نا علي بن حجر، عن شريك، عن الأعمش، عن زيد بن وهب، عن عبد الله، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، بمثله.فهذه قصة هذا الخلق، سبق لهم من الله ما سبق، فقال الله تعالى في تنزيله: {إن الذين سبقت لهم منا الحسنى أولئك عنها مبعدون. لا يسمعون حسيسها وهم في ما اشتهت أنفسهم خالدون}؛ أي: في الجنة.فشكر الله لهم ما كان منهم في تلك الظلمة من الطمأنينة إلى الله في وقت مبعث محمد صلى الله عليه وسلم، وعرفه مننه عليهم، فقال: {وألزمهم كلمة التقوى}، ثم شكر لهم تقديمهم في تلك الظلمة، فأثنى عليهم، فقال: {وكانوا أحق بها وأهلها}؛ أي: أحق بهذه الكلمة، وأهلاً لهذه الكلمة؛ بما تقدم منهم، وإنما استقروا هناك في تلك الظلمة، ونطقوا؛بما نطقوا بما رش عليهم من نوره هناك، فأوجب لهم يومئذٍ محبته، وجعل لهم ذلك النور حظهم من ربهم، وأصحاب الختم لم يصبهم النور، فلم يكن لهم حظٌّ، وأصحاب القفل منهم من لا حظ له، فهو لاحق بأصحاب الختم، ومنهم من له حظ في الغيب مكنون، وحظهم أدنى الحظوظ.ألا ترى إلى قوله تعالى: {إن المنافقين في الدرك الأسفل من النار}، ثم قال: {إلا الذين تابوا وأصلحوا واعتصموا} الآية، فشرط عليهم أربع شرائط، ثم قال: {فأولئك مع المؤمنين}.ولم يقل: من المؤمنين، فهؤلاء: لاحقة بهم، فهم في عداد المؤمنين، وحظهم من المحبة قليل، وهم من أصحاب القفل، أدركتهم رحمته الواسعة، فصاروا متخلصين من النفاق، ورفع القفل عنهم حتى انفتحت عيون أفئدتهم مع هذه الشرائط الأربع:1 - التوبة إلى الله تعالى.2 - والإصلاح لما خرب من العمارة وهدم البنيان.3 - والاعتصام بالله.4 - والإخلاص لله.فحينئذٍ ألحقهم بالمؤمنين؛ ليعلم أنهم لم يكونوا من المؤمنين الذين كتب في قلوبهم الإيمان يومئذٍ بقوله: ((أنتم لي، عملتم أو لم تعملوا))، فهؤلاء يعتريهم ذلك النفاق -بعد إيمانهم- في أعمالهم، فهم الذين يدلون على الله بأعمالهم في الشريعة، ويعجبون بشأن أنفسهم، ويكبون على أحوالهم في عامة عمرهم، يتكبرون بها، ويتعالون على الخلق، ويعاملون الله في السر بخلاف العلانية، ويراؤون بأعمالهم، ويتناحرون على طلب الدنيا وجاهها وعزها، وفخرها وخيلائها، ويضاهون الله في مدائحه، والعزة لله جميعاً، والعلو لله، والكبرياء لله.فهم في شهرهم ودهرهم طالبون لعز الدنيا؛ ذهاباً بأنفسهم عن الخلق، ولعلوها؛ تعالياً عن أحوال الخلق، وتكبراً عن الانقياد للحق؛ لكبرياء نفوسهم، ساخطين لأقدار الله في الخلق، وفي أنفسهم، حاسدين لعباد الله في نعمهم، مضادين لأقضيته وتقديره وتدبيره فيهم، فهؤلاء أصحاب الأقفال الذين كانت لله فيهم مشيئة أن تدركهم رحمته وجوده؛ فإن للجود -بعد انقضاء الرحمة المئة المقسومة يوم القيامة بين أهل الجنة- عملاً وشأناً عظيماً؛ جاد الله على من بقي في النار آلافاً من السنين، وليس عنده مثقال ذرة خير، إلا توحيداً خرج له أيام دنياه من باب الجود والرحمة العظمى، وهم أصحاب الأقفال الذين كانت لله فيهم مشيئة إن أدركتهم الرحمة العظمى، فلم يبال بما صنعوا، فرفع عنه القفل في الدنيا، حتى نطقوا بالكلمة العليا، وهي كلمة التقوى، وأدخلهم الجنة بلا عمل، ولا خيرٍ قدموه، نالوا هذا من باب الجود في محل القدرة، ونال المؤمنون المحبة من الذات، وولهت قلوبهم بالذات حباً له.
نوادر الأصول في معرفة أحاديث الرسول · Hadith 1565
Translated by Dr. Muhammad Muhsin Khan · Reviewed by Islamic University of Madinah · Published March 2020
