نا عمر بن أبي عمر قال: نا إسحاق بن إبراهيم بن يزيد القرشي، قال: نا خالد بن يزيد المري، قال: حدثني العلاء بن الحارث، عن مكحول، عن كثير، قال أبو عبد الله رحمه الله: وهو ابن مرة عندي-، عن أبي الدرداء، قال: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((يا عويمر، حافظ على أن لا تبيت إلا على وترٍ، وركعتي الضحى، مقيماً أو مسافراً، وصيام ثلاثة أيامٍ من كل شهرٍ، تستكمل الزمان كله -أو قال-: تستكمل الدهر كله)).قال أبو عبد الله رحمه الله:فالعبد: محسوب عليه عمره، معدود له أنفاسه، مقتضياً منه العبودة في هذا العمر في كل نفس، فأمر بالجملة، فقبلها، وهي شهادة أن لا إله إلا الله، وقبول ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم من عنده على صدق الاعتقاد من قلبه،ثم اقتضى ما قبل مجملاً في جميع عمره سنةً سنة، وشهراً شهراً، ويوماً يوماً، وساعةً ساعةً، ونفساً نفساً، فمنه ما اقتضي في وقت دون وقت، ومنه ما اقتضي في الأوقات كلها.فأما ما اقتضي في وقت دون وقت، فالفرائض، وأما ما اقتضي في الأوقات كلها، فالعبودة في كل نفس، فأجمل الله تعالى بعطفه وكرمه للعباد أمراً أجمل به العبودة، كي إذا فعلوها، استكملوا الدهر كله عبودة، فدلهم لعبودتهم في النهار على ركعتي الضحى بعد أداء الفرائض، واجتناب المحارم، فإذا أدى فرضه من صلاة الفجر، انتظر طلوع الشمس، وتحليل الصلاة، فإذا أضحت، صلى ركعتين على سبعة أجزاء، بسبع جوارح مقسومة على هذه الأجزاء بما ضمت، وحسبت على ثلاث مئة وستين جزءاً؛ ليخرج إلى الله من صدقة النفس، وذلك قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إن على كل آدميٍّ ثلاث مئة وستين سلامى، على كل سلامى منها صدقةٌ، ركعتا الضحى تجزئك من ذلك كله)).فهذه صلاة يومه للعبودة.وأما صيام ثلاثة أيام من كل شهر: فالحسنة بعشر أمثالها، فاليوم الواحد بعشرة أيام، فصيام ثلاثة أيام من كل شهر هو ستة وثلاثون يوماً للسنة كلها، والسنة ثلاثة مئة وستون يوماً، فقد صار العبد في جميع عمره صائماً، وبركعتي الضحى في جميع عمره قائماً، هذا في نهاره، فأما في ليله، فالفوز بصلاة الوتر، فإذا كان صائماً قائماً في نهاره، وبوتره فائزاً، فقد استكمل الزمان كله، كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم.فهذه دلالة لله لأهل السعادة على ما به يستكملون العبودة بعد أداء الفرائض، واجتناب المحارم، فمن داوم على هذا، كان اسمه في ديوان الصائمين، القائمين، الفائزين، وهو طاعم، شارب، ونائم، ذلك ليعلم يسر الله لهذه الأمة، ورفع الحرج عنهم في دينهم، وسماحته فيما اقتضاهم مما له خلقهم.فأما شأن الوتر: قال الله تعالى: {ومن كل شيءٍ خلقنا زوجين لعلكم تذكرون}.إن الزوجين متضادان متنافيان، ينفي أحدهما الآخر؛ مثل: الليل والنهار، والنور والظلمة، والحر والبرد، والرطب واليابس، فيتذكرون بأن لا أحد يزاوجني أو يضادني، وأنا الفرد الوتر، ثم خلق الأشياء على محبوب الوترية واحداً وثلاثاً وخمساً وسبعاً، فالعرش واحد، والكرسي واحد، والقلم واحد، واللوح واحد، والدار واحدة، والسجن واحد، وأبواب الدار سبعة، ثم زيد في العدد واحد لمحمد صلى الله عليه وسلم: باب الرحمة، وهو باب التوبة، وهو أصل الأبواب.وأبواب السجن سبعة، وعمال الله مقسومون على سبعة أجزاء، وأهل النار مقسومون على سبعة أجزاء، وظلال الآدميين سبع، وهي السماوات، ومهادهم سبع، وهي الأرضون، والأيام سبعة، وخلق الآدميين من سبع، وأرزاقهم من سبعة، وعبودتهم على سبع جوارح.ثم افترض على العباد من الصلوات خمساً، فالخمس وتر، وعدد ركعاتها سبعة عشر، وهن وتر، وأم القرآن وتر، وهي سبع آيات، وأدنى القراءة وتر، وهي آية، وأدنى التسابيح في الركوع والسجود وتر، وهي ثلاث، وركعة وسجدتان وتر، وفرض الحج في يوم تاسع ذي الحجة، وفرض الزكاة في كل مئتي درهم خمسة دراهم، والعشرة من كل عشر واحدة، وافترض على العباد حفظ سبع جوارح، وجعل التقوى في سبع، وأسماؤه التي هي حظوظ العباد وتر تسعة وتسعون اسماً، والقلب وتر، وخالقه وتر.فأظهر الله محبوبه في هذه الأشياء، وفي عامة الأشياء اقتصرنا على ما ذكرنا، فجعل الله للعباد في ليلهم -بعد أداء فرائضهم- الوتر في الركعة الثالثة التي هي وتر موقفاً، فهما موقفان: موقف في كل سنة في تاسع ذي الحجة، وموقف في كل ليلة بعد صلاة العشاء في الركعة التي وسمها بالوترية، تلك ركعة عليها سمة الله تعالى بأن فضلها على الأعمال، فموقف الحج نطق به لسان الكتاب، وموقف الوتر نطق به لسان الرسول صلى الله عليه وسلم.وفي كل موقف نصه الله لعباده على لسان الكتاب، أو على لسان الرسول، فللعباد في ذلك الموقف من الله نوال، وقرات عين لا يخطر على قلب بشر، وإن ذهب الواصف يصفه من طريق الحكمة، عجز عنه؛ فإن الله تعالى لم يشر للعباد إلى شيء إلا ولهم فيه نوال موضوع، فكيف إذا أشار لهم إلى الوقوف بين يديه؟ فقد كتب عليهم الخمس المفروضات غياثاً لهم، وليطفئوا بها حريقهم، وما من صلاة يدخل وقتها إلا قال أهل السماء: يا بني آدم! قوموا إلى نيرانكم، فأطفئوها.فصرن هذه الخمس مكتوبات، والعهد في الكتاب، وليس شيء من الفرائض كمثلها، فإذا وافوا عرضة الثواب بالعهود التي خرجت لهم من في مواقيت الصلوات، جاء العبيد بالعهود، فأوجب لهم الجنة، ثم كان من عطف الله الجليل أن زادهم بجود جلاله هذه الصلاة بعد صلاة العشاء، وسن لهم على لسان الرسول صلى الله عليه وسلم فيها موقفاً يدخلون في ذلك الموقف على الله بالتكبير المجدد، فيكون كمن دخل الدار، ثم تخطى من الدار إلى محل الملك من السرير، والمجلس بين يديه واقفاً يرفع إليه رغباته، ويعتذر إليه من عمل نهاره، ومن تقصيره وتفريطه، ويفتقر إلى الله، ويبتئس، ويتمسكن، ويتخشع، ويتضرع، ويتعوذ من الأهوال، والأخطار التي هو عليها، فإنما استأنف التكبير، ورفع اليدين في الركعة الثالثة، وهو في الصلاة؛ لأنه انتقل من موقف إلى موقف أجل منه، فالصلوات الخمس تكفير لسيئاتهم.في ذلك الموقف من الوتر: نوال يملأ منه رغباتهم، ومركز يجدون فيه سعاداتهم، فالنوم بعد النوال أفضل من أن يؤخرها إلى آخر الليل، وإذا أوتر أول الليل، عرجت نفسه إلى الله في منامها مع الفوز بالنوال والمعاد، فترجع مع المزيد، فلذلك أوصاه رسول الله صلى الله عليه وسلم أن لا ينام إلا على وتر.وكان أبو بكر رضي الله عنه يوتر قبل أن ينام، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((متى توتر يا أبا بكرٍ؟))، قال: أول الليل أحرزت نهبي، وأبتغي النوافل، قال: ((أخذت بالحزم))، وقال لعمر رضي الله عنه: ((متى توتر يا عمر؟))، قال: آخر الليل،قال: ((أخذت بالقة)).فالحزم احتياط وثقة.والقوة ملك النفس، ومدد الوكالة.فأبو بكر لاحظ كنه الوتر، وعمر لاحظ الساعة التي يؤدى فيها الوتر، ولم يلاحظ الكنه.ألا ترى إلى قول أبي بكر حيث قال: أحرزت نهبي، فصير موقف الوتر موقفاً فيه نثار وغنيمة، فينتهبه، فما ظنك بنثار الله وغنمه؟! ثم يبتغي فيما بقي من الليل نوافل الرب، وعمر رضي الله عنه ذهب إلى الساعة التي آثرها الله تعالى من ساعات الليل، فهبط إلى السماء الدنيا، واطلع إلى عباده وناداهم، وهي ساعة اهتز لها العرش، واشتغلت الملائكة في صفوفها، وانقطعت صلواتهم لما رأوا من هبوط الرب إلى السماء الدنيا، سماء العبيد، واطلع إليهم، وناداهم.فإنما سبى قلب عمر هذا المعنى حتى لهى عن نهب موقف الوتر، فاستكمل أمة محمد عليه السلام شأن دين الإسلام، وشأن العبودة بعد أداء الفرائض، واجتناب المحارم بهذه الثلاث خصال حتى وفرت العبودة لهم.فصيام ثلاثة أيام من كل شهر، وهو ستة وثلاثون يوماً، محسوب لهم كل يوم بعشرة، فذلك ثلاث مئة وستون يوماً، فهم السنة كلها صيام.وأن لا ينام إلا على وترٍ حتى ينال في ذلك الموقف نثار الله ونهب العبيد.وركعتي الضحى حق السلامى، وهي ثلاث مئة وستون مفصلاً، فموقف الحج موقف المباهاة، وموقف الإسلام.ألا ترى أنه يقال: حجة الإسلام وقف العبد ليسلم إليه رقبته عبودة؛ ليتخذه عبداً، فيباهي الله به في سمائه، وهبط إلى سماء العبيد؛ ليطلع إليهم، ويباهي بهم ملائكته.والمباهاة: أن يريهم بهاء الإسلام الذي على عبيده في تسليمهم النفوس إليه معتذرين باكين، متضرعين ملقين بأيديهم سلماً، رافعي أيديهم إليه طمعاً، فيقول للملائكة: انظروا إلى عبيدي، فتلك المباهاة.وموقف الوتر: موقف هدايا المعرفة، ومزية الإسلام، ورحمة العامة، فهدايا المعرفة في هذا الموقف للأولياء والأصفياء، ومزية الإسلام للصادقين المجتهدين، والرحمة للعامة، تخرج لهم من تلك الرحمة بركات وعصمات، ويتجدد عليهم دينهم، فسمي ذلك الموقف: قنوتاً؛ لأنه قنت لربه بما هيأ له من الموقف في مقامه؛ لأن المقام للصلاة، والموقف للركعة الثالثة، والقنوت للموقف، وهو بمنزلة بيت في بيت، والجواهر في البيت الأقصى، وحشو ذلك القنوت رغبة العبد، وعلى قدر الرغبة يخرج من العبد ثناءه على ربه، ومحامده له، وذكر آلائه، وبث مننه، ونشر صنائعه، واعترافاً بمساوئه، وتوبة إليه، واعتذاراً إليه، وتنصلاً بالاستغفار، وترضياً وتملقاً وتضرعاً، واستعاذة بالمعاذ، واختتاماً بالكلمة التي بها يستجاب، ويجاب مما خص الله به هذه الأمة، وحسدتنا عليه اليهود من أنه أعطى نبيهم موسى وهارون عليهما السلام، ولم يعطوا، وأعطى محمد عليه السلام، وأعطينا معاشر الأمة كرامة لمحمد عليه السلام.وروي عن رسول الله: أنه قال: ((أمرني جبريل عليه السلام، ولقاني عند فراغي من فاتحة الكتاب: آمين، وعند الدعاء، وقال: إنه كالطابع على الكتاب)).
نوادر الأصول في معرفة أحاديث الرسول · Hadith 1297
Translated by Dr. Muhammad Muhsin Khan · Reviewed by Islamic University of Madinah · Published March 2020
