أنا قتيبة بن سعيد، عن ابن وهب، عن عمرو ابن الحارث، عن دراج، عن أبي الهيثم، عن أبي سعيد، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((كل حرفٍ ذكر الله في القرآن [من] القنوت، فهي الطاعة)).قال أبو عبد الله رحمه الله:فإنما صرفه إلى الطاعة؛ لأنها أكشف الأسماء، وأشهرها عند الناس، والعام إنما يعرف الطاعة والمعصية، فكل ما أمر الله به، فهو الطاعة، وكل ما نهى الله عنه، فهو معصية.فأما حاصل الاسم:فالطاعة: بذل النفس لله فيما أمر ونهى، والمعصية: امتناع النفس واستبدادها؛ لأن الله تعالى دعا العباد للوقوف بين يديه كالعبيد.فالمؤمنون أجابوا دعوته، وقبلوا العبودة، ثم دعاهم بعد ذلك إلى شيء بعد شيء من الأمر والنهي؛ ليأتمروا بأمره، وينتهوا عن نهيه، فمن ائتمر بأمره، وانتهى عن نهيه، فقد وفى بتلك الإجابة في المبتدأ، وبذلك القبول، فقيل: قد أطاع، فهو مطيع؛ أي: قد أعطى ذلك البذل الذي قبله في المبتدأ، فقوله: أعطى وأطاع، معناهما من حيث ما ذكرناه واحد، مشتق بعضها من بعض، وحروفهما في العدد سواءٌ وفي التأليف مختلفة، قدم العين هاهنا، وأخر العين هناك؛ لتباين المعنيين؛ ليستعمل هذا في عطاء العبودة، ويستعمل ذلك في عطاء الأشياء المملوكة.والمعصية: من التعيص، وهو اشتداد النفس وامتناعها، ومنه سمي العصا، يقال في اللغة: تعيص عليه؛ أي: امتنع وتشدد.وأما القنوت: فهو الركود، وكل شيء استقر في مكانه فلم يتحرك، فهو راكد، ومن ذلك سمي الماء راكداً: إذا أمسك عن الجري، والسفنرواكد: إذا سكنت الريح، ركدت السفينة، قال الله تعالى في تنزيله: {إن يشأ يسكن الريح فيظللن رواكد على ظهره}.ويقال: قنت ونتق، فالنتوق: أن يقابل الشيء بالشيء راكداً عليه، وذلك قوله تعالى: {وإذ نتقنا الجبل فوقهم كأنه ظلةٌ}.ومنه قول علي بن أبي طالب -كرم الله وجهه- حيث سئل عن البيت المعمور، فقال: هو بيت في السماء السابعة نتاق هذا البيت.أي: بحذائه وقبالته مطلاً عليه.فالنتوق: مقابلة الشيء بالشيء بحذائه.والقنوت: مقابلة قلبك عظمة من وقفت له، وبين يديه؛ فإنه روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: أنه قال: ((إذا صلى العبد، أقبل الله عليه بوجهه)).قال أبو عبد الله:فمن حق إقباله عليه: أن يقبل العبد بقلبه على عظمته وجلاله، فهذه مقابلة العبد بقلبه قبالة ربه، وهو القنوت، ومرجعه إلى ما كشفه رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: ((هو الطاعة)).لأنه إذا قابله بقلبه، فقد أعطاه بذل النفس، وقد أطاعه، وإنما صار إذا قابله باذلاً لنفسه؛ لأن القلب إذا لاحظ ببصر فؤاده جلاله وعظمته، خلص إلى النفس هول الجلال والعظمة، فانقبضت، وانقمعت، وانخشعت، وذهلت عن هشاشتها، وخمد تلظي نيران شهواتها؛ لما أحست به من ملاحظة الفؤاد، وخلص إليها من الهول.
نوادر الأصول في معرفة أحاديث الرسول · Hadith 1549
Translated by Dr. Muhammad Muhsin Khan · Reviewed by Islamic University of Madinah · Published March 2020
