نا عمر بن أبي عمر العبدي، قال: نا محمد ابن مخلد أبو أسلم الرعيني، قال: نا يعلى بن الأشدق الطائفي، قال: سمعت عمي عبد الله بن جراد يقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ((ليس الأعمى من يعمى بصره، وإنما الأعمى من تعمى بصيرته)).قال أبو عبد الله رحمه الله:وذلك قوله تعالى في تنزيله: {فإنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور}.فالبصر في العين الناظرة الظاهر من نور الروح، والبصيرة علىالنفس من القلب من نور معرفة الفطرة، وذلك أن الله تعالى كان ولا شيء، ثم قدر المقادير، فأبرز علمه في خلقه يوم المقادير، ولا عرش ولا كرسي، ولا جنة ولا نار، ولا مكان ولا وقت ولا زمان، ولا خلق مخلوق، ثم عرضهم، فنظر إليهم حتى أنفذهم بصره، فمعرفة الفطرة من ذلك النور الذي أنفذهم بصره، فمن ثم عرفوه، فقال في تنزيله: {بل الإنسان على نفسه بصيرةٌ}؛ أي: من نور معرفة الفطرة عليها بصيرة تبصره أن هذا الذي يبصر بعين الرأس هو آيات الله، وآثار قدرته.فهذا الإنسان خرج من بطن أمه مع هذه البصيرة لا يقدر أن يجحد ربه ولا ينكره؛ لأن بصيرته معه، فلما تحركت منه الشهوات التي في نفسه، عميت بصيرته؛ لأن القلب مال إلى الفرح بالشهوات، والنفس مالت إلى اللذة بالشهوات، فعميت بصيرته، فصار كمن لا يعرف؛ لأنه افتقد قوة المعرفة، فذهب اعتمالها، فلذلك قبل من العدو ما جاء به من الشرك والعبادة لمن دونه، واتخاذ ولي من دونه، فظلمة الشهوات حجبت تلك البصائر، بصائر الهدى من الناس، ثم من الله على مختاريه من ولد الآدميين، فاختار من كل ألف واحداً، فوضع فيه الخير حتى صار مختاراً، ثم من عليه بنور التوحيد، وفي جوف ذلك النور نور المحبة، ونور البهاء، فقيد قلبه ونفسه الشهوانية بنور المحبة، فلما وجدت النفس حلاوة نور المحبة،رفضت حلاوة عبادة الوثن، وبنور البهاء دان للتوحيد لله، وقبح عنده الشرك، فرفضه، فبوجود نور المحبة، ونور البهاء، لم تعجز بصيرته، وازدادت البصيرة قوة بوجود هذه الأنوار التي جاءت من المنة، فمن صار هذه الأنوار له، وتخلص من دخان النفس وحريق الشهوات، قويت بصيرته قوة تهتك كل حجاب بينه وبين ربه من حجب الآدميين، وصدرت أعماله من صدره إلى الأركان على مشاهدة اليقين، ومعاينة القلب محل المقادير، ومحل القضاء من ملك الجبروت.وذلك قوله تعالى: {قل هذه سبيلي أدعوا إلى الله على بصيرةٍ}، ثم قال: {أنا ومن اتبعني وسبحان الله وما أنا من المشركين}.فلم يجعل الدعاء إلى الله على بصيرة إلا لتابعي محمد، وتابعوه: من هاجر عما نهى الله عنه، ونصر الحق في كل موطن، وكان له السبق، فهذا عبد قد رضي الله عنه، فأعطاه حبه، فأحبه، فاحتدت بصيرته، حتى انتهت إلى المقام بين يديه، فباطن الأشياء له معاينة، كظاهر الأشياء لأهل الغفلة معاينة، فأهل الغفلة ينظرون إلى الأشياء بنور الروح، وهذا الموقن الذي وصفناه، ينظر إلى الأشياء بنور الله.ولذلك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((اتقوا فراسة المؤمن، فإنه ينظر بنور الله)).وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحديث الذي يأثره عن جبريل عليه السلام عن الله تعالى: أنه قال: ((ما تقرب إلي عبدٌ بمثل أداء فرائضي، وإنه ليتقرب إلي بعد ذلك بالنوافل حتى أحبه، فإن أحببته، كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ولسانه الذي به ينطق، ويده التي بها يبطش، ورجله التي بها يمشي، وفؤاده الذي به يعقل، فبي يستعمل هذه الأشياء)).فإذا أدى الفرائض، وهو إقامة الأمر والنهي، فقد هاجر، وإذا انتقل بعد إقامة الأمر والنهي، فقد نصر الحق، وإذا قطع العلائق، نال السبق؛ لأنه قد انفلت من المتعلقين، فطار إلى ربه، فهذا التابع بإحسان قول الله تعالى في تنزيله: {والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسانٍ رضي الله عنهم ورضوا عنه وأعد لهم جناتٍ تجري تحتها الأنهار خالدين فيها أبداً ذلك الفوز العظيم}.فالسبق والأولية في كل أمر وعمل لهذه الطبقة التي هاجرت عن الآثام، ونصرت الحق، فهم أهل الرضا، ومحبوبو الله أيام الدنيا؛ لأنهم اتبعوا رأس المحبين محمداً صلى الله عليه وسلم، فنالوا من تلك المحبة التي أعطيت محمداً عليه السلام.وقال في تنزيله: {قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله}، فجعل اتباع محمد صلى الله عليه وسلم علامة لمحبة الله، فمن اتبعه صدقاً، نال حبه صدقاً.
نوادر الأصول في معرفة أحاديث الرسول · Hadith 1387
Translated by Dr. Muhammad Muhsin Khan · Reviewed by Islamic University of Madinah · Published March 2020
