نا عيسى بن أحمد العسقلاني، قال: نا بشر ابن بكر التنيسي، قال: نا سعيد، عن أبي الزاهرية، عن كثير بن مرة، عن عبد الله بن عمر: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((السلطان ظل الله في الأرض، يأوي إليه كل مظلومٍ من عباده، فإذا عدل، كان له الأجر، وعلى الرعية الشكر، وإذا جار، كان عليه الإثم، وعلى الرعية الصبر، فإذا جار الولاة، قحطت السماء، وإذا منعت الزكاة، هلكت المواشي، وإذا ظهر الزنا، ظهر الفقر والمسكنة، وإذا أخفرت أهل الذمة، أديل الكفار)).قال أبو عبد الله رحمه الله:إن الله تعالى أغاث عباده في أرضه بأربع:1 - بالقرآن: وهو كلامه، وعليه طلاوة كي يهتدوا، ويسلكوا طريقهم إلى الله تعالى في مدة أعمالهم، فإنه دعاهم فأجابوه، ولكل دعوة إجابة، ولكل إجابة سلوك وسير وقطع مسافة.2 - والسلطان: وعليه ظله؛ كي يتمانعوا بما في أيديهم من المهجة والمال والأهل والولد.3 - والمؤمن: وفيه نوره كي يهتدوا إلى خالقه، فيوحدوه، ويعبدوه.4 - والكعبة: وعليها بهاؤه ورحمته؛ كي يتطهروا بالرحمة التي فيها إذا طافوا بها، وكي يتهيئوا بذلك، فيقدموا على الله ببهائها.فهؤلاء الأربع غياث العباد، وإليهم المفزع، فإذا قصدوا الله، جعلوا نوره مرآة قلوبهم، فينظرون فيها إلى عجائب ما أبرز من ملكه من لدن عرشه إلى الثرى، وإلى عجائب تدبيره فيهم، وإلى قدرته عليهم، فأداهم ذلك النظر بقوة ذلك النور إلى عظمته، وجلاله ونفاذ قدرته، وإلى جوده وكرمه، ولطفه وعطفه عليهم، وبره بهم، وعظيم منه، فامتلأت صدورهم به علماً، وامتلأت قلوبهم به غنًى، وقويت أركانهم للقيام بأموره، وانقادت نفوسهم ذلة وخشعة وخضعة، واستسلمت لله، ونظرت عيون الأفئدة منهم إلى تدبيره وحكمه.وإذا قصدوا القرآن، جعلوا بسم الله الرحمن الرحيم علماً لعسكر القرآن، فإن القرآن بمنزلة جند وعسكر، فيه ألوان الأسلحة، وآلة الحرب والعدة، فبه تحارب الهوى والنفس والعدو، وتبطل مكائدهم، وتقلبهم عن طريقك إلى الله، فإنهم قعدوا على طريقك؛ ليصدوك عن السير إلى الله، وقد دعاك الله فأجبته، والعدو يتلظى غيظاً وحسداً من دعوته إياك، وإجابتك إياه؛ فإنه دعاك إلى المغفرة وإلى دار السلام، وأنزل عليك بذلك وحياً، فالعدو لا ينام ولا ينيم، يريد أن يعدلك عنه، حتى يسوقك إلى سجنه، والهوى من جنوده، فهو على المقدمة، والعدو من ورائه، والنفس طياشةخفيفة بلهاء، تفتتن بكلمة مدخولة واهية.فالقرآن عسكر المؤمن، وجند الله الأعظم، قواك به ربك، فيه ذكر الربوبية، وبها يبطل كيد العدو، وفيه ذكر الوعد، وبه تنخدع النفس، وتتلمظ بشفتيه على موعود الله، وفيه ذكر الوعيد، وبه تذل النفس وتنقمع، وفيه ذكر أنباء القرون، وبه تعتبر، وتتصور له عواقب الأمور، وفيه ذكر منن الله تعالى وإحسانه، ولطائفه لعبيده، وبره إياهم، فيه يسير القلب، ويرمي بما في يده صغارة له وحقارة، فالقرآن عسكر جرار يقطع به بلاء العدو، حتى تصل إلى دار الله بلاد الموحدين، وهي المأمن والقرار، قال الله تعالى في تنزيله: {فمن اتبع هداي فلا يضل ولا يشقى}.فأجار الله تابع القرآن من الضلالة له عن السلوك إلى دار المأمن، وأجاره من الشقاء، والشقاء فراق العبد من الله، والسعادة اندساسه إليه، وبسم الله الرحمن الرحيم قسم من ربنا أنزله عند رأس كل سورة يقسم لعباده: إن هذا الذي وضعت لكم يا عبادي في هذه السورة حق، وإني أوفي لكم بجميع ما ضمنت في هذه السورة من وعدي ولطفي وبري، ثم خص الشيء الذي به عظمت فتنة العباد، وهو الرزق، فخصه بقسم آخر، فقال تعالى: {فورب السماء والأرض إنه لحقٌ مثل ما أنكم تنطقون}.فإنما نزلت بسم الله الرحمن الرحيم في كتابنا، وعلى هذه الأمة خصوصاً.وإذا قصدوا الكعبة، لاذوا به حباً منه، وطافوا به تطلعاً وتلطفاً واستدراراً وانتجاعاً، وجددوا بيعة الإسلام الذي دنسوه وأخلقوه باستلام الحجر الذي فيه بيعتهم يوم استخرجهم من الأصلاب للميثاق، فاستأنفوا بهذا الاستلام عبودة الإسلام.وإذا قصدوا السلطان، ارتبعوا في ظله، وسكنت نفوسهم في المستراح من ذلك الظل؛ فإن الظلم له وهج، وحرارة تحرق الأجواف، وتظمئ الأكباد، فإذا رأت الغنم الظل، أحست بالماء الرواء، وبروح الظل، اندفعت في السير، وصيرته مفزعاً، فإذا صارت إلى الظل مع الظمأ والعطش الشديد، ولم تجد الماء، فبقيت على اليبس، ووجدت الذئاب قد سبقن إلى الظل، قد قعدت بمرصد للغنم، فما ظن العاقل بتلك الغنم ماذا يكون حالها؟ وما ظنه برب الغنم ماذا يقول للراعي؟ وعسى أن يقول: ألم يكن معك أسلحة وحراس تطرد الذئاب عن هذا المستراح؟ وكيف سددت مجرى العيون، حتى عطشت الغنم؟.فإذا جار، فعلى الرعية الصبر، وعليه الإصر، وإذا عدل، فله الأجر، وعلى الرعية الشكر.وأما قوله: ((وإذا جارت الولاة، قحطت السماء)) معناه: انقطع المطر من ماء الحيوان الذي ينزل من تحت العرش من بحر الأرزاق إلى السماء من الأبزن إلى السحاب، والأبزن هو: مستنقع الماء في السماء، فإذا أصاب السماء القحط، انقطع عن الأرض القطر، فإذا انقطع القطر، ماتت الأرض، فلم تنبت؛ لأن الأرض إنما تنبت بحياتها، وحياتها من ماء الحيوان، فإذا انقطعت الحياة عن الأرض، عجزت عن الإنبات؛ لأن الإنبات بحركة الحياة، فإذا جارت الولاة، ذهب العدل عن الأرض، وإذا ذهب العدل، منعت الحياة ماء الحيوان عن أن يقطر، فالوالي فاصل بين الحق والباطل، فإذا ذهب الفاصل، تقطعت الرحمة.وأما قوله: ((إذا منعت الزكاة، هلكت المواشي))؛ فإن الزكاة نمو المواشي، والمال والنمو من البركة، فإذا منعت الزكاة، بقي المال مع الدنس دنس العلائق، ولا بقاء للبركة مع الدنس، فإذا ارتحلت البركة عن شيء، هلك ذلك الشيء؛ لأن النسل ينقطع.وأما قوله: ((وإذا ظهر الزنا، ظهر الفقر))، فمن أجل أن الغنى من فضل الله، والفضل لأهل الفرح بالله تعالى وبعطائه، والمناكحة بمحاب الله، وبأمره وحبه يلتقي الزوجان على أفراح بالله، فوعدهم بذلك في تنزيله الغنىمن فضله، فقال: {وأنكحوا الأيامى منكم والصالحين من عبادكم وإمائكم إن يكونوا فقراء يغنهم الله}، ثم بين من أين يغنيهم، فقال: {من فضله}، والفضل قبل القسمة.ولذلك قال عمر رضي الله عنه: ما وجدنا طلب الغنى في مثل الباءة، وتلا هذه الآية.فإذا زنى، فقد آثر الفرح الذي هو من قبل العدو، والمستقر للآدمي السابي لقلبه عن الفرح الذي ندب الله إليه عباده، فقال: {قل بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا} الآية.فإذا آثر الفرح الذي بيد العدو، على الفرح بفضل الله، ذهب الفضل والغنى؛ لأنه قد جاوره من يدنسه.وأما قوله: ((إذا أخفرت الذمة، أديل الكفار))؛ لأن المؤمن عاهد الله بالوفاء بذمته، فإذا أخفر، نقض العهد، ووهن عقد المعرفة؛ لأن المعرفة مقرونة بالعهد، معقودة به، فبنقض المهد يخاف انحلال العقد، فمن قبل الانحلال يذهب هيبة الإسلام، ويقذف الوهن في قلبه.
نوادر الأصول في معرفة أحاديث الرسول · Hadith 1514
Translated by Dr. Muhammad Muhsin Khan · Reviewed by Islamic University of Madinah · Published March 2020
