1105) وَذكر بعده من حَدِيث جَابر بن عبد الله، قَالَ: " بعث رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - سَرِيَّة كنت فِيهَا، فأصابتنا ظلمَة فَذكر مثله بِمَعْنَاهُ، وَزَاد: " فَلم يَأْمُرنَا بِالْإِعَادَةِ ". وَقَالَ: " قد أجزأتكم صَلَاتكُمْ ". ثمَّ قَالَ: وَفِي إِسْنَاده اخْتِلَاف، وَضَعفه الدَّارَقُطْنِيّ. انْتهى مَا ذكر. فَاعْلَم أَن هَذَا الْخَبَر غير مُبين الْعلَّة، وَهُوَ أَيْضا ملفق من متنين، على مَا بَيناهُ فِيمَا تقدم فِي بَاب الْأَحَادِيث الْمُغيرَة بالْعَطْف أَو الإرداف. ونزيد ذَلِك الْآن بَيَانا - لاحتياجنا هُنَا إِلَى شرح الْعلَّة - فَنَقُول: إِن الحَدِيث الَّذِي فِيهِ: " فَلم يَأْمُرنَا بِالْإِعَادَةِ " وَقَالَ: " قد أجزأتكم صَلَاتكُمْ "، غير الحَدِيث الَّذِي فِيهِ: " بعث رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - سَرِيَّة كنت فِيهَا "، وَلم يذكر ذَلِك فِي سَرِيَّة، بل فِي غزَاة من غزوات رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -. وَعلة أَحدهمَا غير عِلّة الآخر، ويتبين هَذَا بإيرادهما بنصيهما. قَالَ الدَّارَقُطْنِيّ: حَدثنَا إِسْمَاعِيل بن عَليّ، أَبُو مُحَمَّد، قَالَ: حَدثنَا الْحسن بن عَليّ بن شبيب قَالَ: حَدثنَا أَحْمد بن عبيد الله بن الْحسن الْعَنْبَري قَالَ: وجدت فِي كتاب أبي، حَدثنَا عبد الْملك الْعَرْزَمِي، عَن عَطاء / عَن جَابر قَالَ: بعث رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - سَرِيَّة كنت فِيهَا، فأصابتنا ظلمَة، فَلم نَعْرِف الْقبْلَة، فَقَالَت طَائِفَة منا: قد عرفنَا الْقبْلَة، هِيَ هَاهُنَا قبل الشمَال، فصلوا وخطوا خطا، وَقَالَ بَعْضنَا: الْقبْلَة هَاهُنَا قبل الْجنُوب، وخطوا خطا، فَلَمَّا أَصْبحُوا، وطلعت الشَّمْس، أَصبَحت تِلْكَ الخطوط لغير الْقبْلَة، فَلَمَّا قَفَلْنَا من سفرنا، سَأَلنَا النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - عَن ذَلِك، فَسكت، وَأنزل الله تَعَالَى: {وَللَّه الْمشرق وَالْمغْرب فأينما توَلّوا فثم وَجه الله} أَي حَيْثُ كُنْتُم. هَذَا حَدِيث قَائِم بِنَفسِهِ، علته الِانْقِطَاع فِيمَا بَين أَحْمد بن عبيد الله بن الْحسن الْعَنْبَري، وَأَبِيهِ، وَالْجهل بِحَال أَحْمد الْمَذْكُور، وَمَا مس بِهِ أَيْضا عبيد الله بن الْحسن الْعَنْبَري من الْمَذْهَب، على مَا ذكر ابْن أبي خَيْثَمَة وَغَيره. ثمَّ قَالَ الدَّارَقُطْنِيّ: قرئَ على عبد الله بن مُحَمَّد بن عبد الْعَزِيز، وَأَنا أسمع، حَدثكُمْ دَاوُد بن عَمْرو قَالَ: حَدثنَا مُحَمَّد بن يزِيد الوَاسِطِيّ، عَن مُحَمَّد بن سَالم، عَن عَطاء، عَن جَابر، قَالَ: كُنَّا مَعَ رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - / فِي مسير أَو سير، فأصابنا غيم، فتحيرنا، فاختلفنا فِي الْقبْلَة، فصلى كل رجل منا على حِدة، وَجعل أَحَدنَا يخط بَين يَدَيْهِ، لنعلم أمكنتنا، فَذَكرنَا ذَلِك لرَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -، فَلم يَأْمُرنَا بِالْإِعَادَةِ، وَقَالَ: " قد أجزأتكم صَلَاتكُمْ ". قَالَ الدَّارَقُطْنِيّ: كَذَا قَالَ: عَن مُحَمَّد بن سَالم، وَغَيره قَالَ: عَن مُحَمَّد بن يزِيد، عَن مُحَمَّد بن عبيد الله الْعَرْزَمِي، عَن عَطاء، وهما ضعيفان. انْتهى كَلَام الدَّارَقُطْنِيّ. فَهَذَا كَمَا ترى حَدِيث آخر فِي غَزْوَة من غزوات رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - حضرها جَابر، وَقد يُمكن الْجمع بَين الرِّوَايَتَيْنِ لَو صحتا، بِأَن يُقَال: إِن السّريَّة كَانَت جَرِيدَة جردها رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - من الْعَسْكَر، فَمر فِيهَا جَابر، واعتراهم مَا ذكر، وَلما قَفَلُوا مِنْهَا إِلَى عَسْكَر رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -، سَأَلُوهُ. أَو تكون الجريدة لم تَجْتَمِع مَعَ النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - إِلَّا فِي الْمَدِينَة، حَتَّى يكون / قَوْله: " كُنَّا مَعَ رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - "، وَقَوله: " بعث رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - سَرِيَّة كنت فِيهَا " صَادِقين. ولكنهما لم يصحا. أما الأولى: فقد ذكرنَا علتها، وَأما هَذِه فعلتها ضعف راوييها عَن عَطاء، وهما: مُحَمَّد بن سَالم، وَمُحَمّد بن عبيد الله الْعَرْزَمِي. وَأَبُو مُحَمَّد - رَحمَه الله - لفق المتنين، وَضعف مَا لفق من ذَلِك، كَأَنَّهُ بعلة وَاحِدَة، وَالْأَمر فِيهِ على مَا أَخْبَرتك فاعلمه.
بيان الوهم والإيهام في كتاب الأحكام · Hadith 1105
Translated by Dr. Muhammad Muhsin Khan · Reviewed by Islamic University of Madinah · Published March 2020
