قال أبو عبيد : فقد توالت الأخبار في افتتاح الأرضين عنوة بهذين الحكمين ، أما الأول منهما فحكم رسول الله صلى الله عليه وسلم في خيبر ، وذلك أنه جعلها غنيمة فخمسها وقسمها ، وبهذا الرأي أشار بلال على عمر في بلاد الشام ، وأشار به الزبير بن العوام على عمرو بن العاص في أرض مصر ، وبهذا كان يأخذ مالك بن أنس ، كذلك يروى عنه وأما الحكم الآخر ، فحكم عمر في السواد وغيره ، وذلك أنه جعله فيئا موقوفا على المسلمين ما تناسلوا ، لم يخمسه ولم يقسمه ، وهو الذي أشار عليه علي بن أبي طالب ومعاذ بن جبل ، وبهذا كان يأخذ سفيان بن سعيد ، وهو معروف من قوله ، إلا أنه كان يقول : الخيار في أرض العنوة إلى الإمام ، إن شاء جعلها غنيمة فخمس وقسم ، وإن شاء جعلها فيئا عاما للمسلمين ، ولم يخمس ولم يقسم . قال أبو عبيد : وكلا الحكمين فيه قدوة ومتبع من الغنيمة والفيء إلا أن الذي اختار من ذلك أن يكون النظر فيه إلى الإمام ، وليس فعل النبي صلى الله عليه وسلم رادا لفعل عمر . ولكنه صلى الله عليه وسلم اتبع آية من كتاب الله فعمل بها ، واتبع عمر آية أخرى فعمل بها ، وهما آيتان محكمتان فيما ينال المسلمون من أموال المشركين ، فيصير غنيمة ، أو فيئا . قال الله تبارك وتعالى : ( واعلموا أنما غنمتم من شيء فأن لله خمسه وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل (2) ) فهذه آية الغنيمة ، وهي لأهلها دون الناس وبها عمل النبي صلى الله عليه وسلم وقال الله تعالى : ( ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى ، فلله وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين (3) ) إلى قوله : ( للفقراء المهاجرين (4) ) . ( والذين تبوءوا الدار والإيمان من قبلهم (5) ) . ( والذين جاءوا من بعدهم (6) ) فهذه آية الفيء ، وبها عمل عمر ، وإياها تأول حين ذكر الأموال وأصنافها . قال : فاستوعبت هذه الآية الناس ، وإلى هذه الآية ذهب علي ومعاذ حين أشار على عمر بما أشارا - فيما نرى - والله أعلم . وقد قال بعض الناس : إن عمر إنما فعل ما فعل بهم برضى من الذين افتتحوا الأرض واستطابت به أنفسهم ، لما كان عمر كلم به جرير بن عبد الله في أمر السواد ، وقد علمنا ما كان من كلامه إياه
الأموال لابن زنجويه · Hadith 232
Translated by Dr. Muhammad Muhsin Khan · Reviewed by Islamic University of Madinah · Published March 2020
