قَالَ: فَلَمَّا حَازَتْ خُزَاعَةُ أَمْرَ مَكَّةَ وَصَارُوا أَهْلَهَا، جَاءَهُمْ بَنُو إِسْمَاعِيلَ، وَقَدْ كَانُوا اعْتَزَلُوا حَرْبَ جُرْهُمٍ وَخُزَاعَةَ، فَلَمْ يَدْخُلُوا فِي ذَلِكَ، فَسَأَلُوهُمُ السُّكْنَى مَعَهُمْ وَحَوْلَهُمْ، فَأَذِنُوا لَهُمْ، فَلَمَّا رَأَى ذَلِكَ مُضَاضُ بْنُ عَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ، وَقَدْ كَانَ أَصَابَهُ مِنَ الصَّبَابَةِ إِلَى مَكَّةَ مَا أَحْزَنَهُ، أَرْسَلَ إِلَى خُزَاعَةَ يَسْتَأْذِنُهَا فِي الدُّخُولِ عَلَيْهِمْ وَالنُّزُولِ مَعَهُمْ بِمَكَّةَ فِي جِوَارِهِمْ، وَمَتَّ إِلَيْهِمْ بِرَأْيِهِ وَتَوْرِيعِهِ قَوْمَهُ عَنِ الْقِتَالِ وَسُوءِ السِّيرَةِ فِي الْحَرَمِ وَاعْتِزَالِهِ الْحَرْبَ، فَأَبَتْ خُزَاعَةُ أَنْ تُقَرِّرَهُمْ، وَنَفَتْهُمْ عَنِ الْحَرَمِ كُلِّهِ، وَلَمْ يَتْرُكُوهُمْ يَنْزِلُونَ مَعَهُمْ، فَقَالَ عَمْرُو بْنُ لُحَيٍّ - وَهُوَ رَبِيعَةُ بْنُ حَارِثَةَ بْنِ عَمْرِو بْنِ عَامِرٍ - لِقَوْمِهِ: مَنْ وَجَدَ مِنْكُمْ جُرْهُمِيًّا قَدْ قَارَبَ الْحَرَمَ فَدَمُهُ هَدَرٌ. فَنَزَعَتْ إِبِلٌ لِمُضَاضِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ بْنِ مُضَاضِ بْنِ عَمْرٍو الْجُرْهُمِيِّ مِنْ قَنَوْنَا تُرِيدُ مَكَّةَ، فَخَرَجَ فِي طَلَبِهَا حَتَّى وَجَدَ أَثَرَهَا قَدْ دَخَلَتْ مَكَّةَ، فَمَضَى عَلَى الْجِبَالِ مِنْ نَحْوِ أَجْيَادٍ حَتَّى ظَهَرَ عَلَى أَبِي قُبَيْسٍ يَتَبَصَّرُ الْإِبِلَ فِي بَطْنِ وَادِي مَكَّةَ، فَأَبْصَرَ الْإِبِلَ تُنْحَرُ وَتُؤْكَلُ، لَا سَبِيلَ لَهُ إِلَيْهَا، فَخَافَ إِنْ هَبَطَ الْوَادِيَ أَنْ يُقْتَلَ، فَوَلَّى مُنْصَرِفًا إِلَى أَهْلِهِ، وَأَنْشَأَ يَقُولُ: [البحر الطويل] كَأَنْ لَمْ يَكُنْ بَيْنَ الْحَجُونِ إِلَى الصَّفَا ... أَنِيسٌ وَلَمْ يَسْمُرْ بِمَكَّةَ سَامِرُ وَلَمْ يَتَرَبَّعْ وَاسِطًا فَجَنُوبَهُ ... إِلَى الْمُنْحَنَا مِنْ ذِي الْأَرَاكَةِ حَاضِرُ بَلَى نَحْنُ كُنَّا أَهْلَهَا فَأَزَالَنَا ... صُرُوفُ اللَّيَالِي وَالْجُدُودُ الْعَوَاثِرُ وَبَدَّلَنَا رَبِّي بِهَا دَارَ غُرْبَةٍ ... بِهَا الذِّيبُ يَعْوِي وَالْعَدُوُّ الْمُحَاصِرُ فَإِنْ تَمِلِ الدُّنْيَا عَلَيْنَا بِكُلِّهَا ... وَتُصْبِحُ حَالٌ بَعْدَنَا وَتَشَاجُرُ فَكُنَّا وُلَاةَ الْبَيْتِ مِنْ بَعْدِ نَابِتٍ ... نَطُوفُ بِهَذَا الْبَيْتِ وَالْخَيْرُ ظَاهِرُمَلَكْنَا فَعَزَّزْنَا فَأَعْظِمْ بِمُلْكِنَا ... فَلَيْسَ لِحَيٍّ غَيْرِنَا ثَمَّ فَاخِرُ فَأَنْكَحَ جَدِّي خَيْرَ شَخْصٍ عَلِمْتُهُ ... فَأَبْنَاؤُهُ مِنَّا وَنَحْنُ الْأَصَاهِرُ فَإِنْ تَنْثَنِي الدُّنْيَا عَلَيْنَا بِحَالِهَا ... فَإِنَّ لَهَا حَالًا وَفِيهَا التَّشَاجُرُ فَأَخْرَجَنَا مِنْهَا الْمَلِيكُ بِقُدْرَةٍ ... كَذَلِكَ بَيْنَ النَّاسِ تَجْرِي الْمَقَادِرُ أَقُولُ إِذَا نَامَ الْخَلِيُّ وَلَمْ أَنَمْ ... إِذَا الْعَرْشُ لَا يَبْقَى سُهَيْلٌ وَعَامِرُ وَبُدِّلْتُ مِنْهُمْ أَوْجُهًا لَا أُحِبُّهَا ... وَحِمْيَرُ قَدْ بُدِّلْتُهَا وَالْيَحَابِرُ وَصِرْنَا أَحَادِيثًا وَكُنَّا بِغِبْطَةٍ ... كَذَلِكَ عَضَّتْنَا السِّنُونَ الْغَوَابِرُ فَسَحَّتْ دُمُوعُ الْعَيْنِ تَبْكِي ... لِبَلْدَةٍ بِهَا حَرَمٌ أَمْنٌ وَفِيهَا الْمَشَاعِرُ بِوَادٍ أَنِيسٍ لَيْسَ يُؤْذِي حَمَامَةً ... وَلَا مُنْفِرًا يَوْمًا وَفِيهَا الْعَصَافِرُ وَفِيهَا وُحُوشٌ لَا تُرَامُ أَنِيسَةٌ ... إِذَا خَرَجَتْ مِنْهَا فَمَا أَنْ تُغَادِرُ فَيَا لَيْتَ شِعْرِي هَلْ تُعَمَّرُ بَعْدَنَا ... جِيَادٌ فَمَمْضَى سَيْلِهِ فَالظَّوَاهِرُ فَبَطْنُ مِنًى وَحْشٌ كَأَنْ لَمْ يَسِرْ بِهِ ... مُضَاضٌ وَمِنْ حُبِّي عَدِيًّا عَمَايِرُ وَقَالَ أَيْضًا: [البحر البسيط] يَا أَيُّهَا الْحَيُّ سِيرُوا إِنَّ قَصْرَكُمُ ... أَنْ تُصْبِحُوا ذَاتَ يَوْمٍ لَا تَسِيرُونَا إِنَّا كَمَا كُنْتُمُ كُنَّا فَغَيَّرَنَا ... دَهْرٌ فَسَوْفَ كَمَا صِرْنَا تَصِيرُونَا حُثُّوا الْمَطِيَّ وَأَرْخُوا مِنْ أَزِمَّتِهَا ... قَبْلَ الْمَمَاتِ وَقَضُّوا مَا تُقَضُّونَا قَدْ مَالَ دَهْرٌ عَلَيْنَا ثُمَّ أَهْلَكَنَا ... بِالْبَغْيِ فِيهِ وَبِرَّ النَّاسِ نَاسُونَا إِنَّ التَّفَكُّرَ لَا يُجْدِي بِصَاحِبِهِ ... عِنْدَ الْبَدِيهَةِ فِي عِلْمٍ لَهُ دُونَا قَضُّوا أُمُورَكُمُ بِالْحَزْمِ إِنَّ لَهَا ... أُمُورَ رُشْدٍ رَشَدْتُمْ ثُمَّ مَسْنُونَا وَاسْتَخْبِرُوا فِي صَنِيعِ النَّاسِ قَبْلَكُمُ ... كَمَا اسْتَبَانَ طَرِيقٌ عِنْدَهُ الْهُونَا كُنَّا زَمَانًا مُلُوكَ النَّاسِ قَبْلَكُمُ ... بِمَسْكَنٍ فِي حَرَامِ اللَّهِ مَسْكُونَا
أخبار مكة للأزرقي · Hadith 138
Translated by Dr. Muhammad Muhsin Khan · Reviewed by Islamic University of Madinah · Published March 2020
