2460) فَمن ذَلِك أَنه ذكر من طَرِيق أبي دَاوُد، عَن أبي سعيد قَالَ: سَمِعت رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - يَقُول: " لَا يخرج الرّجلَانِ يضربان الْغَائِط، كاشفين عَن عورتهما يتحدثان، فَإِن الله يمقت على ذَلِك ". ثمَّ قَالَ: لم يسند هَذَا الحَدِيث غير عِكْرِمَة بن عمار، وَقد اضْطربَ فِيهِ، انْتهى مَا ذكر. وَقد نبهنا على أَمر هَذَا الحَدِيث بِبَعْض القَوْل فِي بَاب الْأَحَادِيث الَّتِي أعلها بِمَا لَيْسَ بعلة، وَترك ذكر عللها على الْحَقِيقَة، وأخرنا بَيَانه وَبسط القَوْل فِيهِ إِلَى هَذَا الْموضع، وَذَلِكَ أَنه ذكر عِكْرِمَة [على أَنه علته، وَهُوَ صَدُوق لَيْسَ بِهِ بَأْس] . قَالَه ابْن معِين. وَقَالَ البُخَارِيّ: " لم يكن عِنْده كتاب ". وَلم يضرّهُ؛ ذَلِك فَإِنَّهُ كَانَ يحفظ إِلَّا أَنه غلط فِيمَا يروي عَن يحيى بن أبي كثير، وَكَانَ أَيْضا مدلساً. وبالجلمة فَلَو لم يكن بِالْحَدِيثِ إِلَّا هَذَا لم يكن معلولاً، وَإِنَّمَا علته الْكُبْرَى أَن رَاوِيه عَن أبي سعيد لَا يعرف من هُوَ، وَذَلِكَ أَنه يرويهِ عِكْرِمَة بن عمار، عَن يحيى بن أبي كثير، عَن هِلَال بن عِيَاض. وَكَذَا رَوَاهُ عَن يحيى بن أبي كثير أبان بن زيد، قَالَا جَمِيعًا: عَنهُ، عَن هِلَال بن عِيَاض. وروته جمَاعَة عَن يحيى بن أبي كثير، فَقَالَت: عِيَاض بن هِلَال، كَذَا رَوَاهُ عَنهُ هِشَام الدستوَائي، وَعلي بن الْمُبَارك وَحرب بن شَدَّاد، كلهم عكس مَا قَالَ عِكْرِمَة بن عمار وَأَبَان بن يزِيد، فَقَالُوا: عَن عِيَاض بن هِلَال. وَرَوَاهُ عَن الْأَوْزَاعِيّ، عَن يحيى بن أبي كثير، فَقَالَ: حَدثنِي عِيَاض بن أبي زُهَيْر. وَهَذَا كُله اضْطِرَاب، لكنه على يحيى بن أبي كثير لَا على عِكْرِمَة بن عمار. فَيحْتَمل أَن يكون ذَلِك من يحيى بن أبي كثير نَفسه، وَيحْتَمل أَن يكون من أَصْحَابه الْمُخْتَلِفين عَلَيْهِ، فَقَوْل أبي مُحَمَّد: " لم يسند هَذَا الحَدِيث غير عِكْرِمَة بن عمار، وَقد اضْطربَ فِيهِ " يَنْبَغِي أَن يكون ضَبطه " اضْطِرَاب " مَبْنِيا لما لم يسم فَاعله، فَإِنَّهُ إِن أسْند الْفِعْل إِلَى عِكْرِمَة بن عمار كَانَ خطأ، وَيحيى بن أبي كثير أحد الْأَئِمَّة، وَلَكِن هَذَا الرجل الَّذِي أَخذ عَنهُ هَذَا الحَدِيث هُوَ من لَا يعرف، وَلَا يحصل من أمره شَيْء. وَهَكَذَا هُوَ عِنْد مصنفي الروَاة لم يعرفوا مِنْهُ بِزِيَادَة على هَذَا. وَلِلْحَدِيثِ مَعَ ذَلِك عِلّة أُخْرَى، وَهِي اضْطِرَاب مَتنه. وَبَيَان ذَلِك، هُوَ أَن ابْن مهْدي رَوَاهُ عَن عِكْرِمَة بن عمار، فَقَالَ فِي لَفظه مَا تقدم: " جلّ المقت على التكشف والتحدث فِي حَال قَضَاء الْحَاجة ". وَرَوَاهُ بَعضهم أَيْضا: " فَجعل المقت [ ... . وَفِي نَظَرِي أَن هَذَا قد] كَانَ يتَكَلَّف جَمِيعه لَو كَانَ راوية مُعْتَمدًا [ ... .] حَدثنَا مُحَمَّد بن إِسْمَاعِيل، حَدثنَا أَبُو حُذَيْفَة، حَدثنَا عِكْرِمَة بن عمار، عَن يحيى بن أبي كثير، عَن هِلَال بن عِيَاض، عَن أبي سعيد قَالَ: " نهى رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - الرجلَيْن أَن يقعدا جَمِيعًا يتبرزا، ينظر أَحدهمَا إِلَى عَورَة صَاحبه، فَإِن الله تبَارك وَتَعَالَى يمقت على هَذَا ". هَذِه رِوَايَة أبي حُذَيْفَة عَن عِكْرِمَة، جعل التوعد فِيهَا على التكشف وَالنَّظَر، وَلم يذكر التحدث. وَقَالَ أَبُو بشر الدولابي: حَدثنَا أَحْمد بن حَرْب الطَّائِي، حَدثنَا الْقَاسِم بن يزِيد، حَدثنَا سُفْيَان، عَن عِكْرِمَة بن عمار، عَن يحيى بن أبي كثير، عَن عِيَاض، عَن أبي سعيد الْخُدْرِيّ قَالَ: " نهى رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - المتغوطين أَن يتحدثا، إِن الله يمقت على ذَلِك ". فالتوعد فِي هَذَا الحَدِيث على التحدث فَحسب. واضطرابه دَلِيل سوء حَال رَاوِيه، وَقلة تَحْصِيله، فَكيف وَهُوَ من لَا يعرف؟ ! والآن فقد بلغنَا إِلَى الْغَرَض الْمَقْصُود، وَهُوَ أَن للْحَدِيث طَرِيقا جيدا غير هَذَا. قَالَ أَبُو عَليّ بن السكن: حَدثنَا يحيى بن مُحَمَّد بن صاعد، حَدثنَا الْحسن ابْن أَحْمد بن أبي شُعَيْب الْحَرَّانِي، حَدثنَا مِسْكين بن بكير، عَن الْأَوْزَاعِيّ، عَن يحيى بن أبي كثير، عَن مُحَمَّد بن عبد الرَّحْمَن، عَن جَابر بن عبد الله، قَالَ: قَالَ رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - " إِذا تغوط الرّجلَانِ فليتوار كل وَاحِد مِنْهُمَا عَن صَاحبه، وَلَا يتحدثان على طوقهما، فَإِن الله يمقت على ذَلِك ". قَالَ ابْن السكن: رَوَاهُ عِكْرِمَة بن عمار، عَن يحيى بن أبي كثير، عَن هِلَال بن عِيَاض، عَن أبي سعيد، عَن النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -، وَأَرْجُو أَن يَكُونَا صَحِيحَيْنِ. انْتهى كَلَامه. وَلَيْسَ فِيهِ تَصْحِيح حَدِيث أبي سعيد الَّذِي فَرغْنَا من تَعْلِيله، وَإِنَّمَا يَعْنِي أَن الْقَوْلَيْنِ عَن يحيى بن أبي كثير صَحِيحَانِ، وَصدق فِي ذَلِك، صَحَّ عَن يحيى ابْن أبي كثير أَنه قَالَ: عَن مُحَمَّد بن عبد الرَّحْمَن عَن جَابر، أَنه قَالَ عَن عِيَاض أَو [هِلَال بن عِيَاض، عَن أبي سعيد الْخُدْرِيّ. وَلَا يُمكن أَن يصحح ابْن السكن حَدِيث أبي سعيد] أصلا، وَلَو فعل، كَانَ [ذَلِك خطأ من القَوْل، وَإِنَّمَا يَصح من حَدِيث جَابر] . وَمُحَمّد بن عبد الرَّحْمَن بن ثَوْبَان ثِقَة، وَقد صَحَّ سَمَاعه من جَابر. وَقد بَينا ذَلِك فِيمَا تقدم. ومسكين بن بكير، أَبُو عبد الرَّحْمَن الْحذاء، لَا بَأْس بِهِ، قَالَه ابْن معِين. وَهَذَا اللَّفْظ هُوَ مِنْهُ مؤنس، بَين ذَلِك بِنَفسِهِ، وَأخْبر أَنه إِذْ قَالَ فِي رجل: لَا بَأْس بِهِ، فَهُوَ عِنْده ثِقَة. وَكَذَا أَيْضا قَالَ فِيهِ أَبُو حَاتِم. وَالْحسن بن أَحْمد بن أبي شُعَيْب: أَبُو مُسلم، صَدُوق لَا بَأْس بِهِ وَسَائِر من فِي الْإِسْنَاد لَا يسْأَل عَنهُ. وَعَن يحيى بن أبي كثير فِي هَذَا الْمَعْنى غير هَذَا مِمَّا قد ذكره الدَّارَقُطْنِيّ عَنهُ فِي علله إِلَّا أَنه لم يُوصل بِهِ إِلَيْهِ الْأَسَانِيد، وَلَا حَاجَة بِنَا أَيْضا إِلَى شَيْء مِنْهُ، فَلذَلِك لم نعرض لَهُ.
بيان الوهم والإيهام في كتاب الأحكام · Hadith 2460
Translated by Dr. Muhammad Muhsin Khan · Reviewed by Islamic University of Madinah · Published March 2020
