2031 - أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي ، أنا أحمد بن عبد الله النعيمي ، أنا محمد بن يوسف ، نا محمد بن إسماعيل ، أنا أبو نعيم نا زكريا ، عن عامر قال : سمعت النعمان بن بشير يقول : سمعت رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) يقول : " الحلال بين ، والحرام بين ، وبينهما مشبهات لا يعلمها كثير من الناس ، فمن اتقى المشبهات ، استبرأ لعرضه ودينه ، ومن وقع في المشبهات كراع يرعى حول الحمى يوشك أن يواقعه ، ألا وإن لكل ملك حمى ، ألا إن حمى الله محارمه ، صفحة رقم 13 ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله ، وإذا فسدت ، فسد الجسد كله ، ألا وهي القلب ". هذا حديث متفق على صحته أخرجه مسلم عن محمد بن عبد الله بن نمير الهمداني ، عن أبيه ، عن زكريا ، وقال عيسى عن زكريا : " ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام " قوله : استبرأ لعرضه ، أي : احتاط لنفسه. قال الإمام : هذا الحديث أصل في الورع ، وهو أن ما اشتبه على الرجل أمره في التحليل والتحريم ، ولا يعرف له أصل متقدم ، فالورع أن يجتنبه ، ويتركه ، فإنه إذا لم يجتنبه ، واستمر عليه ، واعتاده ، جره ذلك إلى الوقوع في الحرام ، هذا كما روي عن النبي ( صلى الله عليه وسلم ) أنه مر بتمرة ساقطة ، فقال : " لولا أني أخشى أن تكون من صدقة لأكلتها " قال حسان بن أبي سنان : ما رأيت شيئا أهون من الورع دع ما يريبك إلى ما لا يريبك. صفحة رقم 14 ومن هذا لو وجد في بيته شيئا لا يدري هل هو له أو لغيره ؟ فالورع أن يجتنبه ، ولا يحرم عليه تناوله ، لأنه في يده. ويدخل في هذا الباب معاملة من في ماله شبهة ، أو خالطه ربا ، فالاختيار أن يحترز عنها ، ويتركها ، ولا يحكم بفسادها ما لم يتيقن أن عينه حرام ، فإن النبي ( صلى الله عليه وسلم ) رهن درعه من يهودي بشعير أخذه لقوت أهله مع أنهم يربون في معاملاتهم له ، ويستحلون أثمان الخمور. وقال عطاء : إذا دخلت السوق فاشتر ، ولا تقل : من أين ذا ، ومن أين ذا ؟ فإن علمت حراما ، فاجتنبه. وقال سلمان : إذا كان لك صديق عامل ، أو تاجر يقارف الربا فدعاك إلى طعام ، فكل ، أو أعطاك شيئا فاقبل ، فإن المهنأ لك ، وعليه الوزر. صفحة رقم 15 وسئل الحسن عن جار عريف يهدي إلي فأقبل ؟ أو أولم فدعاني فآكل ؟ قال : نعم لك مهنؤها ، وعليه وزرها. ومثله عن سعيد بن جبير ومكحول ، والزهري قالوا : إذا كان المال فيه الحلال والحرام ، فلا بأس أن يؤكل منه ، إلا أن يعلم أن الذي يطعمه أو يهديه إليه حرام بعينه فلا يحل. وروي عن علي أنه قال : لا تسأل السلطان ، فإن أعطوك عن غير مسألة ، فاقبل منهم ، فإنهم يصيبون من الحلال أكثر مما يعطونك. وكان المختار يبعث إلى ابن عمر وابن عباس ، فيقبلانه ، وبعث عبد الملك بن مروان إلى ابن عمر في الفتنة في قتال ابن الزبير مالا ، فأبى أن يقبله ، فلما ذهبت الفتنة ، بعث إليه فقبله ، وأمر الحجاج سعيد بن جبير يصلي بالناس في رمضان ، فلما فرغ كساه برنسا من خز أسود فلبسه. وروي عن ابن سيرين أن ابن عمر كان يأخذ جوائز السلطان ، وكان القاسم بن محمد لا يأخذها ، وكان ابن سيرين لا يقبل ، وكان سعيد ابن المسيب لا يقبل جوائز السلطان ، فقيل له في ذلك ، فقال : قد ردها من هو خير مني على من هو خير منهم. قال الإمام : وجملة الشبه العارضة في الأمور قسمان : أحدهما هو الذي ذكرناه ، وهو ما لا يعرف له أصل في تحليل ولا تحريم ، فالورع تركه والثاني : أن يكون له أصل في التحليل أو التحريم ، فعليه التمسك بالأصل ، ولا ينزل عنه إلا بيقين علم ، وذلك مثل الرجل يتطهر للصلاة ثم يشك في الحدث ، فإنه يصلي ما لم يعلم الحدث يقينا ، وكذلك الماء صفحة رقم 16 يجده في الفلاة يشك في نجاسته ، فهو على أصل الطهارة ، فعليه التمسك به حتى لا يقع في الوسواس ، وكالرجل له زوجة وجارية ، فيشك هل طلق المرأة ، أو هل أعتق الجارية ، فلا يحرم عليه الفرج إلا بيقين طلاق أو عتق ، وإن كان أصله الحظر مثل أن يشك في نكاح امرأة أو شراء جارية ، أو في لحم شاة أنها مذكاة أو ميتة ، فلا يحل له شيء منها حتى يتبين الملك والذكاة. وكذلك لو اختلطت امرأته بنساء أجنبيات أو مذكاة بميتات يجب عليه أن يجتنب أكلها حتى يعرف الزوجة والمذكاة بعينها. وقوله : " من اتقى المشبهات استبرأ لعرضه ودينه " ففيه دليل على جواز الجرح والتعديل ، فإن من لم يتوق الشبه في كسبه ومعاشه ، فقد عرض دينه وعرضه للطعن ، قال الإمام : ونوع من الاشتباه أن يقع للرجل حادثة يشتبه عليه وجه الحكم فيها بين الحل والحرمة ، فسبيله إن كان عالما أن يجتهد ، وإن كان عاميا أن يسأل أهل العلم ، ولا يجوز له سلوك سبيل الاستباحة من غير اجتهاد أو تقليد مجتهد إن كان عاميا.
شرح السنة للبغوي · Hadith 2031
Translated by Dr. Muhammad Muhsin Khan · Reviewed by Islamic University of Madinah · Published March 2020
