وَقَالَ لَهُمُ ابْنُ الزُّبَيْرِ: إِذَا دَخَلْتُ فِي الصَّلَاةِ - صَلَاةِ الظُّهْرِ - فَاحْمِلُوهَا وَاجْعَلُوهُ فِي مَوْضِعِهِ، فَأَنَا أُطَوِّلُ الصَّلَاةَ، فَإِذَا فَرَغْتُمْ فَكَبِّرُوا حَتَّى أُخَفِّفَ صَلَاتِي. وَكَانَ ذَلِكَ فِي حَرٍّ شَدِيدٍ، فَلَمَّا أُقِيمَتِ الصَّلَاةُ كَبَّرَ ابْنُ الزُّبَيْرِ وَصَلَّى بِهِمْ رَكْعَةً، خَرَجَ عَبَّادٌ بِالرُّكْنِ مِنْ دَارِ النَّدْوَةِ وَهُوَ يَحْمِلُهُ وَمَعَهُ جُبَيْرُ بْنُ شَيْبَةَ بْنِ عُثْمَانَ، وَدَارُ النَّدْوَةِ يَوْمَئِذٍ قَرِيبَةٌ مِنَ الْكَعْبَةِ، فَخَرَقَا بِهِ الصُّفُوفَ حَتَّى أَدْخَلَاهُ فِي السِّتْرِ الَّذِي دُونَ الْبِنَاءِ، فَكَانَ الَّذِي وَضَعَهُ فِي مَوْضِعِهِ هَذَا عَبَّادُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ، وَأَعَانَهُ عَلَيْهِ جُبَيْرُ بْنُ شَيْبَةَ، فَلَمَّا أَقَرُّوهُ فِي مَوْضِعِهِ وَطُوبِقَ عَلَيْهِ الْحَجَرَانِ كَبَّرُوا، فَخَفَّفَ ابْنُ الزُّبَيْرِ صَلَاتَهُ، وَتَسَامَعَ النَّاسُ بِذَلِكَ، وَغَضِبَتْ فِيهِ رِجَالٌ مِنْ قُرَيْشٍ حِينَ لَمْ يُحْضِرْهُمُ ابْنُ الزُّبَيْرِ، وَقَالُوا: وَاللَّهِ لَقَدْ رُفِعَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ حِينَ بَنَتْهُ قُرَيْشٌ، فَحَكَّمُوا فِيهِ أَوَّلَ مَنْ يَدْخُلُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَابِ الْمَسْجِدِ، فَطَلَعَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَجَعَلَهُ فِي رِدَائِهِ، وَدَعَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ كُلِّ قَبِيلَةٍ مِنْ قُرَيْشٍ رَجُلًا، فَأَخَذُوا بِأَرْكَانِ الثَّوْبِ، ثُمَّ وَضَعَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي مَوْضِعِهِ. وَكَانَ الرُّكْنُ قَدْ تَصَدَّعَ مِنَ الْحَرِيقِ بِثَلَاثِ فِرَقٍ، فَانْشَظَتْ مِنْهُ شَظِيَّةٌ كَانَتْ عِنْدَ بَعْضِ آلِ شَيْبَةَ بَعْدَ ذَلِكَ بِدَهْرٍ طَوِيلٍ، فَشَدَّهُ ابْنُ الزُّبَيْرِ بِالْفِضَّةِ إِلَّا تِلْكَ الشَّظِيَّةَ مِنْ أَعْلَاهُ، مَوْضِعُهَا بَيِّنٌ فِي أَعْلَى الرُّكْنِ، وَطُولُ الرُّكْنِ ذِرَاعَانِ، قَدْ أَخَذَ عَرْضَ جِدَارِ الْكَعْبَةِ، وَمُؤَخَّرُ الرُّكْنِ دَاخِلُهُ فِي الْجَدْرِ، مُضَرَّسٌ عَلَى ثَلَاثَةِ رُؤُوسٍ، قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: فَسَمِعْتُ مَنْ يَصِفُ لَوْنَ مُؤَخَّرِهِ الَّذِي فِي الْجَدْرِ، قَالَ بَعْضُهُمْ: هُوَ مُوَرَّدٌ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: هُوَ أَبْيَضٌ. قَالُوا: وَكَانَتِ الْكَعْبَةُ يَوْمَ هَدَمَهَا ابْنُ الزُّبَيْرِ ثَمَانِيَةَ عَشَرَ ذِرَاعًا فِي السَّمَاءِ، فَلَمَّا أَنْ بَلَغَ ابْنُ الزُّبَيْرِ بِالْبِنَاءِ ثَمَانِيَةَ عَشَرَ ذِرَاعًا، قَصُرَتْ بِحَالِ الزِّيَادَةِ الَّتِي زَادَ مِنَ الْحِجْرِ فِيهَا، وَاسْتُسْمِجَ ذَلِكَ إِذْ صَارَتْ عَرِيضَةً لَا طُولَ لَهَا، فَقَالَ: قَدْ كَانَتْ قَبْلَ قُرَيْشٍ تِسْعَةَ أَذْرُعٍ حَتَّى زَادَتْ قُرَيْشٌ فِيهَا تِسْعَةَ أَذْرُعٍ طُولًا فِي السَّمَاءِ، فَأَنَا أَزِيدُ تِسْعَةَ أَذْرُعٍ أُخْرَى. فَبَنَاهَا سَبْعَةً وَعِشْرِينَ ذِرَاعًا فِي السَّمَاءِ، وَهِيَ سَبْعَةٌ وَعِشْرُونَ مِدْمَاكًا، وَعَرْضُ جِدَارِهَا ذِرَاعَانِ، وَجَعَلَ فِيهَا ثَلَاثَ دَعَائِمَ، وَكَانَتْ قُرَيْشٌ فِي الْجَاهِلِيَّةِ جَعَلَتْ فِيهَا سِتَّ دَعَائِمَ، وَأَرْسَلَ ابْنُ الزُّبَيْرِ إِلَى صَنْعَاءَ، فَأَتَى مِنْ رُخَامٍ بِهَا يُقَالُ لَهُ الْبَلَقُ، فَجَعَلَهُ فِي الرَّوَازِنِ الَّتِي فِي سَقْفِهَا لِلضَّوْءِ، وَكَانَ بَابُ الْكَعْبَةِ قَبْلَ بِنَاءِ ابْنِ الزُّبَيْرِ مِصْرَاعًا وَاحِدًا، فَجَعَلَ لَهُ ابْنُ الزُّبَيْرِ مِصْرَاعَيْنِ، طُولُهُمَا أَحَدَ عَشَرَ ذِرَاعًا مِنَ الْأَرْضِ إِلَى مُنْتَهَى أَعْلَاهُمَا الْيَوْمَ، وَجَعَلَ الْبَابَ الْآخَرَ الَّذِي فِي ظَهْرِهَا بِإِزَائِهِ عَلَى الشَّاذَرْوَانِ الَّذِي عَلَى الْأَسَاسِ مِثْلَهُ، وَجَعَلَ مِيزَابَهَا يَسْكُبُ فِي الْحِجْرِ، وَجَعَلَ لَهَا دَرَجَةً فِي بَطْنِهَا فِي الرُّكْنِ الشَّامِيِّ مِنْ خَشَبٍ مُعَرَّجَةٍ، يُصْعَدُ فِيهَا إِلَى ظَهْرِهَا، فَلَمَّا فَرَغَ ابْنُ الزُّبَيْرِ مِنْ بِنَاءِ الْكَعْبَةِ، خَلَّقَهَا مِنْ دَاخِلِهَا وَخَارِجِهَا، مِنْ أَعْلَاهَا وَأَسْفَلِهَا، وَكَسَاهَا الْقَبَاطِيَّ، وَقَالَ: مَنْ كَانَتْ لِي عَلَيْهِ طَاعَةٌ فَلْيَخْرُجْ، فَلْيَعْتَمِرْ مِنَ التَّنْعِيمِ، فَمَنْ قَدَرَ أَنْ يَنْحَرَ بَدَنَةً فَلْيَفْعَلْ، وَمَنْ لَمْ يَقْدِرْ عَلَى بَدَنَةٍ فَلْيَذْبَحْ شَاةً، وَمَنْ لَمْ يَقْدِرْ فَلْيَتَصَدَّقْ بِقَدْرِ طُولِهِ. وَخَرَجَ مَاشِيًا، وَخَرَجَ النَّاسُ مَعَهُ مُشَاةً، حَتَّى اعْتَمَرُوا مِنَ التَّنْعِيمِ؛ شُكْرًا لِلَّهِ سُبْحَانَهُ، وَلَمْ يُرَ يَوْمٌ كَانَ أَكْثَرَ عَتِيقًا، وَلَا أَكْثَرَ بَدَنَةً مَنْحُورَةً، وَلَا شَاةً مَذْبُوحَةً، وَلَا صَدَقَةً مِنْ ذَلِكَ الْيَوْمِ، وَنَحَرَ ابْنُ الزُّبَيْرِ مِائَةَ بَدَنَةٍ، فَلَمَّا طَافَ بِالْكَعْبَةِ اسْتَلَمَ الْأَرْكَانَ الْأَرْبَعَةَ جَمِيعًا، وَقَالَ: إِنَّمَا كَانَ تَرْكُ اسْتِلَامِ هَذَيْنِ الرُّكْنَيْنِ الشَّامِيِّ وَالْغَرْبِيِّ؛ لِأَنَّ الْبَيْتَ لَمْ يَكُنْ تَامًّا. فَلَمْ يَزَلِ الْبَيْتُ عَلَى بِنَاءِ ابْنِ الزُّبَيْرِ، إِذَا طَافَ بِهِ الطَّائِفُ اسْتَلَمَ الْأَرْكَانَ جَمِيعًا، وَيَدْخُلُ الْبَيْتَ مِنْ هَذَا الْبَابِ، وَيَخْرُجُ مِنَ الْبَابِ الْغَرْبِيِّ، وَأَبْوَابُهُ لَاصِقَةٌ بِالْأَرْضِ، حَتَّى قُتِلَ ابْنُ الزُّبَيْرِ رَحِمَهُ اللَّهُ، وَدَخَلَ الْحَجَّاجُ مَكَّةَ، فَكَتَبَ إِلَى عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مَرْوَانَ: إِنَّ ابْنَ الزُّبَيْرِ زَادَ فِي الْبَيْتِ مَا لَيْسَ مِنْهُ، وَأَحْدَثَ فِيهِ بَابًا آخَرَ. فَكَتَبَ إِلَيْهِ يَسْتَأْذِنُهُ فِي رَدِّ الْبَيْتِ عَلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، فَكَتَبَ إِلَيْهِ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ مَرْوَانَ أَنْ سُدَّ بَابَهَا الْغَرْبِيَّ الَّذِي كَانَ فَتْحَ ابْنُ الزُّبَيْرِ، وَاهْدِمْ مَا كَانَ زَادَ فِيهَا مِنَ الْحَجَرِ، وَاكْبِسْهَا بِهِ عَلَى مَا كَانَتْ عَلَيْهِ. فَهَدَمَ الْحَجَّاجُ مِنْهَا سِتَّةَ أَذْرُعٍ وَشِبْرًا مِمَّا يَلِي الْحَجَرَ، وَبَنَاهَا عَلَى أَسَاسِ قُرَيْشٍ الَّذِي كَانَتِ اسْتَقْصَرَتْ عَلَيْهِ، وَكَبَسَهَا بِمَا هَدَمَ مِنْهَا، وَسَدَّ الْبَابَ الَّذِي فِي ظَهْرِهَا، وَتَرَكَ سَائِرَهَا لَمْ يُحَرِّكْ مِنْهَا شَيْئًا، فَكُلُّ شَيْءٍ فِيهَا الْيَوْمَ بِنَاءُ ابْنِ الزُّبَيْرِ إِلَّا الْجَدْرَ الَّذِي فِي الْحِجْرِ، فَإِنَّهُ بِنَاءُ الْحَجَّاجِ. وَسَدَّ الْبَابَ الَّذِي فِي ظَهْرِهَا، وَمَا تَحْتَ عَتَبَةِ الْبَابِ الشَّرْقِيِّ الَّذِي يُدْخَلُ مِنْهُ الْيَوْمَ إِلَى الْأَرْضِ أَرْبَعَةُ أَذْرُعٍ وَشِبْرٌ، كُلُّ هَذَا بِنَاءُ الْحَجَّاجِ، وَالدَّرَجَةُ الَّتِي فِي بَطْنِهَا الْيَوْمَ وَالْبَابَانِ اللَّذَانِ عَلَيْهَا الْيَوْمَ هُمَا أَيْضًا مِنْ عَمَلِ الْحَجَّاجِ، فَلَمَّا فَرَغَ الْحَجَّاجُ مِنْ هَذَا كُلِّهِ، وَفَدَ بَعْدَ ذَلِكَ الْحَارِثُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي رَبِيعَةَ الْمَخْزُومِيُّ عَلَى عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مَرْوَانَ، فَقَالَ لَهُ عَبْدُ الْمَلِكِ: مَا أَظُنُّ أَبَا خُبَيْبٍ - يَعْنِي ابْنَ الزُّبَيْرِ - سَمِعَ مِنَ عَائِشَةَ مَا كَانَ يَزْعُمُ أَنَّهُ سَمِعَ مِنْهَا فِي أَمْرِ الْكَعْبَةِ. فَقَالَ الْحَارِثُ: أَنَا سَمِعْتُهُ مِنْ عَائِشَةَ. قَالَ: سَمِعْتَهَا تَقُولُ مَاذَا؟
أخبار مكة للأزرقي · Hadith 234
Translated by Dr. Muhammad Muhsin Khan · Reviewed by Islamic University of Madinah · Published March 2020
