2721) " مَا وقى الرجل بِهِ عرضه فَهُوَ صَدَقَة ". ثمَّ اسْتمرّ عمله فِي كِتَابه كُله على مُخَالفَة هَذَا الأَصْل، فَلم يتَجَنَّب شَيْئا من أَحَادِيثهم من غير اعْتِبَار فِي أحدهم " حَدثنَا " أَو " عَن "، بل أَكثر ذَلِك مُعَنْعَن. وَلم أتعرض هُنَا لذكر مَا وَقع لَهُ من ذَلِك لكثرته، بِحَيْثُ نكر بِذكرِهِ - لَو تعرضنا لَهُ - على الْكتاب كُله، وَلِأَنَّهُ سهل عَلَيْك الْوُقُوف عَلَيْهِ، فَإنَّك إِذا أخذت حَدِيثا مِمَّا سكت عَنهُ مصححاً لَهُ، وَنظرت إِسْنَاده فِي الْموضع الَّذِي نَقله مِنْهُ، وَلَو كَانَ كتاب البُخَارِيّ أَو مُسلم، لم تعدم أَن يكون من رِوَايَة سُفْيَان الثَّوْريّ، أَو سُفْيَان بن عُيَيْنَة، أَو ابْن جريح، أَو هشيم، أَو قَتَادَة، أَو أبي إِسْحَاق، أَو يحيى بن أبي كثير، وَمن لَا أحصيهم كَثْرَة. وفشو التَّدْلِيس فيهم، وعملهم بِهِ، أشهر وَأكْثر من أَن نعرض لَهُ، وَلَقَد ظن بِمَالك على بعده مِنْهُ عمله. وَقد قَالَ الدَّارَقُطْنِيّ: إِن مَالِكًا مِمَّن عمل بِهِ. وَلَيْسَ عَيْبا عِنْدهم، وَإِنَّمَا هُوَ الْإِرْسَال، لَكِن عَمَّن قد لقِيه. وَلَقَد غلا شُعْبَة حَتَّى قَالَ: كَانَ أَبُو هُرَيْرَة يُدَلس، ذكر ذَلِك عَنهُ أَبُو أَحْمد. وَهَذَا مِمَّا لَا يَنْبَغِي إِطْلَاقه فِي حق الصَّحَابَة رضى الله عَنْهُم وَإِنَّمَا يَعْنِي أَنه قد روى عَن النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - أَحَادِيث خرج مِنْهُ بعد [المباحثة أَنه لم يسمع مِنْهُ] بَعْضهَا. وَقد صرح فِي حَدِيث بِأَن الَّذِي أخبرهُ بِهِ [هُوَ الْفضل بن عَبَّاس. وَكَذَلِكَ أَحَادِيث] ابْن عَبَّاس بِهَذِهِ السَّبِيل إِلَّا ثَمَانِيَة عشر حَدِيثا، وَقد بوحث فِي حَدِيث، فَأخْبر أَن الَّذِي أخبرهُ بِهِ هُوَ أَخُوهُ الْفضل. وَمثل هَذَا التَّدْلِيس، هُوَ الْجَائِز بِلَا ريب، أَن يكون المطوي ذكره من لَا شكّ فِي عَدَالَته. وكل من دلّس من الْأَئِمَّة، فَإِنَّهُ كَانَ يتحَرَّى الصدْق، وَيُصَرح بِالَّذِي حَدثهُ بِهِ إِذا بوحث. قيل لِابْنِ عُيَيْنَة فِي حَدِيث رَوَاهُ لَهُم عَن الزُّهْرِيّ: سمعته مِنْهُ. قَالَ: لَا، قيل: فَمن معمر عَنهُ. قَالَ: لَا، حَدثنِي بِهِ عبد الرَّزَّاق، عَن معمر، عَن الزُّهْرِيّ. وَقد رَآهُ قوم محرما، كَانَ شُعْبَة يَقُول: لِأَن أزني أحب أَلِي من أَن أدلس. وَقيل لِابْنِ الْمُبَارك: فلَان يُدَلس، فَقَالَ: دلّس للنَّاس أَحَادِيثهم، وَالله لَا يقبل تدليساً وَالصَّوَاب التَّفْصِيل الَّذِي ذَكرْنَاهُ، وَلَا أخص بِهِ التَّدْلِيس، فَإِن الْمُرْسل لَو طوى ذكر من هُوَ ثِقَة بِلَا خلاف، لم يكن بِفِعْلِهِ هَذَا آثِما، وَإِن اخْتلف فِي الِاحْتِجَاج بالمرسل. وَإِن طوى ذكر مُتَّفق على ضعفه، فَهَذِهِ جرحة فِيهِ، لِأَنَّهُ يدس فِي الدَّين الْبَاطِل، فَهُوَ بِمَثَابَة من يضع حَدِيثا، أَو يُبدل ضَعِيفا بِثِقَة، فَهُوَ كالمدلس سَوَاء، لَا فرق بَينهمَا. وَمن ثَبت عَلَيْهِ شَيْء من ذَلِك، كَانَت جرحه فِيهِ، كحجاج بن أَرْطَأَة، فَإِنَّهُ كَانَ يُدَلس عَن الضُّعَفَاء، وَقد يكون من هَؤُلَاءِ من لَا يسْقط اسْم شَيْخه الضَّعِيف، لكنه يُغير اسْمه الْمَشْهُور بأخفى مِنْهُ، كي يخفي أمره. وَالْحكم فيهمَا وَاحِد، وَعَسَى أَن لَا يَصح على ابْن جريح هَذَا الْعَمَل، وَإِن كَانَ قد نسب إِلَيْهِ فِي أَحَادِيث أَنه أَخذهَا عَن ابْن أبي يحيى، يُغير اسْمه، أَو أسْقطه. وَأما البُخَارِيّ رَحمَه الله فَذَلِك عَنهُ بَاطِل، وَلم يَصح قطّ عَنهُ، وَإِنَّمَا هِيَ تخيلات عَلَيْهِ أَنه كَانَ يكنى عَن مُحَمَّد بن يحيى الذهلي لما توقف. وَمن تِلْكَ الْأَحْوَال أَحْوَال المسوين، والتسوية نوع من أَنْوَاع التَّدْلِيس، إِنَّمَا هِيَ [أَن يسْقط شيخ شَيْخه الضعْف، وَيجْعَل الحَدِيث عَن] شَيْخه. كَانَ الْوَلِيد بن مُسلم فِيمَا [ذكر أَبُو مسْهر يُدَلس فِي أَحَادِيث الْأَوْزَاعِيّ، فيروي] عَن الْأَوْزَاعِيّ، عَن شيخ للأوزاعي، فَيسْقط الرجل الَّذِي عَنهُ رَوَاهُ الْأَوْزَاعِيّ ويعنعنه عَن الْأَوْزَاعِيّ عَن شيخ ذَلِك الْمسْقط الَّذِي هُوَ شيخ الْأَوْزَاعِيّ أَيْضا. مِثَاله أَن، يعمد إِلَى حَدِيث يرويهِ الْأَوْزَاعِيّ، عَن شيخ ضَعِيف، عَن الزُّهْرِيّ. وَالزهْرِيّ شيخ للأوزاعي، فَيسْقط الْوَلِيد الْوَاسِطَة الضَّعِيف، الَّذِي بَين الْأَوْزَاعِيّ وَالزهْرِيّ. فَهُوَ إِذا عمل ذَلِك فِي حَدِيث نَفسه، سمي تدليساً، وَإِذا عمله فِي حَدِيث شَيْخه، سمي تَسْوِيَة. وَحكم التَّسْوِيَة حكم التَّدْلِيس سَوَاء، فِي انقسام الَّذِي أسقط إِلَى ثِقَة وَضَعِيف. وَأَبُو مُحَمَّد - رَحمَه الله - لم يعْتَبر هَذَا الْمَعْنى من أَحْوَال الروَاة، وَهُوَ فِي كثير من الْأَحَادِيث الَّتِي قد مر ذكرهَا، وَفِي كثير مِمَّا لم نعرض لَهُ كَمَا لم نعرض لأحاديث المدلسين.
بيان الوهم والإيهام في كتاب الأحكام · Hadith 2721
Translated by Dr. Muhammad Muhsin Khan · Reviewed by Islamic University of Madinah · Published March 2020
