731 - أَخْبَرَنَا الْقَاضِي أَبُو الْقَاسِمِ عَلِيُّ بْنُ الْمُحَسِّنِ بْنِ عَلِيٍّ التَّنُوخِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الْفَرَجِ عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ نَصْرٍ الْمَخْزُومِيُّ الْمَعْرُوفُ بِالْبَبَّغَاء، وَكَتَبْتُهُ بِإِمْلَائِهِ، قَالَ " كُنْتُ بِصُورَ فِي سِنِي نَيِّفٍ وَخَمْسِينَ وَثَلَاثِ مِائَةٍ عِنْدَ أَبِي عَلِيٍّ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ الْمُسْتَأْمَنِ وَإِنَّمَا لُقِّبَ بِذَلِكَ لِأَنَّهُ اسْتَأْمَنَ مِنْ عَسْكَرِ الْقَرَامِطَةِ إِلَى أَصْحَابِ السُّلْطَانِ بِالشَّامِ وَهُوَ عَلَى حِمَايَةِ الْبَلَدِ فَجَاءَهُ قَاضِيهَا أَبُو الْقَاسِمِ بْنُ أَبَانٍ وَكَانَ شَابًّا أَدِيبًا فَاضِلًا جَلِيلًا وَاسِعَ الْمَالِ عَظِيمَ الثَّرْوَةِ لَيْلًا فَاسْتَأْذَنَ عَلَيْهِ فَأَذِنَ لَهُ، فَلَمَّا دَخَلَ عَلَيْهِ، قَالَ لَهُ أَيُّهَا الْأَمِيرُ: قَدْ حَدَثَ اللَّيْلَة أَمْرٌ مَا لَنَا بِمِثْلِهِ عَهْدٌ، وَهُوَ أَنَّ فِي هَذَا الْبَلَدِ رَجُلًا ضَرِيرًا يَقُومُ كُلَّ لَيْلَةٍ فِي الثُّلُثِ الْأَخِيرِ فَيَطُوفُ بِالْبَلَدِ وَيَقُولُ بِأَعْلَى صَوْتِهِ: يَا غَافِلِينَ اذْكُرُوا اللَّهَ، يَا مُذْنِبِينَ اسْتَغْفِرُوا اللَّهَ، يَا مُبْغِضَ مُعَاوِيَةَ عَلَيْكَ اللَّعْنَةُ، وَإِنَّ رَابَتِيَ الَّتِي رِبْتَنِي كَانَتْ لَهَا عَادَةٌ فِي أَنْ تَنْتَبِهَ عَلَى صِيَاحِهِ، فَجَائَتْنِي اللَّيْلَةَ وَأَيْقَظَتْنِي وَقَالَتْ لِي كُنْتُ نَائِمَةً فَرَأَيْتُ فِي مَنَامِي كَأَنَّ النَّاسَ يُهْرَعُونَ إِلَى الْمَسْجِدِ الْجَامِعِ، فَسَأَلْتُ عَنِ السَّبَبِ، فَقَالُوا: رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ هُنَاكَ، فَتَوَجَّهْتُ إِلَى الْمَسْجِدِ فَدَخَلْتُهُ، رَأَيْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ عَلَى الْمِنْبَرِ بَيْنَ يَدَيْهِ رَجُلٌ وَاقِفٌ وَعَنْ يَمِينِهِ وَيَسَارِهِ غُلَامَانِ وَاقِفَانِ، النَّاسُ يُسَلِّمُونَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ وَيَرُدُّ عَلَيْهِمُ السَّلَامَ، حَتَّى رَأَيْتُ الضَّرِيرَ الَّذِي يَطُوفُ فِي الْبَلَدِ وَيَذْكُرُ وَيَقُولُ كَذَا وَكَذَا وَعَادَتْ مَا يَقُولُ فِي كُلِّ لَيْلَةٍ - قَدْ دَخَلَ فَسَلَّمَ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ فَأَعْرَضَ عَنْهُ، وَعَاوَدَهُ فَأَعْرَضَ عَنْهُ وَعَاوَدَهُ ثَالِثَةً فَأَعْرَضَ عَنْهُ فَقَالَ الرَّجُلُ الْوَاقِفُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ رَجُلٌ مِنْ أُمَّتِكَ ضَرِيرٌ يَحْفَظُ الْقُرْآنَ يُسَلِّمُ عَلَيْكَ فَلِمَ حَرَمْتَهُ الرَّدَّ عَلَيْهِ؟ فَقَالَ: يَا أَبَا الْحَسَنِ، هَذَا يَلْعَنُكَ وَيَلْعَنُ وَلَدَكَ مُنْذُ ثَلَاثِينَ سَنَةً، فَالْتَفَتَ الرَّجُلُ الْوَاقِفُ فَقَالَ: يَا قَنْبَرُ، فَإِذَا أَنَا بِرَجُلٍ قَدْ بَدَرَ، فَقَالَ اصْفَعْهُ، فَصَفَعَهُ صَفْعَةً فَخَرَّ عَلَى وَجْهِهِ، ثُمَّ انْتَبَهْتُ فَلَمْ أَسْمَعْ لَهُ صَوْتًا، وَهَذَا هُوَ الْوَقْتُ الَّذِي جَرَتْ عَادَتُهُ فِيهِ بِالصِّيَاحِ وَالطَّوَافِ وَالتَّذْكِيرِ، قَالَ أَبُو الْفَرَجِ: فَقُلْتُ: أَيُّهَا الْأَمِيرُ، فَنُنْفِذُ مَنْ يَعْرِفُ خَبَرَهُ، فَأَنْفَذْنَا فِي الْحَالِ رَسُولًا قَاصِدًا لِيُخْبِرَ أَمْرَهُ، فَجَاءَنَا يُعَرِّفُنَا أَنَّ امْرَأَتَهُ ذَكَرَتْ أَنَّهُ عَرَضَ لَهُ فِي هَذِهِ اللَّيْلَةِ حُكَاكٌ شَدِيدٌ فِي قَفَاهُ فَمَنَعَهُ مِنَ الطَّوَافِ وَالتَّذْكِيرِ، فَقُلْتُ لِأَبِي عَلِيٍّ الْمُسْتَأْمَنِ: أَيُّهَا الْأَمِيرُ هَذِهِ آيَةٌ وَنُحِبُّ أَنْ نُشَاهِدَهَا، فَرَكِبْنَا وَقَدْ بَقِيَتْ مِنَ اللَّيْلِ بَقِيَّةٌ يَسِيرَةٌ وَجِئْنَا إِلَى دَارِ الضَّرِيرِ فَوَجَدْنَاهُ نَائِمًا عَلَى وَجْهِهِ يَخُورُ، فَسَأَلْنَا زَوْجَتَهُ، عَنْ حَالِهِ، فَقَالَتْ: انْتَبَهَ وَحَكَّ هَذَا الْمَوْضِعَ، وَأَشَارَتْ إِلَى قَفَاهُ، وَكَانَ قَدْ ظَهَرَ فِيهِ مِثْلَ الْعَدْسَةِ وَقَدِ اتَّسَعَتِ الْآنَ وَانْتَفَخَتْ وَتَشَقَّقَتْ وَهُوَ الْآنَ عَلَى مَا تُشَاهِدُونَ يَخُورُ وَلَا بِفِعْلٍ فَانْصَرَفْنَا وَتَرَكْنَاهُ، فَلَمَّا أَصْبَحْنَا تُوُفِّيَ وَأَكَبَّ أَهْلُ صُورَ عَلَى تَشْيِيعِ جِنَازَتِهِ وَتَعْظِيمِهِ. قَالَ أَبُو الْفَرَجِ: وَاتُّفِقَ أَنِّي وَرَدْتُ إِلَى بَابِ عَضُدِ الدَّوْلَةِ بِالْمَوْصِلِ فِي سَنَةِ ثَمَانٍ وَسِتِّينَ وَثَلاثِ مِائَةٍ، لَزِمْتُ دَارَ خَازِنِهِ أَبِي نَصْرٍ خُرْشِيدَ بْنِ دَيَّارِ بْنِ مَافُنَةَ، وَكَانَ يَجْتَمِعُ فِيهَا فِي كُلِّ يَوْمٍ خَلْقٌ كَثِيرٌ مِنْ طَبَقَاتِ النَّاسِ، فَحَدَّثْتُ بِهَذِهِ الْحِكَايَةِ جَمَاعَةً فِي دَارِ أَبِي نَصْرٍ مِنْهُمُ: الْقَاضِي أَبُو عَلِيٍّ التَّنُوخِيُّ، وَأَبُو الْقَاسِمِ الْحُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْحِنَّائِيُّ، وَأَبُو إِسْحَاقَ النُّصَيْبِيُّ، وَابْنُ طَرْخَانَ، وَغَيَرُهُمْ، فَكُلُّهُمْ رَدَّ عَلَيَّ وَاسْتَبْعَدَ مَا حَكَيْتُهُ عَلَى أَشْنَعِ وَجْهٍ، غَيْرُ الْقَاضِي أَبِي عَلِيٍّ فَإِنَّهُ جَوَّزَ أَنْ تَكُونَ هَذِهِ الْحِكَايَةُ صَحِيحَةً، وَشَيَّدَهَا وَحَكَى فِي مَعْنَاهَا مَا يُقَارِبُهَا، ثُمَّ مَضَتْ عَلَى هَذِهِ مُدَّةٌ يَسِيرَةٌ فَحَضَرْتُ دَارَ أَبِي نَصْرٍ عَلَى الْعَادَةِ وَاتَّفَقَ حُضُورُ أَكْثَرِ الْجَمَاعَةِ، فَلَمَّا اسْتَقَرَّ فِي الْمَجْلِسِ سَلَّمَ عَلَيَّ فَتًى شَابٌّ لَمْ أَعْرِفْهُ فَاسْتَثْبَتُّهُ، فَقَالَ: أَنَا ابْنُ أَبِي الْقَاسِمِ بْنِ أَبَانٍ قَاضِي صُورَ، فَبَدَأْتُ فَأَقْسَمْتُ عَلَيْهِ بِاللَّهِ يَمِينًا مُكَرَّرَةً مُؤَكَّدَةً وَبِأَيْمَانٍ كَثِيرَةٍ مُغلَّظَةٍ مُحَرَّجَةٍ إِلَّا صِدْقَ فِيمَا أَسْأَلُهُ عَنْهُ، فَقَالَ: نَعَمْ، عِنْدِي أَنَّكَ تُرِيدُ أَنْ تَسْأَلَنِي، عَنِ الْمَنَامِ وَالضَّرِيرِ الْمَذْكُورِ وَمَيْتَتِهُ الطَّرِيفَةِ، فَقُلْتُ: نَعَمْ هُوَ ذَاكَ، فَبَدَأَهُمْ وَحَدَّثَهُمْ بِمِثْلِ مَا حَدَّثْتُهُمْ بِهِ، فَعَجِبُوا مِنْ ذَلِكَ وَاسْتَطْرَفُوهُ ".
الأمالي وهي المعروفة بالأمالي الخميسية · Hadith 731
Translated by Dr. Muhammad Muhsin Khan · Reviewed by Islamic University of Madinah · Published March 2020
