نا بذلك أبي، قال: نا صالح بن محمد، قال: نا محمد بن عبد الرحمن، عن عباد بن كثير، قال: نا أبان، وليث، عن شهر بن حوشب، عن عبادة بن الصامت، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم بمثله يقول.فجاءت الأمور إلى العباد على أنحاء شتى، فمنها ما جاء: يا أيها الناس! افعلوا كذا، ومنها ا جاء: يا أيها الذين آمنوا! افعلوا كذا.فهذه دعوة بالكنية، والأولى دعوة بالاسم.ومنها ما جاء: {قل للمؤمنين}. ومنها ما جاء: {قال الله}. ومنها ما جاء: {قال ربكم}.وين هذه الأشياء تفاوت في المعاني يطول الكلام في تفسيرها، وإنما أردنا التنبيه في هذا الموضع؛ لعظم قدر هذه الكلمة: {وقال ربكم ادعوني أستجب لكم}.وكان خالد الربعي يقول: عجبت لهذه الآية: {ادعوني أستجب لكم}، أمرهم بالدعاء، ووعدهم بالإجابة، وليس بينهما شرط.قال له قائل: مثل ماذا؟.قال: مثل قوله: {وبشر الذين آمنوا أن لهم قدم صدقٍ عن ربهم}. ليس فيه شرط العمل، ومثل قوله تعالى: {فادعوه مخلصين له الدين}.فهاهنا شرط، وقال تعالى: {ادعوني أستجب لكم} ليس فيه شرط.فكانت الأمم تفزع إلى أنبيائها في حوائجهم حتى يسأل بالأنبياء لهم ذلك.وروي عن علي بن أبي طالب -كرم الله وجهه-: أنه قال: أوحى الله إلى عبده المسيح أن قل لبني إسرائيل: إني لا أستجيب لأحد منهم دعوة، ولأحد منهم قبله مظلمة.وقال في حديث آخر: يا عيسى! قل لبني إسرائيل: أن لا يمدوا أيديهم بالرغبة إلي حتى يتبرؤوا من أنجاس الذنوب.وقال في حديث آخر: قوله لموسى صلى الله عليه وسلم: لو دعاني حتى تنقطع أوصاله، ما استجيب له حتى يخرج الذنوب من بين أعضائه.فإنما خص الله هذه الأمة من بين الأمم بما أطلق لهم من الدعاء، ورفع الشرط الذي كان منه على بني إسرائيل؛ ليصل إليهم تلك الحظوظ التي سبقت لهم من الله الحسنى من قبل دعائهم على ألسنتهم؛ لئلا يقع الخصومة في الأمم يوم القيامة، فيقولون: أعطيتهم ولم تعطنا، فأعطاهم من اليقين ما نفذ بقلوبهم إلى محل الإجابة.والإجابة: هي الجوبة جوبة الدعاء: أن ينجاب لهم عن الحجاب دعاؤهم بنور اليقين الذي فضلوا به، ولذلك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((أعطيت أمتي من اليقين ما لم تعط أمةً)).وذلك قوله في تنزيله: {أن يؤتى أحدٌ مثل ما أوتيتم}، ثم قال: {ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله واسعٌ عليمٌ}، {ما أوتيتم}؛ أي: لن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم، ثم قال: {قل إن الفضل بيد الله يؤتيه من يشاء والله واسعٌ عليمٌ}؛ أي: واسع لمن أعطى، عليم بمن هو أهل لذلك، {يختص برحمته من يشاء والله ذو الفضل العظيم}.والاستجابة والإجابة: هو أن ينفذ دعاء العبد بقوة نور اليقين حتى تنجاب الحجب، فتجوز الدعوة إلى الله، فتقف بين يديه مقتضياً للحاجة، ولذلك قال تعالى: {فإني قريبٌ أجيب دعوة الداع إذا دعان}؛ أي: أجعل لدعوته جوبة، وهو المستقر؛ حتى يقتضي الحظ الذي وضعت له بين يدي، فأقضي أن أمضي له من بين يدي حتى تصل إليه، ولو لم يكن له حظ، لم ينل شيئاً، ولم أترك دعوته مهملة؛ بأن ذخرت له ذخيرة إذا قدم عليها، ود أنه لم يستجب له دعوة؛ لما يرى من فضل تلك الذخيرة على ما سأل.وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((ادعوا الله وأنتم موقنون بالإجابة))؛ أي: معكم نور اليقين حتى ينجاب لكم الحجاب وينفلق، وتنفذ الدعوة إلى ربها.فلما كان شأن هذه الحظوظ على ما وصفنا، وأحب الله أن يوصلها إليهم من طريق دعائهم، هيأ لهم فاتحة الكتاب، فأنزلها على هذه الأمة دون سائر الأمم، خصهم بها كما خصهم بالدعاء، فجعل نصفها ثناء، ونصفها دعاء؛ ليثني هذا العبد بقوله: بسم الله الرحمن الرحيم {الحمد لله رب العالمين} إلى قوله: {إياك نعبد}، ثم يرفع حاجته من قوله: {وإياك نستعين} إلى آخرها.ثم أعطاهم آمين، خصهم به من بين سائر الأمم؛ ليصير التأمين طابعاً على دعائهم، فختم به، فأنزل الله عليهم فاتحة الكتاب، وخزنها عن الأمم؛ ليثنوا عليه بأبلغ الثناء، ويسألوه أوفر المسائل، ففي ذلك الثناء مجمع الثناء، وفي تلك المسائل مجمع الحاجات، وهذا لا يعقله إلا أهله، ثم وضعها في التنزيل، وسماها: القرآن العظيم، فقال تعالى: {ولقد آتيناك سبعاً من المثاني والقرآن العظيم}.وروي عن أبي هريرة، عن أبي بن كعب، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: أنه قال: ((والذي نفسي بيده! إنها السبع المثاني، وإنها القرآن العظيم)).يعني: فاتحة الكتاب.فوفر الله حظ محمد صلى الله عليه وسلم وحظوظ أمته في حظه، وبرز بذلك على الخلق كلهم، فجعل ذلك الحظ كله في بسم الله الرحمن الرحيم، والحمد لله، إلى قوله: {ولا الضالين} آمين.فختمها بآمين، فجعل مفتاحها اسم الله، ووضعها في أم الكتاب الذي لم يطلع عليه أحد في الحجب مع الحكمة والرحمة بين يديه، ثم أصدرها مع سائر الكتب من أم الكتاب إلى اللوح، ثم أنزل الكتب التي أرسل إلى الأمم، واستثنى هذه السورة منها، فخزنها عن الرسل والأمم، وادخرها لمحمد صلى الله عليه وسلم وأمته، وصيرت هذه السور كلها حروفاً مؤلفةً منتظمة تلك الحروف لجميع حروف القرآن، فسميت: أم الكتاب؛ لأن الكتاب استخرج منها، وسميت مثاني؛ لأنها استثنيت من الرسل والأمم، وسميت: القرآن العظيم، فقال تعالى: {ولقد آتيناك سبعاً من المثاني والقرآن العظيم}؛ أي: سبع آيات مما استثنيناه من الكتب، وادخرناهلك ولأمتك، ثم قال: {والقرآن العظيم}؛ أي: آتيناك القرآن العظيم، فسماه الله: عظيماً.وروي عن ابن عباس: أنه قال: الآية السابعة: بسم الله الرحمن الرحيم.
نوادر الأصول في معرفة أحاديث الرسول · Hadith 1489
Translated by Dr. Muhammad Muhsin Khan · Reviewed by Islamic University of Madinah · Published March 2020
