271) وَذكر أَيْضا من طَرِيق ابْن الْأَعرَابِي، عَن زَيْنَب بنت جَابر الأحمسية، أَن رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - قَالَ لَهَا فِي امْرَأَة حجت مَعهَا مصمتة: " قولي لَهَا تَتَكَلَّم، فَإِنَّهُ لَا حج لمن لم يتَكَلَّم ". ثمَّ قَالَ: هَذَا الحَدِيث أرويه مُتَّصِلا إِلَى زَيْنَب، وَذكره أَبُو مُحَمَّد فِي كتاب الْمحلى، انْتهى كَلَامه. فَأَقُول - وَبِاللَّهِ التَّوْفِيق -: إِن هَذَا الحَدِيث لَا يُوجد مَرْفُوعا بِوَجْه من الْوُجُوه، لَا فِي الْموضع الَّذِي نَقله مِنْهُ وَلَا فِي غَيره فِي علمي، وَإِنَّمَا غلط فِيهِ أَبُو مُحَمَّد بن حزم فَتَبِعَهُ هُوَ فِي ذَلِك غير نَاظر فِيهِ وَلَا ناقل لَهُ من مَوْضِعه، وَإِنَّمَا اورد مِنْهُ مَا وَقع فِي كتاب الْمحلى، وَقد تبين ذَلِك من عمله فِي كِتَابه الْكَبِير حَيْثُ ذكر إِسْنَاده الْمُتَّصِل بِزَيْنَب كَمَا ذكر. قَالَ فِي الْكتاب الْمَذْكُور: حَدثنَا الْقرشِي، قَالَ: حَدثنَا شُرَيْح، حَدثنَا ابْن حزم، حَدثنَا مُحَمَّد بن الْحسن بن الْوَارِث الرَّازِيّ، حَدثنَا عبد الرَّحْمَن بن عمر بن مُحَمَّد بن النّحاس بِمصْر، حَدثنَا أَبُو سعيد بن الْأَعرَابِي، حَدثنَا عبيد ابْن غَنَّام بن حَفْص بن غياث النَّخعِيّ، حَدثنَا مُحَمَّد بن عبد الله بن نمير، حَدثنَا أَحْمد بن بشر، عَن عبد السَّلَام بن عبد الله بن جَابر الأحمسي، عَن أَبِيه، عَن زَيْنَب بنت جَابر الأحمسية، أَن رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - قَالَ لَهَا فِي امْرَأَة حجت مَعهَا مصمتة: " قولي لَهَا تَتَكَلَّم، فَإِنَّهُ لَا حج لمن لم يتَكَلَّم ". هَذَا نَص مَا أورد [وَهُوَ] نَص مَا أورد أَبُو مُحَمَّد فِي كتاب الْحَج من الْمحلى، فِي مَسْأَلَة أَولهَا: " كل فسوق تَعَمّده الْمحرم ذَاكِرًا لإحرامه، فقد بَطل بِهِ إِحْرَامه ". فَجَمِيع مَا ذكر أَبُو مُحَمَّد وَأَبُو مُحَمَّد رَاجع إِلَى ابْن الْأَعرَابِي، وَابْن الْأَعرَابِي إِنَّمَا ذكره فِي كِتَابه المعجم، فلنذكره كَمَا وَقع هُنَالك حَتَّى تعلم مِنْهُ أَنه / مَوْقُوف على أبي بكر رَضِي الله عَنهُ. قَالَ ابْن الْأَعرَابِي - فِي بَاب عبيد بن غَنَّام -: حَدثنَا عبيد بن غَنَّام قَالَ: حَدثنَا مُحَمَّد بن عبد الله بن نمير، قَالَ: حَدثنَا أَحْمد بن بشر، عَن عبد السَّلَام ابْن عبد الله بن جَابر الأحمسي، عَن أَبِيه، عَن زَيْنَب بنت جَابر الأحمسية قَالَت: خرجت أَنا وصاحبة لي، حجاجاً حجَّة مصمتة، فَأَتَانَا رجل بِمَكَّة / قلت: من أَنْت؟ قَالَ: أَبُو بكر، قلت: صَاحب رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -؟ قَالَ: نعم، قلت: يَا صَاحب رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - إِنَّا مَرَرْنَا بِأَقْوَام كُنَّا نغزوهم ويغزوننا، فَلم يعرضُوا لنا وَلم نعرض لَهُم، مِم ذَاك؟ قَالَ: ذَاك من قبل الْآمِر، قلت: فَمَتَى يكون ذَلِك؟ قَالَ: إِذا استقامت لكم أئمتكم، قلت: وَمَا الْأَئِمَّة؟ قَالَ: إِنَّك لسؤول، أما لكم رُؤُوس قادة؟ قلت: بلَى، قَالَ: فَإِنَّهُم أُولَئِكَ، ثمَّ قَالَ: مَا بَال صَاحبَتك لَا تكلم؟ قلت: إِنَّهَا حجت مصمتة، قَالَ قولي لَهَا: تكلم، لَا حج لمن لم يتَكَلَّم. هَذَا نَص الحَدِيث فِي كتاب ابْن الْأَعرَابِي، وَلم يتَكَرَّر لَهُ عِنْده ذكر، وَهُوَ عين الْإِسْنَاد الَّذِي أورد أَبُو مُحَمَّد. وَالْقَوْل فِيهِ إِنَّمَا هُوَ لأبي بكر، لَيْسَ فِيهِ عَن النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - حرف وَاحِد. وَزَيْنَب الأحمسية لَا أعرف احداً ذكرهَا فِي الصَّحَابَة. فَلَو كَانَ هَذَا حَدِيثا لكتبت بِهِ فِي الصحابيات، فقد كتبُوا وكتبن بأمثاله. وَالْعجب كُله سكُوت أبي مُحَمَّد عَنهُ، وَهُوَ لَا يسكت - زعم - إِلَّا عَن صَحِيح. وَلم يبرز إِسْنَاده فيتبرأ من عهدته بِذكرِهِ، ولعمر الله مَا لعبد السَّلَام بن عبد الله بن جَابر، وَلَا لِأَبِيهِ عبد الله بن جَابر، ذكر فِي شَيْء من كتب الرِّجَال، وَلَا أَعْرفهُمَا بِرِوَايَة شَيْء من الْعلم غير هَذَا، فَكيف يصحح حَدِيث بروايتهما، وَمَا هُوَ إِلَّا قلد فِيهِ أَبَا مُحَمَّد بن حزم. ويغلب على ظَنِّي أَن أَبَا مُحَمَّد بن حزم لم يَجعله حَدِيثا وَلَا صَححهُ، وَلَا الْتفت إِلَيْهِ، وَإِنَّمَا أوردهُ فِي كِتَابه على أَنه أثر كَمَا هُوَ فِي الأَصْل، لَا على أَنه خبر، وَلذَلِك لم يبال إِسْنَاده، فتصحف على الروَاة أَو النساخ فَجعل حَدِيثا عَن النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -. وَقد عهد أَبُو مُحَمَّد بن حزم يكْتب الْآثَار فِي كِتَابه من غير الْتِفَات على أسانيدها، لِأَنَّهُ لَا يحْتَج بهَا، وَإِنَّمَا يوردها مؤنساً لخصومه بِمَا وضع من مَذْهَب، وَهُوَ لَا يستوحش بعدمها، وَلِأَنَّهُ قد عَهدهم يقبلونها كَذَلِك، وَبَعْضهمْ يَرَاهَا حجَجًا، فَهُوَ يوردها لنَفسِهِ بِاعْتِبَار معتقدهم فِيهَا، وَلَا يعتمدها. وَقد يردهَا على خصومه بضعفها، لأَنهم يوردونها لَا كَمَا يوردها هُوَ لنَفسِهِ، بل محتجين بهَا، فَلذَلِك يُسَلط لَهُم عَلَيْهَا النَّقْد. وَقد غنينا بِهَذَا القَوْل عَن كتب هَذَا الحَدِيث فِي بَاب الْأَحَادِيث / الَّتِي سكت عَنْهَا مصححاً لَهَا وَلَيْسَت بصحيحة، إِذْ لَيْسَ هُوَ حَدِيثا عَن النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - فَاعْلَم ذَلِك.
بيان الوهم والإيهام في كتاب الأحكام · Hadith 271
Translated by Dr. Muhammad Muhsin Khan · Reviewed by Islamic University of Madinah · Published March 2020
