بِأَنَّهُ كَذِبٌ إِذَا لَمْ يَقَعِ الْعِلْمُ بِصِدْقِهِ مِنْ نَاحِيَةِ الضَّرُورَةِ أَوِ الِاسْتِدْلَالِ إِنْ قَالَ قَائِلٌ: مَا أَنْكَرْتُ مِنْ أَنَّ الْخَبَرَ إِذَا كَانَ مَرْوِيًّا فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِالدِّينِ وَلَمْ يُعْلَمْ ضَرُورَةً وَلَا قَامَتْ عَلَى صِحَّتِهِ حُجَّةٌ , وَجَبَ الْقَطْعُ عَلَى كَوْنِهِ كَذِبًا , لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَوْ عَلِمَ صِدْقَهُ لَمْ يُخْلِنَا مِنْ دَلِيلٍ عَلَى ذَلِكَ وَطَرِيقٍ إِلَيْهِ. يُقَالُ لَهُ: لِمَ لَا يَجُوزُ أَنْ يُخْلِيَنَا مِنْ ذَلِكَ وَفِيهِ وَقَعَ الْخِلَافُ؟ بَلْ مَا أَنْكَرْتَ مِنْ وُجُوبِ كَوْنِهِ صِدْقًا , لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَوْ عَلِمَ أَنَّهُ كَذِبٌ لَمْ يُخْلِنَا مِنْ دَلِيلٍ عَلَى ذَلِكَ , وَفَى إِخْلَائِهِ مِنْ ذَلِكَ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ صِدْقٌ , وَلَا مَخْرَجَ لَهُ مِنْ هَذَا السُّؤَالِ , ثُمَّ يُقَالُ لَهُ: إِنَّ حَالَ الْخَبَرِ فِي هَذَا الْبَابِ كَحَالِ الشَّهَادَةِ عَلَى وُقُوعِ الْجَائِزِ الْمُمْكِنِ , وَلَوْ وَجَبَ مَا قُلْتَهُ لَوَجَبَ مَتَى عَرِيَتِ الشَّهَادَةُ الْمُتَعَلِّقُ بِهَا حُكْمٌ فِي الدِّينِ مِنْ دِلَالَةِ الصِّدْقِ أَنْ يُقْطَعَ عَلَى أَنَّهَا كَذِبٌ وَزُورٌ , وَهَكَذَا يَجِبُ مَتَى لَمْ يَدُلَّنَا اللَّهُ تَعَالَى عَلَى إِيمَانِ الْخُلَفَاءِ وَالْقُضَاةِ وَالْأُمَرَاءِ وَالسُّعَاةِ وَكُلِّ نَائِبٍ عَنِ الْأَئِمَّةِ فِي شَيْءٍ مِنْ أَمْرِ الدِّينِ , وَعَلَى عَدَالَتِهِمْ وَطَهَارَةِ سَرَائِرِهِمْ , أَنْ يَجِبَ الْقَطْعُ عَلَى كُفْرِهِمْ وَفِسْقِهِمْ , وَمَتَى لَمْ يَدُلَّنَا عَلَى صِحَّةِ الْقِيَاسِ فِي الْحُكْمِ وَأَنَّ الْحَقَّ فِيهِ دُونَ غَيْرِهِ , وَجَبَ الْقَضَاءُ عَلَى فَسَادِهِ , وَلَا جَوَابَ عَنْ شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ وَإِنْ قَالَ: كَمَا يَجِبُ الْقَطْعُ عَلَى كَذِبِ مُدَّعِي الرِّسَالَةِ مَتَى لَمْ يَكُنْ مَعَهُ عِلْمٌ دَالٌ عَلَى صِدْقِهِ , فَكَذَلِكَ يَجِبُ الْقَطْعُ عَلَى كَذِبِ الْمُخْبِرِ مَتَى لَمْ يَكُنْ مَعَهُ حُجَّةٌ تَدُلُّ عَلَى صِدْقِهِ - يُقَالُ لَهُ: إِنْ كَانَ هَذَا قِيَاسًا صَحِيحًا فَإِنَّهُ يَجِبُ الْقَطْعُ بِتَكْذِيبِ جَمِيعِ آحَادِ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَمَنْ بَعْدَهُمْ مِنْ أَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ , مَتَى انْفَرَدُوا بِالْخَبَرِ وَلَمْ تَكُنْ مَعَهُمْ دِلَالَةٌ عَلَى صِدْقِهِمْ , وَهَذَا خُرُوجٌ عَنِ الْإِجْمَاعِ , وَجَهْلٌ مِمَّنْ صَارَ إِلَيْهِ , وَلَوْ كَانَ قِيَاسُ مُدَّعِي النُّبُوَّةِ وَرَاوِي الْخَبَرِ وَاحِدًا , لَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ فِي الشَّهَادَةِ مِثْلُهُ , وَأَنْ يُقْطَعَ عَلَى كُلِّ شَهَادَةٍ لَمْ يَقُمْ دَلِيلٌ عَلَى صِحَّتِهَا , أَوْ يَبْلُغْ عَدَدُ الشُّهُودِ عَدَدَ أَهْلِ التَّوَاتُرِ , أَنَّهَا كَذِبٌ وَزُورٌ , وَهَذَا لَا يَقُولُهُ ذُو تَحْصِيلٍ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ لَوْ كَانَ صَحِيحًا لَمْ يَجُزْ لِأَحَدٍ مِنْ حَكَّامِ الْمُسْلِمِينَ أَنْ يَحْكُمَ بِشَهَادَةِ اثْنَيْنِ , وَلَا بِشَهَادَةِ أَرْبَعَةٍ , وَبِشَهَادَةِ مَنْ لَمْ يَقُمِ الدَّلِيلُ عَلَى صِدْقِهِ , لِأَنَّهُ إِنَّمَا يَحْكُمُ بِشَهَادَةٍ يَعْلَمُ أَنَّهَا كَاذِبَةٌ. ثُمَّ الْفَرْقُ بَيْنَ خَبَرِ مُدَّعِي الرِّسَالَةِ وَبَيْنَ خَبَرِ الْوَاحِدِ أَنَّ الرَّسُولَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَّ يُخْبِرُنَا عَنِ اللَّهِ تَعَالَى بِمَا لَا نَعْلَمُهُ إِلَّا مِنْ جِهَتِهِ , وَقَدْ أَمَرَنَا اللَّهُ تَعَالَى بِتَعْظِيمِهِ ظَاهِرًا وَبَاطِنًا , وَمُوَالَاتِهِ , وَالْقَطْعِ عَلَى طَهَارَتِهِ وَنَقَاءِ سَرِيرَتِهِ , وَالْعِلْمِ بِأَنَّهُ صَادِقٌ فِي جَمِيعِ مَا يُخْبِرُ بِهِ , فَوَجَبَ مَعَ تَكْلِيفِ ذَلِكَ إِزَاحَةُ الْعِلَّةِ فِيمَا بِهِ يُعْلَمُ حُصُولُ صِدْقِهِ , وَالْقَطْعُ عَلَى إِرْسَالِ اللَّهِ تَعَالَى لَهُ، وَإِلَّا كَانَ تَكْلِيفًا لِلشَّىْءِ مَعَ عَدَمِ الدَّلِيلِ عَلَيْهِ , وَذَلِكَ مُحَالٌ وَخَارِجٌ عَنْ بَابِ التَّعَبُّدِ. وَأَمَّا خَبَرُ الْوَاحِدِ فَمَا تَعَبَّدْنَا فِيهِ بِهَذَا، لِأَنَّهُ لَيْسَ يُخْبِرُنَا عَمَّنْ يُخْبِرُنَا عَنْهُ بِمَا لَا يَصِحُّ أَنْ نَعْلَمَهُ إِلَّا مِنْ جِهَتِهِ , وَلَا هُوَ خَبَرٌ عَنِ اللَّهِ تَعَالَى , وَلَا نَحْنُ مَأْمُورُونَ بِالْقَطْعِ عَلَى طَهَارَةِ سَرِيرَتِهِ وَالْعِلْمِ بِأَنَّهُ صَادِقٌ فِي خَبَرِهِ , بَلْ إِنَّمَا تَعَبَّدْنَا بِالْعَمَلِ بِخَبَرِهِ مَتَى ظَنَنَّا كَوْنَهُ صِدْقًا , فَحَالُهُ فِي ذَلِكَ كَحَالِ الشَّاهِدِ الَّذِي أَمَرَنَا بِالْعَمَلِ بِشَهَادَتِهِ , دُونَ اعْتِقَادِ شَيْءٍ مِنْ هَذِهِ الْجُمْلَةِ فِيهِ , وَكَمَا لَا يَجُوزُ قِيَاسُ الشَّهَادَةِ عَلَى ادِّعَاءِ النُّبُوَّةِ , فَكَذَلِكَ لَا يَجُوزُ قِيَاسُ الْخَبَرِ عَلَيْهَا , وَهَذَا وَاضِحٌ لَا شُبْهَةَ فِيهِ
الكفاية في معرفة أصول علم الرواية · Hadith 28
Translated by Dr. Muhammad Muhsin Khan · Reviewed by Islamic University of Madinah · Published March 2020
