60 - سَمِعْتُ أَبَا بَكْرٍ بْنَ الْأَنْبَارِيِّ النَّحْوِيَّ، يَقُولُ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ} [القيامة: 22]، وَلَوْ كَانَ بِمَعْنَى مُنْتَظَرَةٍ مَا جَازَ أَنْ تَكُونَ نَاضِرَةً؛ لِأَنَّ الْمُنْتَظِرَ عَلَى وَجْهِهِ الْحُزْنُ؛ لِأَنَّهُ مُتَوَقِّعٌ شَيْئًا لَمْ يَحْصُلْ لَهُ، وَالنَّاضِرَةَ مُسْفِرَةٌ، مُشْرِقَةٌ، ضَاحِكَةٌ، مُسْتَبْشِرَةٌ وَوَجْهٌ آخَرُ أَنَّهُ لَوْ أَرَادَ بِالنَّاظِرَةِ: مُنْتَظَرَةً، كَانَ يَقُولُ: لِرَبِّهَا نَاظِرَةٌ، وَلَمْ يَقُلْ: إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ. وَقَالَتِ الْجَهْمِيَّةُ: مَعْنَى قَوْلِهِ تَعَالَى: {مَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ اللَّهِ} [العنكبوت: 5]، وَ {مَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ}، إِنَّمَا هُوَ كَمَا تَقُولُ: لَقِيتُ خَيْرًا، وَلَقِيتُ مِنْ فُلَانٍ شَرًّا، وَكَمَا قَالَ مُوسَى: {لَقَدْ لَقِينَا مِنْ سَفَرِنَا هَذَا نَصَبًا} [الكهف: 62][ص:75] وَهَذَا كُلُّهُ تَأْوِيلٌ تَأَوَّلَتْهُ الْجَهْمِيَّةُ عَلَى غَيْرِ أَصْلٍ، وَلَا عِلْمٍ بِفَصِيحِ اللِّسَانِ، يُلْبِسُونَ بِذَلِكَ عَلَى أَهْلِ الْجَهْلِ، وَيُمَوِّهُونَ عَلَى مَنْ لَا عِلْمَ عِنْدَهُ، وَقَدْ فَرَّقَ اللَّهُ بَيْنَ مَا قَالُوهُ وَتَأَوَّلُوهُ، وَبَيْنَ مَا قُلْنَا، أَلَا تَرَى أَنَّكَ تَقُولُ: لَقِيتُ مِنْكَ، وَلَقِيتُ مِنْ فُلَانٍ خَيْرًا، فَإِذَا دَخَلَتْ (مِنْ) جَازَ أَنْ يَكُونَ كَمَا تَأَوَّلُوهُ، فَإِذَا أَرَدْتَ لِقَاءَ النَّظَرِ لَمْ يَجُزْ أَنْ يَكُونَ فِيهَا (مِنْ)، فَإِذَا قُلْتَ لَقِيتُ فُلَانًا وَلَقِيتُكَ، كَانَ ذَلِكَ بِمَعْنَى اللِّقَاءِ وَالنَّظَرِ لَا غَيْرَ، وَكَذَلِكَ قَالَ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ: {لَقَدْ لَقِينَا مِنْ سَفَرِنَا هَذَا نَصَبًا} [الكهف: 62]، أَدْخَلَ فِيهَا (مِنْ)، وَلَيْسَ فِيمَا احْتَجَجْنَا بِهِ مِنْ لِقَاءِ اللَّهِ (مِنْ). قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {مَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ اللَّهِ} [العنكبوت: 5]، {فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ} [الكهف: 110]، وَقَالَ تَعَالَى: {تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلَامٌ} [الأحزاب: 44]
الإبانة الكبرى لابن بطة · Hadith 2575
Translated by Dr. Muhammad Muhsin Khan · Reviewed by Islamic University of Madinah · Published March 2020
