108 - أخبرنا عبد الواحد المليحي ، أنا أحمد بن عبد الله النعيمي ، أنا محمد بن يوسف ، نا محمد بن إسماعيل ، حدثنا يحيى بن بكير ، نا الليث ، عن عقيل ، عن ابن شهاب ، عن عبد الرحمن بن عبد الله بن كعب بن مالك أن عبد الله بن كعب بن مالك قال : سمعت كعب بن مالك يحدث حين تخلف عن تبوك ، صفحة رقم 225 قال : ونهى رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) المسلمين عن كلامنا أيها الثلاثة ، فاجتنبنا الناس ، وتغيروا لنا ، حتى تنكرت في نفسي الأرض ، فما هي التي أعرف ، فأما صاحباي فاستكانا ، وقعدا في بيوتهما يبكيان ، وأما أنا فكنت أخرج ، فأشهد الصلاة مع المسلمين ، وأطوف في الأسواق ، ولا يكلمني أحد ، وآتي رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ، فأسلم عليه وهو في مجلسه بعد الصلاة ، فأقول في نفسي : هل حرك شفتيه برد السلام علي أم لا ، ثم أصلي قريبا منه ، فأسارقه النظر ، فإذا أقبلت على صلاتي ، أقبل علي ، وإذا التفت نحوه ، أعرض عني ، حتى إذا طال علي ذلك ، تسورت جدار حائط أبي قتادة وهو ابن عمي ، وأحب الناس إلي ، فسلمت عليه ، فوالله ما رد علي السلام... حتى إذا كملت لنا خمسون ليلة من حين نهى رسول الله [ ] عن كلامنا ؛ آذن رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) بتوبة الله صفحة رقم 226 علينا ، وانطلقت إلى رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ، فيتلقاني الناس فوجا فوجا ، يهنؤونني بالتوبة ، فلما سلمت على رسول الله [ ] ، قال رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) وهو يبرق وجهه من السرور : " أبشر بخير يوم مر عليك منذ ولدتك أمك ". هذا حديث صحيح. وفيه دليل على أن هجران أهل البدع على التأبيد ، وكان رسول الله [ ] خاف على كعب وأصحابه النفاق حين تخلفوا عن الخروج معه ، صفحة رقم 227 فأمر بهجرانهم إلى أن أنزل الله توبتهم ، وعرف رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) براءتهم ، وقد مضت الصحابة والتابعون وأتباعهم ، وعلماء السنة على هذا مجمعين متفقين على معاداة أهل البدعة ، ومهاجرتهم. قال ابن عمر في أهل القدر : أخبرهم أني بريء منهم ، وأنهم مني برآء ، وقال أبو قلابة : لا تجالسوا أصحاب الأهواء ، أو قال : أصحاب الخصومات ، فإني لا آمن أن يغمسوكم في ضلالتهم ، ويلبسوا عليكم بعض ما تعرفون. وقال رجل من أهل البدع لأيوب السختياني : يا أبا بكر أسألك عن كلمة ، فولى وهو يقول بيده : ولا نصف كلمة. وقال سفيان الثوري : من سمع بدعة ، فلا يحكها لجلسائه ، لا يلقيها في قلوبهم. قال الشيخ : ثم هم مع هجرانهم كفوا عن إطلاق اسم الكفر على أحد من أهل القبلة ، لأن النبي ( صلى الله عليه وسلم ) جعلهم كلهم من أمته. وروي عن جماعة من السلف تكفير من قال بخلق القرآن ، روي ذلك عن مالك ، وابن عيينة ، وابن المبارك ، والليث بن سعد ، ووكيع ابن الجراح ، وغيرهم. وناظر الشافعي حفص الفرد ، وكان الشافعي رضي الله عنه يسميه حفص المنفرد ، فقال حفص : القرآن مخلوق ، فقال الشافعي : كفرت بالله العظيم. صفحة رقم 228 وقال محمد بن إسماعيل الجعفي البخاري : نظرت في كلام اليهود والنصارى والمجوس ، فما رأيت قواما أضل في كفرهم من الجهمية ، وإني لأستجهل من لا يكفرهم إلا من لا يعرف كفرهم ، وقال : ما أبالي صليت خلف الجهمي والرافضي ، أم صليت خلف اليهود والنصارى. وأجاز الشافعي شهادة أهل البدع ، والصلاة خلفهم مع الكراهية على الإطلاق ، فهذا القول منه دليل على أنه إن أطلق على بعضهم اسم الكفر في موضع أراد به كفرا دون كفر ، كما قال الله تعالى : ( ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون ( [ المائدة : 44 ]. ومنهم من حمل قول من قال بالتكفير من السلف على مبتدع يأتي في بدعته ما يخرج به عن الإسلام ، وكان أبو سليمان الخطابي لا يكفر أهل الأهواء الذين تأولوا فأخطؤوا ، ويجيز شهادتهم ما لم يبلغ من الخوارج والروافض في مذهبه أن يكفر الصحابة ، أو من القدرية أن يكفر من خالفه من المسلمين ، فلا يرى الصلاة خلفهم ، ولا يرى أحكام صفحة رقم 229 قضاتهم جائزة ، ورأى السيف واستباحة الدم ، فمن بلغ منهم هذا المبلغ ، فلا شهادة له. وحكى عبد الله بن أحمد بن حنبل ، عن أبيه ، فيمن قال بخلق القرآن : أنه لا يصلي خلفه الجمعة ، ولا غيرها ، إلا أنه لا يدع إتيانها ، فإن صلى أعاد الصلاة. وقال مالك : من يبغض أحدا من أصحاب النبي ( صلى الله عليه وسلم ) وكان في قلبه عليهم غل ، فليس له حق في فيئ المسلمين ، ثم قرأ قول الله سبحانه وتعالى : ( ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى ( إلى قوله : ) والذين جاؤوا من بعدهم... ( الآية [ الحشر : 7 ، 8 ]. وذكر بين يديه رجل ينتقص أصحاب رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ، فقرأ مالك هذه الآية ) محمد رسول الله والذين معه أشداء على الكفار ( إلى قوله : ) ليغيظ بهم الكفار ( [ الفتح : 29 ] ثم قال : من أصبح من الناس في قلبه غل على أحد من أصحاب النبي عليه السلام ، فقد أصابته الآية. وقال سفيان الثوري : من قدم عليا على أبي بكر وعمر ، فقد أزرى بالمهاجرين والأنصار ، وأخشى أن لا ينفعه مع ذلك عمل. وقال مالك : بئس القوم أهل الأهواء لا نسلم عليهم. وقال الشيخ الإمام : وهذا الهجران ، والتبري ، والمعاداة ، في أهل البدع والمخالفين في الأصول ، أما الاختلاف في الفروع بين العلماء ، فاختلاف رحمة أراد الله أن لا يكون على المؤمنين حرج في الدين ، فذلك صفحة رقم 230 لا يوجب الهجران والقطيعة ، لأن هذا الاختلاف كان بين أصحاب رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) مع كونهم إخوانا مؤتلفين ، رحماء بينهم ، وتمسك بقول كل فريق منهم طائفة من أهل العلم بعدهم ، وكل في طلب الحق ، وسلوك سبيل الرشد مشتركون. قال عون بن عبد الله : ما أحب أن أصحاب النبي ( صلى الله عليه وسلم ) لم يختلفوا فإنهم لو اجتمعوا على شيء ، فتركه رجل ترك السنة ، ولو اختلفوا وأخذ رجل بقول واحد أخذ بالسنة.
شرح السنة للبغوي · Hadith 108
Translated by Dr. Muhammad Muhsin Khan · Reviewed by Islamic University of Madinah · Published March 2020
