نا عمر، قال: نا فهد بن سلام، عن ليث، عن مجاهد، عن ابن عباس، عن النبي صلى الله عليه وسلم، بمثله، غير أنه زاد فيه: فرآه تبسم، فقال: ما يضحكك يا رسول الله أضحك الله سنك؟ قال: ((يضحكني جمالك))، قال: وما الجمال يا رسول الله؟ فذكر بقية الحديث.قال أبو عبد الله رحمه الله:فهذا الكمال موجود في الرجال بفضل العقول وتفاوتها، لأن المعرفة مع العقل، والنساء منقوصات في العقول، وعقولهن على النصف من عقول الرجال، ولذلك صارت شهادة امرأتين تعدل بشهادة رجل؛ لنقص عقولهن، فأما مريم بنت عمران، وآسية بنت مزاحم، فإنهما برزتا على النساء بما أعطيتا فكملتا.قال له قائل: ماذا أعطيتا حتى كملتا؟.قال: أعطيتا السبيل إلى الوصول إلى الله، ثم الاتصال به حتى علمتا، وذلك ما ندب الله إليه عباده المؤمنين فقال: {يأيها الذين آمنوا اتقوا الله وابتغوا إليه الوسيلة وجاهدوا في سبيله لعلكم تفلحون}، وفيما قص الله علينا من نبأيهما دليل على كمالهما من قوله: {وضرب الله مثلاً للذين آمنوا امرأت فرعون}؛ أي: صفة للذين آمنوا ليمتثلوا، فيطلبوا هذا المثال من أنفسهم، فقال: {امرأت فرعون إذ قالت رب ابن لي عندك بيتاً في الجنة ونجني من فرعون وعمله}.والعند في اللغة أقرب بين يديه، فسألت ربها مستقراً بين يديه في داره، في مكان القربة، فلم تسأل ذلك إلا وقد طالعت نور القربة، ثم قال: {ونجني من فرعون وعمله} سألت أن يخلصها من سلطان فرعون، حتى لا يجتمعا في شأن البضاع على رائحة الشرك.ولذلك حرم الله تعالى على المؤمنين مشركات النساء؛ لئلا يجمع رائحة التوحيد مع رائحة الشرك، وأباح نساء أهل الكتاب؛ لأنهن غيرمشركات، ثم قال: {ومريم ابنت عمران التي أحصنت فرجها فنفخنا فيه من روحنا وصدقت بكلمات ربها وكتبه}.فالتصديق بالكلمة أعظم الأشياء؛ لأنها لم تعاين الملائكة، وإنما سمعت صوت البشرى: {إن الله يبشرك بكلمةٍ منه}، فصدقت، ولم تتردد، فسماها الله صديقة في تنزيله، فقال: {وأمه صديقةٌ}؛ فبالاتصال تبلغ العباد أعلى منازل الصديقين، فلا يبقى لهم في أمر الله حيرة.ألا ترى أن سارة لما بشرت بإسحاق كيف اضطربت حتى أنكرت الملائكة من قولها: {إن هذا لشيءٌ عجيبٌ. قالوا أتعجبين من أمر الله}.فتبين منها هاهنا نقص، وتبين الكمال من مريم حيث بشرت بالكلمة من قوله: {إن الله يبشرك بكلمةٍ منه اسمه المسيح عيسى ابن مريم وجيهاً في الدنيا والآخرة ومن المقربين. ويكلم الناس في المهد وكهلاً ومن الصالحين}، فعندها قالت: {أنى يكون لي ولدٌ ولم يمسسني بشرٌ}، فإنما سألت: من أين هذا الولد؛ لأنه قد جاءها من أمر الله ما ليس في البشر مثله، والذي جاء من أمر سارة ليس بمستنكر لا يكون مثله في البشر.ألا ترى أنه لما جاء الولد من إبراهيم -عليه الصلاة والسلام- وسارة لم يفتتن الخلق به، ومجيء عيسى -عليه الصلاة والسلام- صار فتنة على المفتونين.
نوادر الأصول في معرفة أحاديث الرسول · Hadith 1390
Translated by Dr. Muhammad Muhsin Khan · Reviewed by Islamic University of Madinah · Published March 2020
