان الخلاص والانفلات ، لم يحل له المقام فيما بينهم ، فإن حلفوه انهم إن خلوه لا يخرج ، فحلف ، فخلوه يجب عليه الخروج ، ويمينه يمين مكره ، لا كفارة عليه فيها ، وإن حلف استطابة لنفوسهم من غير أن حلفوه ، فعليه الخروج إلى دار الإسلام ، ويلزمه كفارة اليمين ، وإن حلفوه أنه إن خرج إلى دار الإسلام يعود إليهم لا يجوز أن يعود ، ولا يدعه الإمام أن يعود ، ولو امتنعوا من تخليته إلا على مال يعطيهم ، فضمن لا يجب أن يعطي ، ولو فعل ، فحسن. وفيه دليل على كراهية المسلم دخول دار الحرب للتجارة والمقام فيها أكثر من مقام السفر. وقوله : ( لا تتراءى ناراهما ) يعني : لا يساكن المسلم الكفار في بلادهم بحيث لو أوقدوا ناراً ترى كل طائفة نار الأخرى ، فجعل الرؤية للنار ، ولا رؤية لها ، ومعناه : أن تدنوا هذه من هذه ، كما يقال : داري تنظر إلى دار فلان ، وقيل : معناه : لا يستوي حكماهما ، يقول : كيف يساكنهم في بلادهم وحكم دينهما مختلف ؟ وقيل : أراد : نار الحرب ، قال الله سبحانه وتعالى : ( كلما أوقدوا ناراً للحرب أطفأها الله ( [ المائدة : 64 ] يقول : كيف يجتمعان ونار حربهما مختلف ، هذا يدعو إلى الرحمن ، ويحارب عليه ، وهذا يدعو إلى الشيطان ، ويحارب عليه. وفي بعض الأحاديث : ( لا تستضيئوا بنار صفحة رقم 247 المشركين ) قال ابن الأعرابي : النار ها هنا : الرأي ، يقول : لا تشاوروهم ، ويقال : معنى النار السمة ، يقال : ما نار بعيرك ؟ أي : ما سمته ، ومنه قولهم : نارها نجارها ، يريد أن : ميسمها يدل على جوهرها ، وكرمها. فمعنى قوله : لا تتراءى ناراهما ) يقول : لا يتسم المسلم بسمة المشرك ، ولا يتشبه به في هديه ، وشكله ، وخلقه ، وقد روي عن أبي الدرداء. عن رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) قال : ( من نزع صغار كافر من عنقه ، فجعله في عنقه ، فقد ولى الإسلام ظهره ، وقيل : معناه : لا يجتمعان في الآخرة.
شرح السنة للبغوي · Hadith 2562
Translated by Dr. Muhammad Muhsin Khan · Reviewed by Islamic University of Madinah · Published March 2020
