72 - قال الشيخ الحسين بن مسعود رحمه الله : أخبرنا أبو سعيد عبد الله بن أحمد الطاهري ، أنا جدي أبو سهل عبد الصمد بن عبد الرحمن البزاز ، أنا أبو بكر محمد بن زكريا العذافري ، أنا إسحاق بن إبراهيم ابن عباد الدبري الصنعاني ، حدثنا عبد الرزاق ، أنا معمر ، عن منصور ، عن سعد بن عبيدة ، عن أبي عبد الرحمن السلمي ، عن علي ابن أبي طالب رضي الله عنه. قال : خرجنا على جنازة ، فبينا نحن بالبقيع ، إذ خرج علينا رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) وبيده مخصرة ، فجاء فجلس ، ثم نكت بها في الأرض ساعة ، ثم قال : " ما من نفس منفوسة إلا قد كتب مكانها من الجنة أو النار ، وإلا قد كتبت شقية أو سعيدة " قال : فقال رجل : أفلا نتكل على كتابنا يا رسول الله ، وندع العمل ؟ قال : " لا ، ولكن اعملوا ، فكل ميسر ، أما أهل الشقاء فييسرون لعمل أهل الشقاء ، وأما أهل السعادة فييسرون لعمل أهل السعادة ، قال : ثم تلا هذه الآية : ) فأما من أعطى واتقى وصدق بالحسنى صفحة رقم 132 فسنيسره لليسرى ، وأما من بخل واستغنى وكذب الحسنى فسنيسره للعسرى ) ^ [ الليل : 5 ، 10 ]. هذا حديث متفق على صحته أخرجاه جميعا عن عثمان بن أبي شيبة ، عن جرير ، عن منصور. وعلي بن أبي طالب بن عبد المطلب : هو أبو الحسن القرشي ، واسم أبي طالب : عبد مناف. وأبو عبد الرحمن السلمي : اسمه عبد الله بن حبيب. قال أبو عبيد : المخصرة : ما اختصر الإنسان بيده ، فأمسكه من عصا أو عنزة ، ومنه أن يمسك الرجل بيد صاحبه ، فيقال : فلان مخاصر فلان ، قال الفراء : يقال : خرج القوم متخاصرين : إذا كان بعضهم آخذا بيد بعض. قال القتيبي : التخصر : إمساك القضيب باليد ، والمخصرة ذلك القضيب ، وجمعها مخاصر. قوله : " نكت بها في الأرض " ، أي : ضربها بها. وقوله ( صلى الله عليه وسلم ) " ما من نفس منفوسة " أي : مولودة ، يقال : صفحة رقم 133 نفست المرأة ونفست : إذا ولدت ، فإذا حاضت ، قلت : نفست بفتح النون لا غير. قوله : " ميسر " أي : مهيأ ومصروف إليه. ذكر الخطابي على هذا الحديث كلاما معناه : قال : قولهم : " أفلا نتكل على كتابنا وندع العمل " ؟ مطالبة منهم بأمر يوجب تعطيل العبودية ، وذلك أن إخبار النبي ( صلى الله عليه وسلم ) عن سابق الكتاب إخبار عن غيب علم الله سبحانه وتعالى فيهم ، وهو حجة عليهم ، فرام القوم أن يتخذوه حجة لأنفسهم في ترك العمل ، فأعلمهم النبي ( صلى الله عليه وسلم ) أن هاهنا أمرين لا يبطل أحدهما الآخر : باطن هو العلة الموجبة في حكم الربوبية ، وظاهر هو السمة اللازمة في حق العبودية ، وهو أمارة مخيلة غير مفيدة حقيقة العلم ، ويشبه أن يكون - والله أعلم - إنما عوملوا بهذه المعاملة ، وتعبدوا بهذا التعبد ، ليتعلق خوفهم بالباطن المغيب عنهم ، ورجاؤهم بالظاهر البادي لهم ، والخوف والرجاء مدرجتا العبودية ، ليستكملوا بذلك صفة الإيمان ، وبين لهم أن كلا ميسر لما خلق له ، وأن عمله في العاجل دليل مصيره في الآجل ، وتلا قوله سبحانه وتعالى ( فأما من أعطى واتقى... وأما من بخل واستغنى ( وهذه الأمور في حكم الظاهر ، ومن وراء ذلك علم الله عز وجل فيهم ، وهو الحكيم الخبير لا يسأل عما يفعل وهم يسألون. واطلب نظيره من أمرين : من الرزق المقسوم مع الأمر بالكسب ، ومن الأجل المضروب في العمر مع المعاجلة بالطب ، فإنك تجد المغيب فيهما علة موجبة ، والظاهر البادي سببا مخيلا ، وقد اصطلح الناس خواصهم وعوامهم على أن الظاهر فيهما لا يترك بالباطن. هذا معنى كلام الخطابي رحمه الله تعالى.
شرح السنة للبغوي · Hadith 72
Translated by Dr. Muhammad Muhsin Khan · Reviewed by Islamic University of Madinah · Published March 2020
