أنا علي بن حجر، قال: أنا عثمان بن حصين بن علاق، قال: أنا عروة بن رويم، عن ابن الديلمي، قال: قلت لعبد الله بن عمرو: بلغنا أنك تقول: جف القلم بما هو كائن؟ قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ((إن الله تعالى خلق خلقه، ثم جعلهم في ظلمةٍ، ثم أخذ من نوره ما شاء، فألقاه عليهم، فأصاب النور من شاء الله أن يصيبه، وأخطأ من شاء الله أن يخطئه، فمن أصابه النور يومئذٍ، اهتدى، ومن أخطأه، ضل))، فلذلك ما أقول: ((جف القلم بما هو كائنٌ)).قال أبو عبد الله رحمه الله:فيوم المقادير خلقهم، وهم كالنجوم الدراري، ثم سلبهم الضوء، فوضعهم في تراب التربة التي أراد منها إنشاء خلق آدم، وقد طمس ضوءهم، فلبثوا في تلك الظلمة ملياً على أن قضى من المدة مقدار خمسين ألف سنة، أو نحوه، فصاروا في طول ذلك اللبث في تلك الظلمة ثلاثة أصناف:1 - فصنفٌ منهم: زعم أن الذي ملكنا لم يدم له ملكه، فعجز عنا، ولو لم يكن كذلك، لم يتركنا هاهنا كالمنسي.2 - وقال صنفٌ آخر: تركنا هاهنا، فنحن ننتظر ما يكون، وما يظهر لنا من أمره.فالأول: كفر، والثاني: نفاق وشك.3 - وقال الصنف الثالث: تركنا هاهنا، وهو دائم، ونحن له، فجعلنا حيث شاء.فأما الصنف الأول: فإنهم لما تكلموا بما ذكرنا، صارت تلك الترابية في أفواههم، وقال لهم: ما الذي رأيتم مني حتى نسبتموني إلى العجز وانقطاع الملك؟.فصارت هذه الكلمة ختماً على أفواههم على تلك الترابية، وهو قوله تعالى: {ختم الله على قلوبهم}، فالختم غير مرفوع أبداً.وأما الصنف الثاني: فشكوا، فهم في الزندقة ينتظرون ما يكون، ولم يستيقنوا، ولا استقرت قلوبهم، فتناثرت تلك الترابية عن أفواه القوم وعن قلوبهم؛ لتذبذبهم، مرة إقبالاً، ومرة إعراضاً، ومرة إقبالاً على بال النفوس، فلم يصر ختماً، ولكنه صار قفلاً، والقفل قد يرفع، وقد يفتح إن شاء، والختم لا يرفع أبداً، وذلك قوله تعالى: {أم على قلوبٍ أقفالها}.وأما الصنف الثالث: فقالوا: ربنا الذي يملكنا دائمٌ أبداً، يجعلنا حيث شاء، إن شاء جعلنا في ظلمة، وإن شاء جعلنا في نور، ثم مدوا أيدي القلوب نحوه كالتعلق به، فضرب بيده على قلوبهم، فقال: أنتم لي، عملتم لي أو لم تعملوا، فصارت هذه الكلمة مكتوبة على قلوبهم، فمن أصابته يمينه، فهم الأولياء، ومن أصابتهم يده الأخرى، فهم عامة الموحدين، ثم تناولهم، فصيرهم في قبضته، وصارت تلك الكلمة مكتوبة بين أعين الفؤاد على قلوبهم، وذلك قوله تعالى: {أولئك كتب في قلوبهم الإيمان}، وقال في الأخرى: {أولئك الذين طبع الله على قلوبهم}.فالطبع: هو الختم، اتبعوا بال أنفسهم، فقالوا: تركنا هاهنا في الظلمة، فلو كان دائماً، لم يتركنا، فهذه كانت صفتهم في البدو، فلم يزل ينقلهم من حالٍ إلى حال حتى ظهروا في الروح، وهو أول خلقٍ خلقه، ثم نقلهم إلى الهوى، ثم نقلهم إلى النور، ثم نقلهم إلى الماء، ثم نقلهم إلى التراب، ثم نقلهم إلى الطينة المعجونة طينة آدم عليه السلام، وأعطاهم كلهم الصورة، وظهر في الطينة طيب المتعلقين به، وسنة حمأة المعرضين عنه، وهو الذي قال تعالى في تنزيله: {من حمإٍ مسنونٍ}.ثم لما نفخ الروح فيه، أخرج المتعلقين في كتفه الأيمن كهيئة الدر في صفاءٍ وتلألؤٍ، وأصحاب الشمال كالحممة السوداء من كتفه الأيسر، والسابقون أمام الفريقين المقربون، وهم الرسل والأنبياء والأولياء، فقررهم كلهم، وأخذ عهدهم، وميثاقهم على الإقرار له بالعبودة، وأشهدهم على أنفسهم، وشهد عليهم بذلك، ثم ردهم إلى الأصلاب؛ ليخرجهم تناسلاً من الأرحام، أرحام الأمهات.
نوادر الأصول في معرفة أحاديث الرسول · Hadith 1558
Translated by Dr. Muhammad Muhsin Khan · Reviewed by Islamic University of Madinah · Published March 2020
